‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحزاب. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الاحزاب. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 10 مايو 2026

تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل


 

تحولات اليسار المغربي من الراديكالية إلى المخزنة واستشراف آفاق المستقبل

.

مقدمة

يعتبر اليسار المغربي أحد الركائز التاريخية التي ساهمت في تشكيل الوعي السياسي والمدني بالمغرب الحديث. فمنذ الاستقلال، مثلت القوى اليسارية صمام أمان للمطالب الديمقراطية والاجتماعية. إلا أن المتابع للمشهد السياسي يلاحظ مفارقة صارخة: فبينما كانت شعارات اليسار تهز الشارع وتؤرق السلطة في)سنوات الرصاص(، أصبحت اليوم جزءا من )الاستقرار المؤسسي( الذي يديره المخزن. تهدف هذه الورقة إلى الإجابة على التساؤل الجوهري: كيف تحول اليسار من قوة تغيير راديكالية إلى فاعل )مخزني(؟ وما هي الفرص المتبقية لإعادة إحياء المشروع اليساري؟

أولا: الجذور التاريخية والزمن الراديكالي (1960-1980)

تميزت هذه المرحلة بالصراع الوجودي والصدام المباشر بين السلطة المركزية (المخزن) وبين القوى المعارضة ذات التوجه اليساري، حيث تشكلت هوية اليسار المغربي في أتون معارك التحرر الوطني وبناء الدولة الوطنية ما بعد الاستقلال.

عقب الانشقاق التاريخي داخل حزب الاستقلال وبروز الاتحاد الوطني للقوات الشعبية عام 1959، بدأت تتشكل ملامح معارضة يسارية جذرية. ومع حلول السبعينيات، ولدت )الحركة إلى الأمام( و)منظمة 23 مارس( و)لنخدم الشعب(، وهي حركات ماركسية لينينية تبنت أطروحات ثورية تتجاوز الإصلاحية السياسية إلى التغيير الجذري لبنية الحكم. كان الخطاب السائد حينها يركز على مفاهيم )حرب التحرير الشعبية(، )الجمهورية(، و)الاشتراكية العلمية(، مما وضع هذه الحركات في مواجهة مباشرة مع النظام الملكي.

عاش اليسار المغربي في هذه الفترة ما يعرف بـ سنوات الرصاص، وهي حقبة اتسمت بالقمع المنهجي، الاختطافات، والاعتقالات السياسية الواسعة (معتقلات تزمامارت، قلعة مكونة، ودرب مولاي الشريف). هذه المعاناة الإنسانية لم تضعف اليسار فحسب، بل منحت مناضليهرأسمالا رمزيا هائلا وقوة أخلاقية جعلت من الانتماء لليسار مرادفا للتضحية والنزاهة والارتباط بقضايا الشعب.

وكان لليسار حضور طاغٍ في الفضاءات العمومية، لاسيما الجامعة المغربية من خلال (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) (UNEM)، الذي كان يعد مشتلا لتفريخ الكوادر اليسارية. كما شكلت النقابات العمالية (الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل) أذرعا ميدانية قادرة على شل الحركة الاقتصادية والضغط على السلطة لتحقيق مكاسب اجتماعية وديمقراطية.

ثانيا: منعطف التناوب التوافقي (1998) وبداية الاندماج المؤسسي

مع بداية التسعينيات، وفي ظل تحولات دولية (سقوط جدار برلين) وضغوط داخلية (أزمة اقتصادية ومرض الملك الراحل الحسن الثاني)، دخل المغرب مرحلة الانفراج السياسي. توجت هذه المرحلة بتجربة التناوب التوافقي عام 1998، حيث عين المعارض التاريخي عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أول.

مثلت هذه اللحظة انتقالا إستراتيجيا لليسار من موقع النقد الجذري للنظام إلى موقع المشاركة في تدبير الشأن العام. ورغم أن التجربة حققت مكاسب على مستوى الحريات العامة وحقوق الإنسان (تأسيس هيئة الإنصاف والمصالحة)، إلا أنها فرضت على اليسار تقديم تنازلات إيديولوجية كبرى، حيث تم القبول بالسقف الدستوري القائم الذي يمنح الملكية صلاحيات واسعة في المجالات الإستراتيجية.

أدى الانخراط في العمل الحكومي إلى وضع اليسار في مواجهة مباشرة مع انتظارات الشارع المغربي. وبسبب محدودية الهامش المتاح للوزراء اليساريين في ظل "حكومة الائتلاف" وتدخل الوزراء التكنوقراط (وزراء السيادة)، بدأ المواطن يرى في اليسار جزءا من الجهاز التنفيذي المسؤول عن غلاء المعيشة والبطالة والفوارق الطبقية، مما أفقد اليسار جاذبيته كبديل ثوري أو إصلاحي قوي.

شهدت هذه المرحلة تراجع التنسيق التاريخي بين الأحزاب المكونة للكتلة الديمقراطية (الاتحاد الاشتراكي، الاستقلال، التقدم والاشتراكية). وبدلا من جبهة موحدة لمواجهة تغول السلطة، انخرطت هذه الأحزاب في صراعات داخلية حول الحقائب الوزارية والتمثيلية البرلمانية، مما أضعف جبهة المعارضة التاريخية وفتح الباب أمام هيمنة الأحزاب الإدارية المقربة من السلطة.

ثالثا: المخزنة كآلية للاحتواء والتدجين السياسي

يستخدم مصطلح المخزنة  في الأدبيات السياسية المغربية لوصف عملية استيعاب القوى المعارضة داخل بنية السلطة التقليدية، بحيث تفقد هذه القوى استقلاليتها وتتحول إلى أدوات لتثبيت الوضع القائم بدلا من تغييره.

نجحت السلطة في استقطاب ألمع العقول والكوادر اليسارية لشغل مناصب سامية في الدولة (مستشارين ملكيين، مدراء مؤسسات عمومية، سفراء). هذا الاستقطاب، رغم أنه قد يفسر كرغبة في الاستفادة من الكفاءات، إلا أنه أدى فعليا إلى إفراغ الأحزاب اليسارية من قياداتها التاريخية القادرة على التأطير والتنظير، وتحويلهم إلى تكنوقراط يتبنون لغة الدولة ومنطقها الإداري الصرف.

تحول العمل الحزبي اليساري في كثير من الأحيان إلى بحث عن التموقع داخل المؤسسات (البرلمان، الجماعات الترابية، المجالس الدستورية). وأصبح الحفاظ على المقعد أو المنصب غاية في حد ذاته، مما جعل القرار الحزبي اليساري رهينا بمدى رضا السلطة، خشية فقدان الامتيازات أو التعرض للتهميش السياسي. هذا النوع من (الريع السياسي) خلق فجوة عميقة بين القيادات المنعمة في رغد العيش وبين القواعد المناضلة التي لا تزال تعاني من التهميش.

حدث تحول جذري في معجم اليسار المغربي؛ فبعد أن كانت مفاهيم مثل (الصراع الطبقي)، (توزيع الثروة)، و(الملكية البرلمانية) تشكل عماد الخطاب، حلت محلها مفاهيم جديدة مثل الاستقرار الماكرو-اقتصادي، المقاربة التشاركية، والتوافق الوطني. هذا التماهي مع لغة الدولة جعل المواطن العادي يجد صعوبة في التمييز بين برنامج حزب يساري وبين توجهات الإدارة المركزية، مما أدى إلى فقدان الهوية السياسية المتميزة لليسار.

رابعا: تشخيص الأزمة البنيوية: التفكك التنظيمي وتآكل القواعد

لا يمكن اختزال أزمة اليسار في عامل (المخزنة) الخارجي فقط، بل هناك أعطاب ذاتية بنيوية نخرت جسد اليسار من الداخل وجعلته عاجزاً عن مواكبة التحولات المجتمعية.

يعرف تاريخ اليسار المغربي بأنه تاريخ الانشقاقات فكلما برز خلاف فكري أو تنظيمي، انتهى الأمر بتأسيس حزب جديد، مما أدى إلى تشتيت الكتلة الناخبة وإضعاف القوة التعبوية. يضاف إلى ذلك شيخوخة النخب القيادية التي ترفض التخلي عن كراسي المسؤولية، مما خلق قطيعة جيلية مع الشباب الذين أصبحوا يجدون في الفضاء الرقمي والحركات العفوية ملاذا أرحب من الأحزاب التقليدية.

تاريخيا استند اليسار إلى الطبقة العاملة والطبقة الوسطى المتعلمة (الموظفين، المعلمين، الطلبة). ومع تحول بنية الاقتصاد المغربي نحو (النيوليبرالية) وتوسع القطاع غير المهيكل، تآكلت هذه القواعد. كما أن تراجع دور المدرسة والجامعة كفضاءات للتسييس أدى إلى تجفيف منابع الاستقطاب اليساري، مما جعل الأحزاب اليسارية تعيش في جزر معزولة بعيدة عن هموم الفئات الهشة.

تعكس الأرقام الانتخابية خلال العقد الأخير بوضوح مسار التراجع النسبي أو الجمود الذي يطبع أداء قوى اليسار في المغرب، حيث لم يعد هذا التيار قادرا على التنافس على صدارة المشهد السياسي، بل تحول في كثير من الأحيان إلى فاعل ثانوي يكتفي بأدوار المساندة داخل التحالفات الحكومية أو المعارضة الهادئة التي تفتقد للقدرة على التأثير الحاسم. فنتائج الانتخابات التشريعية بين 2011 و2021 تكشف تحولات دالة إذ انتقل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 39 مقعدا سنة 2011 إلى 20 مقعدا سنة 2016، قبل أن يستعيد جزءا من حضوره بـ35 مقعدا سنة 2021، وهي استعادة لا تعكس بالضرورة عودة إشعاعه الإيديولوجي بقدر ما ترتبط بآليات انتخابية محلية وشبكات الأعيان. أما حزب التقدم والاشتراكية، فقد عرف تراجعا من 18 إلى 12 مقعدا بين 2011 و2016، قبل أن يعود إلى 22 مقعدا سنة 2021، مستفيدا من تموقعه المرن وخطابه المعارض الذي مكنه من الحفاظ على قاعدة انتخابية محلية متماسكة نسبيا. في المقابل، ظل اليسار الراديكالي، ممثلا أساسا في تحالفات مثل فيدرالية اليسار الديمقراطي، عاجزا عن تجاوز سقف رمزي لا يتعدى مقعدين طيلة هذه الفترة، وهو ما يعكس محدودية قدرته على اختراق الكتلة الناخبة الواسعة واستمراره في دائرة نخبوية ضيقة.

هذه المعطيات لا يمكن قراءتها فقط من زاوية الأرقام، بل ينبغي فهمها ضمن سياق سوسيوسياسي أوسع، يتسم بتحولات عميقة في بنية السلوك الانتخابي وفي طبيعة الوساطة الحزبية. فقد تراجع الطلب الاجتماعي على الخطابات الإيديولوجية الكلاسيكية، بما فيها خطاب اليسار، لصالح اعتبارات براغماتية ترتبط بالخدمات والقرب من المواطنين والقدرة على تعبئة الموارد المحلية. كما أن صعود الفاعلين ذوي الخلفيات التقنية أو الاقتصادية، إضافة إلى تنامي دور الأعيان، ساهم في إضعاف الأحزاب ذات المرجعية الفكرية الواضحة. في هذا السياق، لم يتمكن اليسار من تجديد خطابه ولا من إعادة بناء قاعدته الاجتماعية التقليدية التي تاكلت بفعل تحولات سوق الشغل وتراجع التنظيمات النقابية وتفكك الفئات الوسطى التي كانت تشكل عموده الفقري.

كما أن مشاركة بعض مكونات اليسار في الحكومة لفترات طويلة أضعفت صورتها كقوة احتجاجية، وأفقدتها جزءا من رصيدها الرمزي المرتبط بالدفاع عن الفئات الشعبية، خاصة عندما لم تستطع تحقيق وعود ملموسة على المستوى الاجتماعي. في المقابل، لم ينجح اليسار الراديكالي في تقديم بديل مقنع، إذ ظل أسير خطاب نخبوي ولغة سياسية لا تجد صدى واسعا لدى الناخبين، فضلا عن ضعف إمكانياته التنظيمية والمالية.

بناء على ذلك، يمكن القول إن أزمة اليسار في المغرب، كما تعكسها الأرقام الانتخابية، ليست مجرد تراجع ظرفي، بل هي تعبير عن أزمة بنيوية مزدوجة: أزمة عرض سياسي غير قادر على التجديد والتأقلم، وأزمة طلب اجتماعي لم يعد يجد في اليسار التعبير الأنسب عن تطلعاته. وهو ما يطرح تحديا حقيقيا أمام هذا التيار، إما بإعادة بناء نفسه فكريا وتنظيميا وربط السياسة بالمجتمع من جديد، أو الاستمرار في موقع هامشي داخل مشهد سياسي يتغير بسرعة.

 

خامسا: اليسار والحركات الاحتجاجية الجديدة

يشكل مسار اليسار المغربي خلال العقد الأخير مراة عاكسة لتحولات عميقة في بنية الفعل الاحتجاجي وأنماط الوساطة السياسية داخل المجتمع. فمنذ لحظة حركة 20 فبراير، لم يعد بالإمكان الحديث عن استمرار الأدوار التقليدية التي اضطلعت بها الأحزاب، وخاصة اليسارية منها، في تأطير الشارع وقيادة الديناميات الاحتجاجية. فقد مثلت تلك اللحظة إعلانا فعليا عن انتقال مركز الثقل من التنظيمات الحزبية المغلقة إلى فضاءات مفتوحة، يتقاطع فيها الميداني بالرقمي، وتتراجع فيها سلطة (البيان) لصالح (المنشور) و(البث المباشر). في هذا السياق، برزت ما يمكن تسميته بأزمة الوساطة التاريخية، حيث فقدت الهياكل الحزبية قدرتها على لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، وأصبحت عاجزة عن استيعاب أشكال الغضب الجديدة أو توجيهها.

هذا التحول لم يكن معزولا عن اختيارات اليسار المؤسسي، الذي وجد نفسه أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على موقعه داخل مؤسسات الدولة وبين الاستمرار كقوة احتجاجية. وقد اختارت مكونات أساسية مثل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية نهج مقاربة تقوم على الإصلاح من الداخل، وهو ما أدى تدريجيا إلى تاكل رصيدها النضالي وفقدانها لثقة فئات واسعة من الشباب. هذا الخيار عمق أيضا الفجوة بين القيادات الحزبية وقواعدها، حيث لم تعد اللغة السياسية التقليدية قادرة على استيعاب تحولات جيل جديد يتبنى أشكالا أكثر سيولة ومرونة في الاحتجاج. وهكذا، لم يعد الانتماء الحزبي شرطا للمشاركة السياسية، بل أصبح ينظر إليه أحيانا كقيد يحد من الفعالية.

في المقابل، ساهمت التحولات السوسيواقتصادية المرتبطة بتبني سياسات ذات طابع نيوليبرالي في إعادة تشكيل الخريطة الاجتماعية للاحتجاج. فقد أدى تفكيك بعض اليات الحماية الاجتماعية إلى بروز فئات جديدة من الهشاشة، لم تعد تجد في النقابات أو الأحزاب إطارا قادرا على الدفاع عن مصالحها. في هذا السياق، تراجعت الثقة في المؤسسات الوسيطة، وأصبح ينظر إليها كجزء من المنظومة القائمة أكثر من كونها أداة لتغييرها. ومن هنا برزت القطاعية كاستراتيجية احتجاجية فعالة، حيث تركز الحركات الجديدة على مطالب ملموسة ومحددة، بدل الانخراط في مشاريع مجتمعية شاملة كما كان يفعل اليسار التقليدي.

وقد تجسد هذا التحول بوضوح في صعود (التنسيقيات) كفاعل مركزي في المشهد الاحتجاجي، خاصة خلال حراك التعليم (2023-2024)، حيث استطاعت هذه التنظيمات الأفقية أن تفرض نفسها كبديل فعلي للنقابات التقليدية. فهي لا تقوم على بنية هرمية، بل تعتمد على التنظيم القاعدي واتخاذ القرار بشكل جماعي، كما أنها تحافظ على استقلالها عن الأحزاب، مما يمنحها مصداقية أكبر لدى المحتجين. والأهم من ذلك أنها تتبنى خطابا مباشرا وراديكاليا، يرفض التسويات الجزئية ويتمسك بتحقيق المطالب كاملة، وهو ما مكنها من الاستمرار في الاحتجاج حتى بعد توقيع اتفاقات رسمية مع النقابات.

غير أن هذا التحول لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته مؤشرات قوية ظهرت خلال حراك الريف وحراك جرادة، حيث بدا واضحا غياب التأطير الحزبي التقليدي عن الميدان، مقابل حضور قوي لخطاب الكرامة والعدالة الاجتماعية. هذه المفارقة كشفت أن اليسار لم يختف كمنظومة قيم، بل استمر كروح تحرك المطالب الشعبية، في حين تراجع كتنظيم قادر على الفعل. كما أظهرت أن الأطر النظرية الكلاسيكية لم تعد كافية لفهم ديناميات احتجاجية تتداخل فيها الأبعاد الاجتماعية بالهوياتية والمجالية.

في هذا السياق، لعب الفضاء الرقمي دورا حاسما في إعادة تشكيل الفعل الاحتجاجي، حيث أصبح (الشارع الأزرق) مجالا مركزيا للتعبئة والتنظيم. فالحملات الرقمية، مثل جيل z، أثبتت قدرة كبيرة على التأثير دون الحاجة إلى هياكل تنظيمية تقليدية. ويتميز هذا الشكل من الاحتجاج بالسيولة، إذ يصعب تحديد قياداته أو التفاوض معه، كما يتسم بقدرة عالية على الانتشار السريع وتجاوز الحدود الجغرافية. بذلك، لم يعد الاحتجاج مرتبطا بزمن أو مكان محددين، بل أصبح حالة مستمرة تتغذى من التفاعل الرقمي اليومي.

أمام هذه التحولات، يجد اليسار المغربي نفسه في وضعية مفصلية، حيث لم يعد بإمكانه الاستمرار بالمنطق التنظيمي القديم دون أن يزداد تهميشه، كما أن الانخراط في الأشكال الجديدة للاحتجاج يتطلب مراجعات عميقة تمس بنيته وثقافته السياسية. فإما أن يتحول إلى فاعل مندمج في الديناميات القاعدية، متخليا عن نزعة الوصاية، أو أن يستمر في الانغلاق التدريجي إلى أن يتحول إلى مجرد ذاكرة سياسية. وفي كلتا الحالتين، يبدو واضحا أن المستقبل لم يعد حكرا على الأحزاب، بل أصبح مفتوحا أمام أشكال جديدة من التنظيم الاجتماعي والسياسي، أكثر مرونة وقدرة على التكيف.

إن ما نعيشه اليوم لا يعكس فقط أزمة اليسار، بل يعبر عن تحول أوسع يمس طبيعة الفعل السياسي ذاته، حيث تتراجع الوساطة التقليدية لصالح أنماط شبكية وأفقية، تستمد شرعيتها من القاعدة لا من المؤسسات. وفي هذا الإطار، يمكن القول إن اليسار لا يزال حاضرا كأفق قيمي ومطلب اجتماعي، لكنه فقد أدواته التنظيمية التقليدية، تاركا المجال لفاعلين جدد يعيدون صياغة الاحتجاج بلغة العصر وأدواته.

سادسا: استشراف المستقبل سيناريوهات اليسار المغربي

يعيش اليسار المغربي اليوم لحظة تاريخية دقيقة تتقاطع فيها أزمات الداخل مع تحولات البنية السياسية والاجتماعية، بما يجعل مستقبله مفتوحا على احتمالات متباينة تتراوح بين التلاشي التدريجي وإعادة التأسيس الجذري. فمنذ تجربة التناوب التوافقي في نهاية التسعينيات، دخل هذا التيار في مسار معقد اتسم بتاكل رصيده الرمزي، وتراجع قدرته التعبوية، وتنامي مظاهر الاندماج في منطق السلطة، وهو ما أفرز وضعا ملتبسا لم يعد فيه اليسار قادرا على لعب أدواره التاريخية كقوة اقتراحية واحتجاجية في الآن نفسه. هذه الوضعية لا يمكن فهمها فقط من زاوية الاختلالات التنظيمية أو الأخطاء التكتيكية، بل ينبغي قراءتها في إطار أوسع يتداخل فيه ما هو بنيوي مرتبط بطبيعة النسق السياسي، وما هو ذاتي مرتبط بقدرة الفاعلين اليساريين على التجدد وإعادة تعريف ذواتهم.

في هذا السياق، يبدو أن أحد أبرز ملامح المرحلة يتمثل في انزلاق جزء مهم من اليسار نحو ما يمكن تسميته ب(التكيف السلبي) مع شروط الحقل السياسي، حيث لم يعد الصراع حول تغيير قواعد اللعبة، بل حول تحسين شروط الاندماج داخلها. هذا التحول أفرغ الخطاب اليساري من مضمونه النقدي الجذري، وحوله في كثير من الأحيان إلى لغة تقنية أو أخلاقية فاقدة للحمولة الإيديولوجية التي كانت تميزه تاريخيا. ومع مرور الوقت، أدى هذا التكيف إلى نوع من التطبيع مع منطق السلطة، بحيث أصبحت المشاركة في المؤسسات غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتحقيق مشروع مجتمعي بديل. في المقابل، لم تنجح هذه البراغماتية في تحقيق مكاسب سياسية نوعية، بل ساهمت في إضعاف المصداقية وتوسيع فجوة الثقة مع القواعد الاجتماعية التي كانت ترى في اليسار صوتا للمطالبة بالتغيير.

تتعمق هذه الأزمة أكثر حين نلاحظ أن اليسار فقد تدريجيا علاقته العضوية بما يمكن تسميته بـ(القاع الاجتماعي)، أي الفئات الشعبية والوسطى التي شكلت تاريخيا حاضنته الأساسية. فقد أدى التحول نحو النخبوية، سواء على مستوى اللغة أو القضايا المطروحة، إلى انقطاع جسور التواصل مع هذه الفئات، التي وجدت نفسها أمام خطاب لا يعكس أولوياتها اليومية المرتبطة بالشغل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. هذا الفراغ لم يبق دون ملء، بل استغلته قوى أخرى، بعضها محافظ وبعضها شعبوي، استطاعت أن تقدم نفسها كبديل أقرب إلى هموم المواطنين، ولو بخطابات تبسيطية أو وعود غير قابلة للتحقق. وهكذا، وجد اليسار نفسه في موقع دفاعي، يفتقد القدرة على المبادرة، ويكتفي بردود الفعل أو بالمشاركة الرمزية في النقاش العمومي.

إلى جانب ذلك، تعاني البنية التنظيمية لليسار من أعطاب مزمنة، في مقدمتها التشتت والانقسام، وغياب آليات فعالة لتجديد النخب. فبدل أن يشكل التنوع داخل اليسار مصدر غنى، تحول إلى عامل إضعاف بسبب صراعات الزعامة والخلافات الإيديولوجية غير المنتجة. كما أن شيخوخة القيادات وعدم انفتاحها الكافي على الأجيال الجديدة ساهم في تكريس صورة نمطية عن اليسار كفضاء مغلق، عاجز عن استيعاب التحولات الثقافية والتكنولوجية التي يشهدها المجتمع. ويزيد من حدة هذه الأزمة نزيف الكفاءات، حيث يفضل العديد من الأطر الشابة الانخراط في مجالات أخرى توفر فرصا أكبر للتأثير أو الاستقرار، مما يترك الأحزاب في حالة فراغ فكري وتنظيمي متزايد.

غير أن هذا المسار التراجعي لا يعني بالضرورة حتمية النهاية، بقدر ما يفتح المجال للتفكير في إمكانيات التجدد وإعادة التأسيس. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التيارات الفكرية لا تختفي بشكل نهائي، بل تمر بدورات من الصعود والأفول، وتتجدد حين تنجح في إعادة قراءة واقعها وتكييف أدواتها مع التحولات الجديدة. من هذا المنظور، يمكن القول إن مستقبل اليسار المغربي يظل رهينا بقدرته على إحداث قطيعة مزدوجة: قطيعة مع أعطابه الذاتية، وقطيعة مع أشكال الاندماج السلبي في النسق السياسي.

إن أحد المداخل الأساسية لهذا التجدد يتمثل في إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال الحضور الميداني والانخراط في القضايا اليومية للمواطنين. فبدل الاكتفاء بالعمل المؤسساتي أو النضال النخبوي، يحتاج اليسار إلى استعادة دوره كحركة اجتماعية قادرة على تأطير الاحتجاجات وتحويلها إلى مشاريع سياسية. وهذا يقتضي الانفتاح على التنسيقيات المطلبية، والحركات الشبابية، والمبادرات المدنية، والعمل على بلورة أفق سياسي يجمع بين المطالب الآنية والرؤية الاستراتيجية. في هذا الإطار، يمكن أن يشكل الربط بين القضايا الاجتماعية والاقتصادية وبين التحديات الجديدة، مثل العدالة المناخية والتحول الرقمي، مدخلا لإعادة تعريف المشروع اليساري بشكل يتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين.

كما أن تجديد الخطاب يظل عنصرا حاسما في أي عملية إعادة تأسيس. فالتخلي عن اللغة الخشبية والقوالب الجاهزة لا يعني التخلي عن المرجعية، بل إعادة صياغتها بلغة قادرة على التواصل مع مختلف فئات المجتمع. ويتطلب ذلك تطوير أدوات تحليلية جديدة تأخذ بعين الاعتبار التحولات في بنية الطبقات، وصعود فئات اجتماعية جديدة، وتغير أشكال العمل والاحتجاج. وفي هذا السياق، يصبح من الضروري تجاوز الاختزال الاقتصادي للصراع الاجتماعي، ودمج قضايا الحريات الفردية والحقوق الرقمية والمساواة الجندرية ضمن المشروع التقدمي، بما يعكس تعددية مطالب المجتمع المعاصر.

ولا يقل البعد التنظيمي أهمية عن البعد الفكري، إذ إن أي مشروع للتجديد يظل رهينا بوجود أدوات تنظيمية فعالة وقادرة على الاستمرار. من هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في أشكال جديدة للتنظيم تتجاوز النموذج الحزبي الكلاسيكي، وتستفيد من إمكانيات التكنولوجيا الرقمية في التواصل والتعبئة. كما أن توحيد مكونات اليسار، أو على الأقل بناء جبهات تنسيقية قوية، يظل شرطاً أساسياً لاستعادة الوزن السياسي، خاصة في ظل نظام انتخابي لا يتيح فرصا كبيرة للأحزاب الصغيرة والمتفرقة. غير أن هذا التوحيد لا يمكن أن يتم فقط عبر اتفاقات فوقية، بل يجب أن ينبني على مشروع مجتمعي واضح، وعلى ثقافة سياسية جديدة تقوم على التعاون بدل التنافس الداخلي.

في المحصلة، يبدو أن مستقبل اليسار المغربي سيتحدد في ضوء قدرته على الإجابة عن سؤال مركزي: هل يريد أن يستمر كفاعل وظيفي داخل النسق القائم، أم يسعى إلى استعادة دوره كقوة تغيير تاريخية؟ إن الخيار الأول قد يضمن له البقاء على المدى القصير، لكنه يكرس هامشيته ويفقده مبرر وجوده، بينما يظل الخيار الثاني محفوفاً بالمخاطر، لكنه يفتح أفقاً لإعادة الاعتبار للمشروع اليساري. وبين هذين الخيارين، يتحدد مصير تيار كان يوما ما في قلب الدينامية السياسية والاجتماعية بالمغرب، وهو اليوم أمام اختبار وجودي سيحدد إن كان قادرا على التحول من ذاكرة نضالية إلى فاعل تاريخي متجدد.

خاتمة عامة

إن دراسة مسار اليسار المغربي تكشف عن رحلة شاقة بدأت من حلم الثورة وانتهت في دهاليز الإدارة. وإذا كانت المخزنة قد نجحت في تدجين جزء كبير من النخب اليسارية، فإن روح اليسار القائمة على التوق للعدالة والمساواة لا تزال نابضة في الحركات الاحتجاجية الجديدة. إن مستقبل اليسار بالمغرب ليس في استعادة مقاعد برلمانية، بل في استعادة روحه النضالية واستقلاليته الفكرية، ليكون قادرا على صياغة مشروع مجتمعي يتجاوز التوافقات الهشة نحو الديمقراطية الحقيقية.

المراجع المعتمدة

1.الساسي، محمد (2014). اليسار المغربي: من التأسيس إلى أزمة الهوية. الرباط: منشورات وجهة نظر.

2.حمودي، عبد الله (2000). الشيخ والمريد: النسق الثقافي للسلطة في المجتمعات العربية. الدار البيضاء: دار توبقال.

3.بنعلي، عبد القادر (2018). سنوات الرصاص والتحول الديمقراطي في المغرب. بيروت: المركز العربي للأبحاث.

4.وزارة الداخلية المغربية. النتائج الرسمية للانتخابات التشريعية (2011، 2016، 2021).

5.تقارير المندوبية السامية للتخطيط حول الفوارق الاجتماعية والطبقة الوسطى بالمغرب (2020-2023).

6.Bennani-Chraïbi, M. (2021). Partis politiques et protestations au Maroc. Paris: Presses de Sciences Po.

 

مأزق الوساطة الحزبية في المغرب


 

مأزق الوساطة الحزبية في المغرب

مقدمة: إشكالية الأزمة البنيوية للأحزاب السياسية

تعتبر الأحزاب السياسية، في أي نظام ديمقراطي، القناة الرئيسية للوساطة بين الدولة والمجتمع، والمحرك الأساسي لعملية التنشئة السياسية وتداول النخب. إلا أن المشهد الحزبي في المغرب، كما تشير إليه غالبية الدراسات السياسية ، يعيش أزمة بنيوية عميقة لا تقتصر على ضعف الأداء، بل تمس جوهر وظيفته التمثيلية والتأطيرية.

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن أزمة الأحزاب السياسية المغربية هي نتاج لتفاعل معقد بين منطق الريع السياسي الذي يحدد علاقتها بالسلطة، وتاكل الثقة المؤسساتية الذي يحدد علاقتها بالمجتمع. هذا التفاعل أدى إلى تحويل الأحزاب من مؤسسات وساطة إلى هياكل لإنتاج وتوزيع الامتيازات، مما أفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.

أهداف الدراسة:

1.تشخيص الأبعاد البنيوية لأزمة الأحزاب السياسية المغربية.

2.تحليل اليات عمل منطق الريع السياسي وتأثيره على استقلالية القرار الحزبي.

3.دراسة مظاهرغياب الثقة السياسية وتداعياتها على المشاركة المجتمعية.

4.اقتراح مسارات إصلاحية جذرية للانتقال من البنية الريعية إلى البنية المواطنية.

المبحث الأول: التشخيص البنيوي لأزمة الأحزاب (منطق الريع والزبونية)

تتجسد الأزمة البنيوية للأحزاب في مجموعة من المظاهر الهيكلية التي تحول دون قيامها بأدوارها الدستورية والسياسية.

1 الريع السياسي وغياب الاستقلالية الحزبية

يعرف الريع السياسي بأنه (الحصول على منافع أو امتيازات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، لا ترتبط بالإنتاج أو الكفاءة، بل بالارتباط بالسلطة أو القرب من مراكز النفوذ) . في السياق الحزبي يشكل منطق الريع أحد المفاتيح التفسيرية الأكثر عمقا لفهم أعطاب الفعل الحزبي تتجلى هذه التبعية في أشكال متعددة، لعل أخطرها هو التحكم غير المعلن في القرار الحزبي من خلال التمويل العمومي المشروط، أو عبر التأثير في مسارات الترشيح، وصناعة القيادات، وتوجيه الخيارات الاستراتيجية. هذه الآليات لا تلغي التعددية شكليا، لكنها تفرغها من مضمونها، حيث تصبح الأحزاب متشابهة في حدودها ووظائفها، مختلفة فقط في الخطاب أو الواجهة. في هذا السياق، يفقد الانتماء الحزبي معناه السياسي ليغدو انتماء وظيفيا، يهدف إلى التموقع داخل شبكة السلطة بدل مساءلتها أو موازنتها.

 

ومن رحم هذه التبعية يتغذى الريع الانتخابي والوظيفي، حيث يتحول العمل الحزبي، وخاصة الترشح للمناصب التمثيلية والتنفيذية، إلى مسار شبه مضمون للترقي الاجتماعي والاقتصادي. فالمقاعد البرلمانية، والحقائب الوزارية، والمجالس المحلية، لم تعد في وعي كثير من الفاعلين السياسيين أدوات لتنزيل البرامج وخدمة الصالح العام، بل صارت منافذ للامتيازات: رواتب مرتفعة، حصانة سياسية، نفاذ إلى شبكات المصالح، وإمكانيات التوسط والتأثير. بهذا المعنى، ينتقل الحزب من كونه وسيلة للتعبير عن تطلعات المواطنين إلى جسر للعبور نحو الثروة والنفوذ، وتتحول المنافسة الانتخابية من صراع مشاريع إلى تنافس على مواقع الريع.

هذا المنطق لا يقف عند حدود الأفراد، بل يعيد إنتاج نفسه مؤسساتيا، إذ تصبح البنية الحزبية نفسها قائمة على منطق التوزيع الداخلي للفرص والامتيازات، ما يعمق الانتهازية ويقوض أي إمكانية لبناء نخب سياسية مستقلة أو ذات مشروعية اجتماعية. وفي ظل هذا الوضع، تختزل السياسة في حسابات انتخابية ضيقة، وتهمش القضايا البنيوية المرتبطة بالتنمية والعدالة الاجتماعية والحريات، لأنها لا تدر ريعا مباشرا ولا تخدم منطق التموقع السريع داخل السلطة.

أما النتيجة الأعمق لهذا المسار، فهي تفريغ الفعل الديمقراطي من مضمونه الحقيقي. فالانتخابات، التي يفترض أن تكون الية للتداول والمحاسبة والاختيار الحر بين بدائل سياسية، تتحول إلى طقوس شكلية لإعادة توزيع الحصص بين نخب مستفيدة سلفا من النظام القائم. تختفي البرامج الجدية، ويضعف النقاش العمومي، ويتكرس العزوف الشعبي، لأن المواطن يدرك، بوعي أو حدس، أن صوته لا يغير موازين حقيقية، بل يضفي شرعية شكلية على نتائج محسومة في العمق. وهكذا تدخل العملية السياسية في حلقة مفرغة: أحزاب فاقدة للاستقلال، نخب ريعية، انتخابات بلا تنافس فعلي، ومجتمع يزداد بعدا عن السياسة.

إن خطورة هذا النمط لا تكمن فقط في إنتاج الفساد، بل في تطبيعه وجعله جزءا من القواعد غير المعلنة للعبة السياسية. فحين يصبح الريع هو المحرك الأساسي للسلوك الحزبي، تفقد الديمقراطية بعدها القيمي والتحرري، وتتحول إلى تقنية إدارة للنخب بدل كونها أفقا لمشاركة المواطنين. لذلك، فإن أي حديث جدي عن إصلاح سياسي أو ديمقراطي يظل فارغا ما لم يستهدف هذا المنطق في جذوره، عبر إعادة الاعتبار للاستقلال الحزبي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفصل التمثيل السياسي عن الامتياز الريعي، بما يعيد للسياسة معناها كخدمة عمومية لا كاستثمار خاص.

2 الزبونية وغياب الديمقراطية الداخلية

يرتبط الريع السياسي ارتباطا وثيقا بظاهرة الزبونية السياسية  وهي نظام تبادل غير متكافئ بين نخب سياسية (الزبون) وقواعد اجتماعية (العميل)، حيث يتم تبادل الدعم الانتخابي مقابل خدمات شخصية أو منافع ضيقة.

ويعد غياب الديمقراطية الداخلية أحد أبرز مظاهر الأزمة. فالمؤتمرات الحزبية غالبا ما تكون مجرد (مناسبات شكلية لتزكية القيادة القائمة). هذا التصلب الهيكلي يمنع تداول النخب ويقصي الكفاءات الشابة والنسائية، التي تواجه التهميش بفعل:

منطق الولاءات الشخصية والعائلية: حيث يتم تقديم الولاء على الكفاءة.

سيطرة الأجيال القديمة: التي تحتكر مواقع القرار وتعيق ضخ دماء جديدة قادرة على التفاعل مع تحولات المجتمع.

كما لا يزال منطق الاعتبارات الاجتماعية والرمزية (العائلة، القبيلة، الوجاهة) يهيمن على عملية الترشح والاختيار، بدلا من الكفاءة والبرنامج السياسي. هذا التوجه يفرغ العمل السياسي من محتواه البرامجي ويحول الحزب إلى مجرد (واجهة انتخابية فاقدة للرؤية) .

المبحث الثاني: غياب الثقة السياسية ومظاهر الانفصال

إن النتيجة المباشرة لتفشي منطق الريع والزبونية هي تاكل الثقة السياسية، وهو ما يعكس انفصالا متزايدا بين المؤسسات الحزبية والجمهور.

1 مظاهرغياب الثقة وتداعياتها

يقاس غياب الثقة السياسية بمؤشرين رئيسيين: فقدان المصداقية والعزوف عن المشاركة.

إن الأزمة التي تعصف بالعديد من الأنظمة السياسية المعاصرة لا تكمن بالضرورة في انهيار مفاجئ، بل في عملية تآكل صامتة ومستمرة تطال جوهر الشرعية وميكانزمات التمثيل. هذه العملية، التي تتجلى في مظاهر متعددة، تهدد بتحويل البنى الديمقراطية أو شبه الديمقراطية إلى هياكل فارغة، حيث تستمر الطقوس السياسية دون أن تحمل أي مضمون حقيقي أو تأثير فعلي على حياة المواطنين. ويشكل هذا التآكل تحدياً وجودياً لاستقرار النظام وقدرته على الاستجابة للتطلعات الشعبية.

لعل أبرز مظاهر هذا الغياب هو العزوف الشعبي عن المشاركة، الذي يتجاوز مجرد الامتناع عن التصويت ليصبح حالة من الاغتراب السياسي العميق. تتجسد هذه الظاهرة في انخفاض مطرد في نسب التصويت، لا سيما بين فئة الشباب، التي تشكل القوة الديموغرافية القادرة على إحداث التغيير. إن إدراك هذه الفئة بأن مشاركتها "لا تحدث فرقاً حقيقياً" هو نتيجة مباشرة لتجربة متكررة حيث لا تؤدي صناديق الاقتراع إلى تغيير ملموس في السياسات العامة أو في توزيع الثروة والسلطة. فالانتخابات، في نظرهم، تتحول إلى مجرد "إعادة تدوير للوجوه" السياسية القديمة التي تتبادل الأدوار دون تغيير في المنهج أو الأهداف. وتكمن خطورة هذا العزوف في أنه يفسح المجال أمام الأقلية المنظمة، وهي غالباً الفئة المستفيدة من الريع والمصالح الضيقة، لفرض هيمنتها على المشهد السياسي. هذه الأقلية، التي تتمتع بحافز عالٍ للمشاركة والتنظيم، تستغل الفراغ الذي يخلفه انسحاب الأغلبية الصامتة، مما يضمن استمرار حلقة الاستفادة من الوضع القائم وتعميق الهوة بين النخبة الحاكمة وعموم الشعب.

ويترافق هذا العزوف مع ظاهرة لا تقل خطورة، وهي تشويه صورة السياسة في الوعي الجمعي. فبدلا من أن ينظر إلى السياسة على أنها مجال للتنافس حول البرامج والبدائل الاقتصادية والاجتماعية التي تهدف إلى تحسين حياة المواطنين، تتحول إلى صراع على المناصب والامتيازات الشخصية والفئوية. هذا التحول في التصور يجرد العمل السياسي من نبله وغايته العامة، ويختزله في عملية مقايضة للمصالح. ونتيجة لذلك، يوضع الفاعلون السياسيون، سواء كانوا في السلطة أو المعارضة، في مرمى الاتهام الشعبي الدائم بالفساد أو الانتهازية. هذا التشويه لا يقتصر تأثيره على الأفراد، بل يقوض أي محاولة جادة لاستعادة الاعتبار للعمل الحزبي والسياسي المنظم، ويجعل من الصعب على أي قوة سياسية جديدة أو إصلاحية أن تحظى بثقة الجمهور، إذ ينظر إليها مسبقا بعين الشك والريبة، مما يغلق الباب أمام التجديد والإصلاح الحقيقي.

أما المظهر الثالث والأكثر فتكا، فهو الخلل الوظيفي للمؤسسات المنتخبة، الذي يمثل تتويجا للمظهرين السابقين. فالمؤسسات التشريعية، كالبرلمان والمجالس المحلية، التي يفترض أن تكون فضاءات لصناعة السياسات العامة والتشريع الذي يخدم المصلحة الوطنية، تتحول إلى أماكن لتبادل المصالح والصفقات السياسية الخاصة. هذا التحول يعني أن وظيفة المؤسسة لم تعد تتمحور حول المساءلة والرقابة على السلطة التنفيذية أو تمثيل إرادة الناخبين، بل حول تلبية احتياجات شبكات المصالح التي أوصلت أعضاءها إلى هذه المقاعد. هذا الخلل الوظيفي يعمق الإحساس بانعدام المساءلة، حيث يرى المواطن أن القرارات تتخذ خلف الأبواب المغلقة لخدمة فئة معينة، وليس وفقا لمبدأ الشفافية والمصلحة العامة. وفي نهاية المطاف، يؤدي هذا الفشل في أداء الوظيفة الأساسية إلى فقدان المؤسسات لشرعيتها الوظيفية، فتصبح مجرد ديكور شكلي لا يعكس حقيقة السلطة أو يمارسها بفعالية، مما يهدد بتفكيك العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

إن هذه المظاهر الثلاثة ليست منفصلة، بل هي حلقات متصلة في سلسلة تأكل الشرعية السياسية. فالعزوف الشعبي يغذي تشويه صورة السياسة، وكلاهما يؤدي إلى الخلل الوظيفي للمؤسسات، الذي بدوره يعزز العزوف والتشويه في حلقة مفرغة.

 إن معالجة هذه الأزمة تتطلب أكثر من مجرد إصلاحات شكلية بل تستدعي استراتيجية شاملة لإعادة بناء الثقة، تبدأ بإعادة الاعتبار للمشاركة كفعل مؤثر، وتطهير المشهد السياسي من هيمنة المصالح الضيقة، والأهم من ذلك، استعادة المؤسسات المنتخبة لوظيفتها الأساسية كأدوات حقيقية لخدمة الصالح العام والمساءلة.

 

2التحول الرقمي وأزمة الوساطة الحزبية

في ظل التطور التكنولوجي، ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء جديد للتعبير السياسي والاحتجاج. هذا التحول فاقم من أزمة الأحزاب التقليدية لسببين:

1تجاوز الوساطة التقليدية: أصبح المواطنون، وخاصة الشباب، يتجاوزون الأحزاب في التعبير عن مطالبهم، مفضلين الحركات الاحتجاجية غير المؤطرة (مثل حراك الريف) أو منصات التواصل المباشرة.

2المطالبة بالشفافية الفورية: تفرض المنصات الرقمية معايير عالية من الشفافية والمساءلة الفورية، وهو ما يتعارض مع ثقافة الأحزاب القائمة على السرية والبطء في الاستجابة. فشل الأحزاب في استيعاب هذه الأدوات وتحويلها إلى قنوات للتواصل الفعال، أبقاها في حالة انفصال عن نبض الشارع.

المبحث الثالث: افاق الإصلاح ورهانات الانتقال من الريع إلى المواطنة

إن إصلاح المشهد الحزبي يتطلب حزمة من الإجراءات الجذرية التي تتجاوز الإصلاحات القانونية السطحية لتصل إلى إعادة بناء العلاقة بين الحزب والمواطن.

1الإصلاح المؤسساتي والقانوني  

يمثل الإصلاح المؤسساتي والقانوني مدخلا حاسما لمعالجة أعطاب الحقل الحزبي واستعادة الثقة في العمل السياسي، شريطة أن لا يختزل في تعديلات شكلية أو شعارات عامة، بل أن ينصرف إلى تفكيك البنى التي راكمت التبعية والريع والزبونية داخل الفعل الحزبي والمؤسسات التمثيلية. فالرهان الجوهري لا يتعلق فقط بوجود أحزاب قانونيا، بل بمدى استقلال قرارها، ونجاعة أدوارها التمثيلية، وقدرتها على إنتاج نخب سياسية مسؤولة وخاضعة للمساءلة.

إن تحرير القرار الحزبي يقتضي إعادة بناء العلاقة بين الدولة والأحزاب على أساس الاستقلال الوظيفي لا الوصاية المقنعة. فالإطار القانوني الحالي لتمويل الأحزاب، رغم ما يوفره من دعم عمومي، ساهم عمليا في إنتاج تبعية مالية أفرغت القرار الحزبي من استقلاليته، وحولت عددا من التنظيمات السياسية إلى كيانات تعيش على منطق الحد الأدنى من الامتثال مقابل استمرار الدعم. من هنا تبرز ضرورة ربط التمويل العمومي بمعايير دقيقة وقابلة للقياس تتجاوز عدد الأصوات والمقاعد، لتشمل جودة الديمقراطية الداخلية، وانتظام المؤتمرات، وشفافية آليات اختيار القيادات، ومدى احترام التداول على المسؤوليات داخل الحزب. فالحزب الذي لا يمارس الديمقراطية داخليا لا يمكنه ادعاء الدفاع عنها في الفضاء العام.

كما أن إعادة توجيه جزء معتبر من التمويل العمومي نحو برامج التكوين السياسي يشكل شرطا أساسيا لإعادة الاعتبار للعمل الحزبي بوصفه فضاء للتأطير لا مجرد الة انتخابية موسمية. فغياب الاستثمار في التكوين الفكري والسياسي يفتح الباب أمام الرداءة والبراغماتية الفجة، وينتج نخبا عاجزة عن صياغة السياسات العمومية أو مراقبة العمل الحكومي بفعالية. ويزداد هذا الخلل حدة عندما يتعلق الأمر بالشباب والنساء، حيث غالبا ما يتم استحضارهم كواجهة رمزية دون تمكين فعلي أو إدماج حقيقي في مراكز القرار الحزبي، وهو ما يستدعي اليات قانونية تلزم الأحزاب بتخصيص موارد وبرامج واضحة لتمكين هذه الفئات، وربط ذلك باستمرار استفادتها من الدعم العمومي.

أما على مستوى مكافحة الريع والزبونية، فإن الإصلاح الحقيقي يمر عبر تفكيك العلاقة المرضية بين المنصب التمثيلي والامتياز الشخصي. فقد تحولت العديد من المناصب المنتخبة، سواء البرلمانية أو المحلية، إلى مداخل للريع المادي والرمزي، ما شجع على التنافس غير النزيه، وأفرغ فكرة الخدمة العمومية من مضمونها. لذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في منظومة الامتيازات المرتبطة بهذه المناصب، سواء من حيث التعويضات أو الامتيازات الموازية، وربطها بشكل مباشر بمؤشرات أداء واضحة، مثل الحضور الفعلي، والمبادرات التشريعية، وجودة العمل الرقابي، والتواصل المنتظم مع المواطنين. إن ربط المسؤولية بالنتائج لا يعد إجراء عقابيا، بل الية لإعادة الاعتبار للأخلاق السياسية وتحفيز النجاعة.

وفي السياق ذاته، تبرز الشفافية الرقمية كأداة مركزية لتقويض شبكات الزبونية، خاصة على المستوى المحلي حيث تتقاطع المصالح السياسية مع الصفقات العمومية والتدبير اليومي للشأن العام. فاعتماد منصات رقمية موحدة لتدبير الصفقات، ونشر المعطيات المالية، وتتبع المشاريع العمومية، من شأنه أن يحد من السلطة التقديرية الواسعة التي تستغل غالباً في إنتاج الولاءات وتبادل المصالح. كما أن إتاحة هذه المعطيات للعموم، بما فيها المجتمع المدني والإعلام، يعزز منطق الرقابة المجتمعية، ويجعل الفساد أكثر كلفة سياسيا وأخلاقياً

إن الإصلاح المؤسساتي والقانوني، في جوهره، ليس مجرد مسألة نصوص وتشريعات، بل هو عملية إعادة هندسة للعلاقة بين السياسة والأخلاق، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الحزب والمجتمع. فدون تحرير القرار الحزبي من التبعية، وتجفيف منابع الريع، وتكريس الشفافية والمساءلة، ستظل أي محاولة للإصلاح عرضة لإعادة الإنتاج داخل المنظومة نفسها، مهما بدت لغتها حداثية أو وعودها طموحة.

2 تجديد الخطاب واستعادة الوظيفة التمثيلية

يتطلب الإصلاح استعادة الوظيفة الجوهرية للحزب كقناة للوساطة والتأطير:

1الانتقال إلى الخطاب البرامجي: يجب على الأحزاب أن تنتقل من الشعارات العامة إلى البرامج المفصلة القائمة على أرقام ومؤشرات قياس زمنية واضحة، تعالج القضايا الحقيقية للمواطنين (الصحة، التعليم، التشغيل). هذا الخطاب البرامجي هو ما يمنح الناخب فرصة حقيقية لتقييم الأحزاب بناء على النتائج لا الأقوال.

2الانفتاح على الأجيال الجديدة: يجب على الأحزاب أن تتبنى سياسات التمكين الحقيقي للشباب، ليس فقط عبر تخصيص حصص شكلية، بل عبر إدماجهم في الهيئات القيادية وصناعة القرار. الشعور بأن السياسة تخاطبهم وتمنحهم دوراً هو الشرط الأساسي لاستعادة ثقتهم.

3توسيع فضاء الحريات: إن أي إصلاح داخلي للأحزاب يظل محدودا ما لم يترافق مع توسيع فضاء الحريات العامة (حرية التعبير، حرية التنظيم، استقلالية الإعلام والمجتمع المدني). فالديمقراطية لا تقوى إلا بوجود مجتمع مدني حر وفاعل يمارس الضغط والمساءلة على الأحزاب والسلطة على حد سواء .

خاتمة

تؤكد هذه الدراسة أن أزمة الأحزاب السياسية المغربية هي أزمة نظام وساطة بأكمله، حيث أدى منطق الريع السياسي إلى إفراغ الأحزاب من وظيفتها التمثيلية، مما أدى بدوره إلى تآكل الثقة المؤسساتية وعزوف المواطنين. إن التحول من منطق الريع إلىمنطق المواطنة ليس قدرا محتوما، بل هو رهان يتطلب إرادة سياسية جادة وضغطا مجتمعيا مستمرا.

التوصيات الرئيسية:

1.تفعيل المنهج المؤسساتي في المساءلة: إنشاء هيئة مستقلة لمراقبة الديمقراطية الداخلية للأحزاب وربط التمويل العمومي بمدى التزامها بتداول النخب والشفافية المالية.

2.إعادة تعريف المنصب السياسي: تقليص الامتيازات المادية للمناصب المنتخبة لضمان أن يكون الدافع للترشح هو الخدمة العامة وليس الريع الشخصي.

3.الاستثمار في التكوين السياسي: توجيه جزء كبير من الدعم العمومي للأحزاب نحو برامج التكوين السياسي والبرامجي للكفاءات الشابة، لإنتاج نخب قادرة على صياغة سياسات عامة فعالة.

4.تعزيز الشفافية الرقمية: استخدام التكنولوجيا لزيادة شفافية العمليات الانتخابية وتدبير الشأن العام المحلي، لتقويض شبكات الزبونية والفساد.

 

الأحزاب المغربية بين إعادة إنتاج الخطاب وغياب البدائل


 

الأحزاب المغربية بين إعادة إنتاج الخطاب وغياب البدائل

مقدمة

تعيش الساحة السياسية المغربية منذ عقود على إيقاع متكرر من الانتخابات والبرامج الحزبية والوعود الانتخابية، التي غالبا ما تنتهي بخيبات أمل متكررة لدى المواطنين. يتسم المشهد السياسي المغربي بخصوصية فريدة، حيث تظل المؤسسة الملكية الفاعل السياسي الأول، بينما تتحرك الأحزاب السياسية ضمن هامش محدود، مما يجعلها تبدو وكأنها "محكومة أكثر مما هي حاكمة".

يثير هذا الوضع تساؤلات عميقة حول دور الأحزاب السياسية في المغرب وقدرتها على تقديم بدائل حقيقية للمواطنين. فالخطاب الحزبي، سواء كان يساريا أو يمينيا أو إسلاميا، يكاد يكون نسخة مكررة، يفتقر إلى رؤى مغايرة ومقترحات ملموسة قادرة على إقناع المواطن بوجود بديل حقيقي. تتردد نفس الشعارات حول التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، دون أن تقترن باليات تنفيذية واضحة أو مشاريع قابلة للقياس والمحاسبة.

تتناول هذه الدراسة الموسعة إشكالية الجمود السياسي في المغرب، من خلال تحليل أسباب إعادة إنتاج نفس الخطاب السياسي وغياب البدائل لدى الأحزاب المغربية. سنبحث في الجذور التاريخية لهذه الأزمة، ونحلل طبيعة الخطاب السياسي السائد، ونناقش تأثير بنية النظام السياسي على أداء الأحزاب. كما سنتطرق إلى ظاهرة صعود الشعبوية كاستراتيجية سياسية، ونبحث في أزمة الثقة المتنامية بين المواطنين والأحزاب، ودور المجتمع المدني كفاعل جديد في الساحة السياسية. وأخيرا، سنقدم قراءة استشرافية لمستقبل الأحزاب السياسية في المغرب في ظل التحولات الراهنة.

السياق التاريخي ودور المؤسسة الملكية

لفهم الوضع الراهن للأحزاب السياسية في المغرب، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي تشكلت فيه هذه الأحزاب، وإلى الدور المحوري الذي لعبته وتلعبه المؤسسة الملكية في تحديد مسار الحياة السياسية. فمنذ الاستقلال، تميز المشهد السياسي المغربي بمركزية السلطة الملكية، التي اعتبرت نفسها الضامن للاستقرار والوحدة الوطنية.

تأسست العديد من الأحزاب السياسية المغربية في فترة ما قبل الاستقلال أو بعده مباشرة، وكان لها دور مهم في النضال الوطني وبناء الدولة الحديثة. أحزاب مثل حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، التي شكلت الكتلة الديمقراطية، كان لها تاريخ طويل من المعارضة والمشاركة في الحكومات المتعاقبة. ومع ذلك، فإن هذه الأحزاب، وغيرها، عملت دائما ضمن إطار يحدده القصر، الذي احتفظ لنفسه بصلاحيات واسعة في توجيه السياسات العامة وتعيين الحكومات، حتى في ظل الدساتير التي نصت على نظام ملكية دستورية.

لقد أثر هذا الدور المهيمن للمؤسسة الملكية على طبيعة الأحزاب السياسية في المغرب. فبدلا من أن تكون قوى دافعة للتغيير وممثلة حقيقية للإرادة الشعبية، أصبحت الأحزاب في كثير من الأحيان مجرد وسيط بين القصر والمجتمع، أو أدوات لتصريف لحظات انتخابية عابرة. هذا الوضع أدى إلى تراجع دور الأحزاب في صياغة السياسات العمومية وتقديم البدائل الحقيقية، حيث ظلت المبادرات الكبرى في يد المؤسسة الملكية.

كما أن القصر لعب دورا في تشكيل بعض الأحزاب أو دعمها، بهدف خلق توازن في المشهد السياسي ومنع هيمنة أي تيار معين. على سبيل المثال، تأسس الاتحاد الدستوري بإيعاز من القصر في عام 1983. هذا التدخل، وإن كان يهدف إلى تحقيق الاستقرار، إلا أنه ساهم في إضعاف استقلالية الأحزاب وجعلها أكثر اعتمادا على الدعم الرسمي بدلا من بناء قاعدة شعبية قوية.

لقد أدت هذه الدينامية إلى إفراغ العمل الحزبي من محتواه الحقيقي في بعض الأحيان، حيث أصبح التركيز على المشاركة في الحكومة وتقاسم المناصب، بدلا من تقديم برامج سياسية واضحة ومشاريع مجتمعية قابلة للقياس والمحاسبة. هذا الجمود هو نتيجة مباشرة لهذا السياق التاريخي الذي حدد العلاقة بين المؤسسة الملكية والأحزاب السياسية في المغرب.

إعادة إنتاج الخطاب وغياب البدائل

ظاهرة إعادة إنتاج الخطاب السياسي وغياب البدائل الحقيقية تعتبر من أبرز التحديات التي تواجه الأحزاب المغربية، وتعمق من أزمة الثقة بينها وبين المواطنين. يكاد الخطاب الحزبي يكون "نسخة مستنسخة عبر كل الأحزاب، يساريها ويمينيها وإسلاميها، إذ لا نلمس بدائل حقيقية أو تصورات مختلفة تقنع المواطن بأن الحزب الفلاني يملك رؤية مغايرة.

يمكن تفسير هذه الظاهرة بعدة عوامل متداخلة:

1 تأثير الشعبوية

لقد شهد المشهد السياسي المغربي صعودا ملحوظا للشعبوية، التي أصبحت "أسلوبا مميزا للخطاب السياسي المغربي". هذا الصعود جاء في سياق أفول نجم التكنوقراطيين ومطالب حركة 20 فبراير بإصلاحات جذرية، مما أدى إلى تعديل دستوري أعاد للأحزاب دورها في العمل الحكومي. ومع تراجع دور السياسيين العقلانيين، تقدم الشعبويون بخطاب يفهمه  الشعب، يهدف إلى توسيع القاعدة الاجتماعية للأحزاب.

شخصيات مثل عبد الإله بنكيران (حزب العدالة والتنمية) وعبد الحميد شباط (حزب الاستقلال) وعبد اللطيف وهبي (حزب الأصالة والمعاصرة) وإدريس لشكر (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية) تبنت هذا النهج. ورغم أن الشعبوية قد تساهم في زيادة المشاركة السياسية، كما يتضح من ارتفاع نسبة المشاركة في الانتخابات من 37% عام 2007 إلى 45% في انتخابات 2011 ، إلا أن لها جانبا سلبيا يتمثل في "سطحية شعبوية متوارثة لا تؤثر في طبيعة الخطاب السياسي فحسب، بل تمنع الجمهور أيضا من الفهم الكامل لما هو على المحك"

يرى الفيلسوف السياسي محمد بوجنال أن هذا الخطاب "يحبذ إبقاء الشعب المغربي في مستوى الوجود الأدنى المتمثل في الهتافات والحماس والسمع والطاعة"، دون أي فهم أعمق للواقع السياسي. هذا يعني أن الأحزاب، في سعيها لكسب رضا "الشعب"، تلجأ إلى شعارات عامة وكليشيهات، بدلا من طرح سياسات عمومية واضحة ومشاريع قابلة للقياس والمحاسبة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الخطاب دون تقديم بدائل حقيقية

2 غياب الديمقراطية الداخلية

يمكن اعتبار أزمة الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب المغربية سببا رئيسيا في غياب البدائل. فالملاحظ لا تزال القيادات التقليدية تسيطر على الأجهزة الحزبية، مما يمنع بروز وجوه جديدة وشابة قادرة على قيادة التغيير. هذا الافتقار إلى التجديد الداخلي يحد من قدرة الأحزاب على تطوير رؤى جديدة وبرامج مبتكرة تستجيب لتطلعات المواطنين المتغيرة.

عندما تكون القيادات الحزبية بعيدة عن القاعدة الجماهيرية وتركز على العلاقات التحالفية مع السلطة والنخب الاقتصادية، بدلا من التركيز على التواصل المباشر مع المواطنين ، فإن الخطاب يصبح معزولا عن الواقع، ولا يعكس المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المواطنون. وهذا ما يفسر الفجوة بين القيادة الحزبية والجماهير التي أصبحت أكثر وضوحاً بعد انتخابات 2021.

3 التركيز على المناصب بدلا من البرامج

بدلا من التنافس على أساس البرامج والرؤى المستقبلية، يبدو أن الأحزاب المغربية تركز بشكل أكبر على "تقاسم المناصب" و"التحالفات السياسية". هذا التركيز على الجانب التكتيكي والبراغماتي للعمل السياسي، على حساب الجانب البرنامجي والإيديولوجي، يؤدي إلى تماهي الخطابات وغياب التمايز بين الأحزاب. فإذا كانت الأحزاب لا تقدم بدائل حقيقية في برامجها، فما الذي يميزها عن بعضها البعض؟ هذا السؤال يظل معلقا في أذهان المواطنين، ويزيد من شعورهم بأن الأحزاب مجرد أدوات انتخابية لتصريف لحظة عابرة، دون قدرة على تحويل السياسة إلى مشروع مجتمعي مستقبلي.

إن غياب البدائل الحقيقية وإعادة إنتاج نفس الخطاب يساهمان بشكل كبير في عزوف أوسع، وانفصال أعمق بين السياسة والمجتمع ، وهي ظاهرة سنناقشها بتفصيل أكبر في القسم التالي المتعلق بأزمة الثقة.

أزمة الثقة والعزوف الانتخابي ودور المجتمع المدني

أزمة الثقة بين المواطن والأحزاب السياسية في المغرب من أبرز التحديات التي تواجه النظام السياسي حاليا، وتتجلى هذه الأزمة بوضوح في ظاهرة العزوف الانتخابي المتزايد. فبالرغم من أن انتخابات 2021 شهدت ارتفاعا طفيفا في نسبة المشاركة (50.35% مقارنة بـ 43% في 2016)، إلا أن هذا الارتفاع كان نسبيا ولا يعكس بالضرورة تزايد الثقة في الأحزاب. بل إن الإحصائيات الصادمة للانتخابات الجزئية الأخيرة، التي سجلت نسبة مشاركة ضعيفة للغاية (مثل 6.5% في دائرة المحيط بالرباط)، تشير إلى عمق الفجوة بين الناخبين والأحزاب.

تتعدد الأسباب الهيكلية التي تعمق من أزمة الثقة وتراجع الأحزاب المغربية:

1غياب الديمقراطية الداخلية: كما ذكرنا سابقا، تسيطر القيادات التقليدية على الأجهزة الحزبية، مما يمنع بروز وجوه جديدة وشابة قادرة على قيادة التغيير. هذا يولد شعورا لدى المواطنين بأن الأحزاب لا تمثلهم وأنها مغلقة على نفسها.

2الاعتماد على النخب والعلاقات التحالفية: أصبحت الأحزاب تعتمد بشكل أكبر على العلاقات التحالفية مع السلطة والنخب الاقتصادية، بدلا من التركيز على التواصل المباشر مع المواطنين. هذا التوجه يجعل الأحزاب تبدو بعيدة عن هموم الشارع ومطالبه الحقيقية.

3فشل الأحزاب في تلبية التوقعات: يبرز انهيار حزب العدالة والتنمية في انتخابات 2021 (من 125 مقعداً في 2016 إلى 13 مقعدا) كمثال صارخ على فشل الأحزاب في تلبية توقعات القاعدة الشعبية التي كانت تعتمد عليه لتحقيق إصلاحات عميقة. هذا الفشل يغذي الإحباط ويزيد من أزمة الثقة.

4الفجوة بين القيادة والقاعدة الجماهيرية: أظهرت انتخابات 2021 بوضوح أن قيادات حزبية تكنوقراطية بعيدة عن المشاكل الحقيقية التي يعاني منها المواطنون. هذه القيادات تركز على التحالفات السياسية والتقارب مع السلطة، مما يزيد من التباعد بينها وبين الجماهير، خاصة في المناطق المهمشة اقتصاديا واجتماعيا.

5ضعف مشاركة الