تمثل ظاهرة
تنظيم القاعدة واحدة من أكثر الظواهر الاستراتيجية تعقيدا في دراسات الإرهاب
الدولي المعاصر. فمنذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، وما تلاها من حرب عالمية
على الإرهاب استهدفت تفكيك بنيته المركزية، أظهر التنظيم قدرة فائقة على التكيف مع
المتغيرات الجيوسياسية والأمنية. لم يكن هذا الصمود مجرد صدفة تاريخية، بل كان نتيجة
لتحول هيكلي وعقائدي عميق انتقل من خلاله التنظيم من )المركزية الصلبة( إلى )اللامركزية الشبكية(، مما مكنه من البقاء والنمو في
بيئات معادية ومتقلبة.
تتمحور
إشكالية هذه الدراسة حول التساؤل الجوهري: كيف استطاع تنظيم القاعدة الحفاظ على
تماسكه الأيديولوجي وتأثيره العملياتي رغم فقدان معظم قياداته التاريخية وتدمير
ملاذه الآمن التقليدي؟ وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التنظيم اعتمد
استراتيجية مزدوجة تقوم على )اللامركزية
التنظيمية( من جهة، و)المحلية
العالمية( من جهة أخرى، حيث يتم
تفويض السلطات العملياتية للفروع الإقليمية مع الحفاظ على مرجعية فكرية موحدة، وهو
ما سمح له بالتحول من منظمة عابرة للحدود إلى فاعل محلي متجذر في النزاعات
الإقليمية، لا سيما في القارة الأفريقية.
.
الفصل الأول: إعادة هيكلة القيادة والمركزية
(من الظل إلى طهران وكابول)
شكل
مقتل أيمن الظواهري في كابول خلال
يوليو/تموز 2022 لحظة مفصلية في تاريخ تنظيم القاعدة، ليس فقط بسبب فقدان أحد أبرز
منظريه وقادته التاريخيين، بل لأن الحدث كشف بصورة نهائية عن التحولات العميقة
التي عرفها التنظيم منذ مقتل أسامة بن لادن
سنة 2011. فبينما كان الظواهري يمثل امتدادا للجيل المؤسس ويحافظ على رمزية
القيادة المركزية، جاءت المرحلة اللاحقة لتؤكد انتقال القاعدة من نموذج التنظيم
الهرمي العالمي إلى نموذج الشبكة اللامركزية التي تتوزع فيها السلطة بين القيادة
والفروع الإقليمية. وفي هذا السياق برز سيف العدل
بوصفه الشخصية الأكثر قدرة على ملء الفراغ القيادي، مستفيدا من مكانته التاريخية
داخل التنظيم ومن خبرته العسكرية والأمنية الطويلة. وتشير تقديرات أممية متكررة
منذ 2023 إلى أنه القائد الفعلي للتنظيم، رغم استمرار الغموض حول إعلان بيعته
بصورة رسمية.
وتختلف
شخصية سيف العدل عن سابقيه بصورة واضحة. فالرجل لا ينتمي إلى نمط القائد الكاريزمي
التعبوي الذي مثله بن لادن، ولا إلى نمط المنظر العقائدي الذي جسده الظواهري، بل
يمثل نموذجا أقرب إلى القائد العسكري المحترف. فقد تشكل وعيه التنظيمي داخل البيئة
العسكرية المصرية قبل انخراطه في الحركات الجهادية العابرة للحدود، وهو ما انعكس
على رؤيته للأمن والتنظيم والانضباط. ولذلك تبدو أولوياته مركزة على حماية البنية
التنظيمية وضمان بقائها أكثر من السعي إلى إنتاج خطاب أيديولوجي واسع أو إطلاق
مشاريع دعائية كبرى. ومنذ صعوده إلى موقع القيادة الفعلية، لوحظ تراجع الحضور
الإعلامي للقيادة المركزية مقارنة بالمراحل السابقة، مقابل زيادة التركيز على
إدارة العلاقات بين الفروع والمحافظة على تماسك الشبكة العالمية للقاعدة.
ومن
أبرز القضايا التي أحاطت بقيادة سيف العدل مسألة وجوده المفترض داخل إيران.
فالتقارير الصادرة عن فريق الرصد التابع للأمم المتحدة استمرت في الإشارة إلى أن
عددا من الدول الأعضاء يرى أنه يقيم في إيران ويدير من هناك جزءا مهما من شؤون
التنظيم، بينما ترفض طهران هذه الاتهامات وتصفها بأنها غير مدعومة بأدلة كافية
ومبنية على مزاعم سياسية. ويعكس هذا الجدل الطبيعة المعقدة للعلاقة بين القاعدة
وإيران، وهي علاقة لا يمكن اختزالها في مفاهيم التحالف أو العداء التقليدية. فمعظم
الدراسات المتخصصة تتحدث عن علاقة براغماتية فرضتها اعتبارات الأمن والبقاء أكثر
مما فرضتها تقاطعات أيديولوجية أو مذهبية. فمن جهة، استفادت بعض قيادات القاعدة
تاريخيا من وجودها داخل الأراضي الإيرانية أو من المرور عبرها بعد سقوط نظام
طالبان سنة 2001، ومن جهة أخرى حرصت إيران على إبقاء هذه العناصر تحت أشكال مختلفة
من الرقابة والقيود، بما يجعل العلاقة أقرب إلى )إدارة احتواء(منها إلى شراكة استراتيجية كاملة.
وقد
أدى هذا الوضع إلى نتائج تنظيمية مهمة. فوجود القيادة في بيئة مقيدة نسبيا وصعوبة
التواصل المباشر مع ساحات النشاط الجهادي دفعا نحو تعزيز استقلالية الفروع
الإقليمية. وعلى خلاف مرحلة بن لادن التي كانت فيها القيادة المركزية تشرف بصورة
مباشرة على العمليات الكبرى وتحدد أولوياتها، أصبحت الفروع اليوم تتمتع بهامش واسع
من المبادرة. ويمكن ملاحظة ذلك في أداء فرع الساحل الإفريقي، وفرع اليمن، وحركة
الشباب في الصومال، وغيرها من التنظيمات المرتبطة بالقاعدة. فهذه الفروع أصبحت
مسؤولة بدرجة كبيرة عن التجنيد والتمويل والتخطيط العملياتي وإدارة الصراعات
المحلية، بينما يقتصر دور القيادة المركزية على توفير الشرعية الرمزية والتوجيهات
الاستراتيجية العامة والحفاظ على وحدة الهوية التنظيمية.
ويكشف
تطور القيادة داخل القاعدة عن انتقال تدريجي من المركزية إلى اللامركزية عبر ثلاثة
عهود متعاقبة. ففي عهد بن لادن كانت القاعدة تنظيما مركزيا نسبيا، يستند إلى شخصية
مؤسسه الكاريزمية وإلى وجود قاعدة جغرافية واضحة في أفغانستان تحت حماية نظام
طالبان الأول. وقد سمح هذا الواقع للقيادة بالتخطيط لهجمات استراتيجية عابرة للقارات
مثل هجمات 11 سبتمبر، كما مكنها من إدارة شبكة عالمية من المعسكرات والتمويل
والتجنيد. وكانت العلاقة بين المركز والفروع علاقة تبعية واضحة، إذ كانت القيادة
العليا تحتفظ بسلطة القرار النهائي في الملفات الكبرى.
أما
في عهد الظواهري فقد تغيرت الظروف جذريا. فقد وجد التنظيم نفسه تحت ضغط أمني غير
مسبوق نتيجة الحملات الأمريكية والدولية لمكافحة الإرهاب. وأصبح الظواهري مضطرا
إلى العمل في بيئة سرية شديدة التعقيد بين المناطق الحدودية لأفغانستان وباكستان
ثم داخل أفغانستان نفسها. وفي هذه الظروف تراجع الدور التنفيذي للمركز لصالح الدور
الفكري والرمزي. وأصبح الظواهري أقرب إلى مرشد استراتيجي للفروع منه إلى قائد
عملياتي مباشر. كما ركز بصورة متزايدة على إدارة الخلافات الداخلية ومحاولة احتواء
الانشقاقات، خاصة بعد صعود تنظيم داعش وتحديه لشرعية القاعدة داخل التيار الجهادي
العالمي.
وجاء
عهد سيف العدل ليعبر عن مرحلة ثالثة مختلفة. فالهدف الأساسي لم يعد التوسع العالمي
السريع ولا الحفاظ على مركزية القرار، بل ضمان استمرارية التنظيم على المدى
الطويل. ولذلك تبدو القاعدة اليوم أقرب إلى شبكة عالمية مرنة منها إلى تنظيم هرمي
تقليدي. فالفروع الإقليمية باتت تمثل مركز الثقل الحقيقي في القوة العسكرية
والموارد البشرية والانتشار الميداني، بينما تؤدي القيادة المركزية وظيفة التنسيق
العام وصيانة الهوية المشتركة. ويعني ذلك أن بقاء التنظيم لم يعد مرتبطا ببقاء
قائد واحد أو مقر جغرافي محدد كما كان الحال في العقدين السابقين.
ومن
منظور استراتيجي أوسع، يمكن القول إن القاعدة في مرحلة سيف العدل انتقلت من منطق )القيادة المركزية الموجهة للعمليات( إلى منطق )الشبكة العالمية للفروع(. وهذا
التحول يجعل التنظيم أقل قدرة على تنفيذ هجمات عالمية ضخمة من نمط 11 سبتمبر، لكنه
يمنحه في المقابل قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط الأمنية وعلى الاستمرار داخل
البيئات المحلية الهشة في إفريقيا واسيا.
كما أن غياب الخطاب الإعلامي المكثف وصعوبة استهداف القيادة المركزية يمنحان
التنظيم هامشا إضافيا للبقاء، حتى وإن كان ذلك على حساب حضوره الدعائي العالمي.
لذلك فإن التحدي الرئيسي الذي يواجه القاعدة اليوم لا يتعلق فقط باختيار قائد
جديد، بل بكيفية الحفاظ على وحدة شبكة واسعة من الفروع ذات المصالح والسياقات
المحلية المختلفة، في ظل نظام قيادي يعتمد أكثر على اللامركزية والمرونة من
اعتماده على السيطرة المباشرة من المركز
الفصل الثاني: استراتيجية المحلية العالمية
تمثل
استراتيجية المحلية العالمية أحد أبرز التحولات التي عرفها تنظيم القاعدة خلال
العقد الأخير، إذ انتقل التنظيم من نموذج يقوم على التركيز المباشر على الأهداف
العالمية الكبرى إلى نموذج أكثر مرونة يسعى إلى تحقيق تلك الأهداف عبر الاندماج في
البيئات المحلية واستثمار خصوصياتها السياسية والاجتماعية والثقافية. وتقوم هذه
الاستراتيجية على فكرة أساسية مفادها أن المشروع الجهادي العالمي لا يمكن أن يترسخ
أو يستمر ما لم يتحول إلى جزء من الواقع المحلي ويعبر عن هموم المجتمعات التي ينشط
داخلها. ولذلك لم تعد فروع القاعدة تقدم نفسها باعتبارها تنظيما عابرا للحدود يحمل
أجندة خارجية، بل باعتبارها فاعلا محليا يدافع عن مصالح السكان ويشاركهم مظالمهم
ويطرح نفسه بديلا عن الدولة في المجالات التي تعجز فيها عن أداء وظائفها.
ويعكس
هذا التحول وعيا متزايداً لدى قيادة التنظيم بالدروس التي أفرزتها تجارب العقدين
الماضيين، خاصة بعد أن أظهرت المواجهات المباشرة مع المجتمعات المحلية محدودية
قدرة التنظيمات الجهادية على الاستمرار في بيئات معادية أو غير متقبلة لها. ومن ثم
عملت القاعدة على إعادة صياغة خطابها وأساليب عملها بما يسمح لها بالتكيف مع
السياقات المختلفة، فباتت الأولوية تُمنح للقضايا المحلية مثل النزاعات القبلية
والتهميش الاقتصادي وضعف الخدمات العامة وانعدام الأمن، مع ربط هذه القضايا
تدريجياً بالسردية الجهادية العالمية المتعلقة بمواجهة النفوذ الغربي أو الأنظمة
الحليفة له.
وفي
هذا الإطار لم يعد التنظيم يعتمد على القوة العسكرية وحدها لبناء نفوذه، بل طور
منظومة متكاملة من الأدوات الاجتماعية والاقتصادية والإدارية الهادفة إلى اكتساب
الشرعية المحلية. فقد سعت بعض فروعه إلى إنشاء أنظمة قضائية بديلة تقدم أحكاما
سريعة في المناطق التي تعاني من ضعف مؤسسات الدولة، مستفيدة من حالة الاستياء
الشعبي تجاه البيروقراطية والفساد وضعف فعالية القضاء الرسمي. كما عملت على إدارة
بعض الموارد الاقتصادية المحلية، سواء عبر التحكم في طرق التجارة أو استثمار
الموارد الطبيعية أو فرض أنظمة جباية وتنظيم للأسواق، بما يتيح لها توفير مصادر
تمويل مستقرة وفي الوقت نفسه بناء شبكات من المصالح المتبادلة مع المجتمعات
المحلية.
وإلى
جانب ذلك، أولت القاعدة أهمية كبيرة للعلاقات القبلية والاجتماعية، مدركة أن
البنية التقليدية للمجتمعات في عدد من مناطق نشاطها لا تزال تلعب دورا حاسما في
تحديد موازين القوة والنفوذ. ولذلك سعت إلى بناء تحالفات مع زعماء القبائل
والعشائر وإقامة روابط اجتماعية وعائلية تضمن لها الحماية وتسهل عملية التجنيد
والحصول على الموارد والمعلومات. وقد ساهم هذا النهج في منح التنظيم قدرة أكبر على
التكيف مع البيئات المحلية وتقليل صورته كجسم غريب أو وافد من الخارج.
وتتضح
أهمية هذه الاستراتيجية بصورة أكبر عند مقارنتها بالنموذج الذي تبناه تنظيم داعش.
فبينما راهنت القاعدة على التدرج والصبر الاستراتيجي وبناء النفوذ بصورة تراكمية،
اختار داعش نهجاً يقوم على الحسم السريع وإعلان السيطرة المباشرة وإقامة كيان
سياسي معلن في أقرب وقت ممكن. وقد انعكس هذا الاختلاف على طبيعة العلاقة مع
المجتمعات المحلية إذ سعت القاعدة إلى تجنب الدخول في صدامات واسعة مع الحواضن
الاجتماعية والعمل من داخل البنى القائمة، في حين اعتمد داعش على منطق الإخضاع
والإكراه وفرض رؤيته بالقوة، مع توسع كبير في استخدام العنف ضد الخصوم والمخالفين
وحتى ضد بعض الفئات الاجتماعية التي لم تستجب لمشروعه.
كما
أن الاختلاف بين التنظيمين لا يقتصر على الوسائل، بل يمتد إلى الرؤية الزمنية
للصراع. فالقاعدة تنظر إلى مشروعها بوصفه عملية طويلة الأمد تقوم على الاستنزاف
والتراكم التدريجي للنفوذ والموارد والعلاقات الاجتماعية، وتقبل بإرجاء بعض
أهدافها الكبرى إذا كان ذلك يساهم في تعزيز حضورها المحلي وضمان بقائها. أما داعش
فقد تبنى رؤية أكثر استعجالاً، تقوم على تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية سريعة وإعلان
السيادة المباشرة على الأراضي التي يسيطر عليها. وقد أتاح هذا النهج للتنظيم تحقيق
توسع لافت خلال فترة قصيرة، لكنه جعله في الوقت نفسه أكثر هشاشة أمام الضغوط
العسكرية، إذ أدى فقدان السيطرة الإقليمية إلى انهيار كثير من هياكله الإدارية
والعسكرية.
ومن
ثم يمكن القول إن استراتيجية المحلية العالمية تمثل محاولة من القاعدة للتوفيق بين
البعد الأيديولوجي العالمي ومتطلبات الواقع المحلي، وهي تعكس انتقال التنظيم من
منطق المواجهة المباشرة إلى منطق التغلغل التدريجي وبناء النفوذ من القاعدة
الاجتماعية إلى القمة السياسية. كما تكشف المقارنة مع داعش أن التنافس بين
التنظيمين لم يكن مجرد تنافس على القيادة أو النفوذ، بل كان في جوهره صراعا بين
نموذجين مختلفين لإدارة الصراع والتغيير أحدهما يراهن على التدرج والاحتواء وبناء
الشرعية الاجتماعية، والاخر يراهن على الصدمة والحسم السريع وفرض الأمر الواقع
بالقوة. وقد أظهرت التجارب الميدانية أن النموذج الأول، رغم بطئه، يمتلك قدرة أكبر
على الاستمرار والتكيف مع التحولات، في حين أن النموذج الثاني، رغم زخمه الأولي،
يبقى أكثر عرضة للانهيار عند فقدان الأرض أو الحاضنة الاجتماعية
الفصل الثالث: أفريقيا كمركز ثقل جديد
تعتبر حركة
الشباب المجاهدين اليوم النموذج الأكثر نجاحا في تاريخ فروع القاعدة. فبحلول عام
2025، لم تعد الحركة مجرد جماعة متمردة، بل تحولت إلى نظام حكم موازٍ يدير اقتصادا
يقدر بمئات الملايين من الدولارات. تشير التقارير الاقتصادية المحدثة إلى أن
الحركة تمتلك نظاما ضريبيا أكثر كفاءة من الحكومة الفيدرالية في مقديشو، حيث تفرض
رسوم الزكاة والإنفاق على الشركات الكبرى والموانئ والطرق التجارية.
تتجلى قوة
الحركة في قدرتها على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها عبر دواوين متخصصة (التعليم،
القضاء، الصحة)، مما جعلها فاعلا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية مستقبلية في
القرن الأفريقي. كما أن دورها كـ (مول استراتيجي) لبقية فروع القاعدة، من خلال
توفير الدعم المالي والخبرة القتالية، عزز من مكانتها في منظومة القاعدة العالمية.
في منطقة
الساحل الأفريقي، استغلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بقيادة إياد أغ غالي الفراغ
الأمني الناتج عن الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر،
وانسحاب القوات الدولية (مثل عملية برخان). اعتمدت الجماعة استراتيجية الحصار
الاقتصادي للمدن الكبرى، مع تقديم نفسها كبديل أمني للقبائل المهمشة (مثل
الفولاني) في مواجهة الميليشيات المحلية.
لقد نجحت JNIM في تحويل النزاعات العرقية والمحلية إلى وقود لمشروعها الجهادي،
مما مكنها من السيطرة على مساحات شاسعة وتشكيل تهديد وجودي للعواصم في منطقة
الساحل. وبحلول عام 2026، باتت الجماعة تدير شبكة معقدة من المصالح تشمل تأمين
قوافل التهريب واستخراج الذهب التقليدي، مما منحها استقلالية مالية كاملة عن
القيادة المركزية.
شهد عام 2025
تحولا مقلقا مع بدء تمدد نشاط القاعدة من منطقة الساحل الحبيسة نحو الدول الساحلية
في خليج غينيا (بنين، توغو، غانا، وساحل العاج). لم يعد هذا التمدد مجرد هجمات
عابرة، بل تحول إلى محاولات جادة لبناء خلايا نائمة واستغلال التوترات الاجتماعية
في المناطق الشمالية لهذه الدول. هذا التطور يضع الأمن القومي الأفريقي والدولي
أمام تحٍ غير مسبوق، حيث يهدد بفتح جبهة جديدة تربط بين الساحل والمحيط الأطلسي.
ورغم طابعها
المحلي، لم تتخل القاعدة عن مواكبة التطور التكنولوجي. ففي الفترة ما بين 2024
و2026، رصد استخدام متزايد للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الإعلامي الموجه
بلغات محلية متعددة، فضلا عن الاعتماد على العملات المشفرة لتسهيل نقل الأموال بين
الفروع وتجاوز الرقابة المالية الدولية. كما طور التنظيم قدرات محدودة في استخدام
الطائرات المسيرة (الدرونز) لأغراض الاستطلاع والهجوم، مما رفع من كلف المواجهة
الأمنية.
سيناريوهات التحول المستقبلي
تتأرجح
افاق تنظيم القاعدة خلال السنوات القادمة بين عدة مسارات محتملة تعكس طبيعة
التحولات التي شهدها التنظيم منذ العقد الأخير، وهي تحولات جعلته يبتعد تدريجيا عن
نموذج التنظيم الهرمي المركزي الذي قاد هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ويتجه نحو
نموذج شبكي متعدد المراكز يعتمد على الفروع المحلية بوصفها الفاعل الرئيسي في
المشروع الجهادي العالمي. ويبدو أن مستقبل التنظيم سيتحدد إلى حد كبير بقدرته على
التوفيق بين متطلبات البقاء المحلي وطموحاته العالمية، وبطبيعة البيئة الأمنية
والسياسية في مناطق نشاطه، وكذلك بمسار المنافسة المستمرة مع تنظيم داعش.
يتمثل
السيناريو الأول في ما يمكن تسميته بسيناريو (المحلية الكاملة) أو (الذوبان المحلي)،
حيث تواصل فروع القاعدة تعميق اندماجها في البيئات الاجتماعية والسياسية التي تنشط
فيها إلى درجة تصبح معها الأولويات المحلية أكثر أهمية من المشروع العالمي التقليدي.
وقد ظهرت مؤشرات هذا الاتجاه بالفعل في عدد من الفروع التي باتت تركز على الصراعات
المحلية، وبناء التحالفات القبلية والمجتمعية، وإدارة مناطق النفوذ، وتقديم
الخدمات، والانخراط في النزاعات الأهلية باعتبارها قوى محلية أكثر من كونها أذرعا
لتنظيم عالمي. وفي هذا السيناريو قد تتراجع أهمية الهوية التنظيمية العابرة للحدود
لصالح هويات محلية مستقلة نسبيا، وقد تلجأ بعض الفروع إلى تغيير أسمائها أو إعادة
هيكلة علاقاتها التنظيمية بهدف اكتساب شرعية أكبر أو تجنب الضغوط الدولية. ولا
يعني ذلك بالضرورة تخليها عن المرجعية الفكرية للقاعدة، وإنما تحولها إلى كيانات ذات
استقلالية واسعة تتبنى خطابا محليا وتدير أجنداتها الخاصة وفق ظروف كل ساحة. ويعزز
هذا السيناريو إدراك قادة الفروع أن البقاء والاستمرار يتطلبان تجنب الصدام
المباشر مع المجتمع المحلي والابتعاد عن العمليات الخارجية الكبرى التي تستجلب
التدخل الدولي المكثف.
أما
السيناريو الثاني فيتمثل في (البعث المركزي)، أي نجاح القيادة العامة في استعادة
جزء من دورها التاريخي من خلال إعادة بناء شبكة تنسيق عالمية أكثر فاعلية وربط
الفروع المختلفة بمشروع استراتيجي موحد. ويرتبط هذا السيناريو غالبا بقدرة القيادة
الحالية، التي ينظر إلى سيف العدل بوصفه الشخصية الأكثر تأثيرا فيها، على توظيف
الخبرة التنظيمية والعسكرية المتراكمة لإعادة تنشيط البعد العالمي للتنظيم. ويمكن
أن يتحقق ذلك عبر تنفيذ عمليات نوعية خارج مناطق النزاع التقليدية، أو عبر تطوير أشكال
جديدة من العمل العابر للحدود تستعيد الاهتمام الإعلامي وتعيد تقديم القاعدة
باعتبارها رأس الحربة في المواجهة العالمية مع الغرب. غير أن فرص هذا السيناريو
تواجه تحديات كبيرة، فالفروع الحالية اكتسبت قدرا واسعا من الاستقلالية، كما أن
البيئة الأمنية العالمية أصبحت أكثر تعقيدا مما كانت عليه قبل عقدين، فضلا عن أن
كثيرا من الفروع باتت ترى أن أولوياتها المحلية أكثر إلحاحا من الانخراط في مشاريع
عالمية قد تعرض مكاسبها الحالية للخطر. لذلك فإن أي محاولة لإحياء المركزية
القديمة ستتطلب إعادة تعريف العلاقة بين المركز والفروع على أسس أكثر مرونة مما
كان سائدا في عهد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري.
أما
السيناريو الثالث فهو استمرار الوضع الراهن بصورته الحالية، وهو السيناريو الذي
يراه كثير من الباحثين الأكثر ترجيحا على المدى القريب والمتوسط. ففي هذا المسار
يستمر التنظيم كشبكة عالمية فضفاضة تضم فروعا قوية نسبيا وقيادة مركزية محدودة
التأثير، مع بقاء العلاقة بين الطرفين قائمة على التنسيق الرمزي والتوجيه الفكري
أكثر من السيطرة التنظيمية المباشرة. ويتميز هذا الوضع باستمرار حالة التوازن بين
عوامل القوة وعوامل الضعف؛ إذ تحتفظ الفروع بقدرتها على التجنيد والحركة داخل
بيئات مضطربة، بينما يظل المركز عاجزاً عن فرض رؤية موحدة أو إطلاق مشروع عالمي
جديد. كما تستمر المنافسة مع تنظيم داعش في استنزاف الطرفين، سواء على مستوى
الموارد البشرية أو الشرعية الجهادية أو النفوذ داخل الساحات المتنازع عليها. وقد
يؤدي هذا التنافس إلى دورات متكررة من التصعيد والانكماش دون أن يتمكن أي من
التنظيمين من تحقيق تفوق حاسم على الآخر.
إلى
جانب هذه السيناريوهات الثلاثة، تبرز احتمالات فرعية قد تعيد تشكيل المشهد الجهادي
بأكمله. فمن الممكن أن يؤدي استمرار الأزمات السياسية والحروب الأهلية وضعف الدولة
في بعض المناطق إلى توفير بيئات حاضنة جديدة تسمح للقاعدة بتوسيع نفوذها المحلي.
كما أن التغيرات الجيوسياسية الدولية، وتراجع بعض أشكال التدخل العسكري الخارجي،
قد تفتح مساحات حركة أوسع أمام التنظيمات المسلحة. وفي المقابل، فإن نجاح الحكومات
في معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز مؤسسات الدولة واحتواء النزاعات
المحلية قد يقلص من قدرة القاعدة على الاستفادة من المظالم التي تشكل أساس خطابها
التعبوي.
وتشير
التحولات الأخيرة إلى أن القاعدة لم تعد تنظيما واحدا بالمعنى التقليدي، بل أصبحت
أقرب إلى منظومة لامركزية تتكون من شبكات متداخلة تتشارك المرجعية الفكرية العامة
لكنها تختلف في أولوياتها المحلية وأساليب عملها. فالقوة الحقيقية للتنظيم لم تعد
تتمثل في القيادة المركزية أو في قدرته على تنفيذ عمليات عالمية ضخمة، بل في
مرونته التنظيمية وقدرته على التكيف مع البيئات المحلية واستثمار الأزمات السياسية
والاجتماعية المزمنة. وقد أتاح له هذا التحول البقاء رغم الخسائر المتلاحقة التي
تعرض لها منذ مطلع الألفية.
ومن
ثم فإن مستقبل القاعدة لا يرتبط فقط بقدراتها العسكرية أو الأمنية، بل بمدى
استمرار الظروف البنيوية التي تسمح بظهور الحركات الجهادية وتكاثرها. فحيثما توجد
هشاشة الدولة، والصراعات الأهلية، والتهميش الاجتماعي، وضعف المؤسسات، يجد التنظيم
فرصا لإعادة إنتاج نفسه بأشكال جديدة. ولذلك فإن مواجهة القاعدة لا يمكن أن تعتمد
على الأدوات العسكرية والاستخباراتية وحدها، على أهميتها، وإنما تتطلب أيضا معالجة
السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توفر البيئة المناسبة لنشاطها.
وفي هذا الإطار يمكن القول إن التحدي الحقيقي لا يكمن في القضاء على تنظيم محدد
بقدر ما يكمن في الحد من الشروط التي تسمح باستمرار ظهور شبكات مشابهة قادرة على
التكيف والتجدد عبر الزمن.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق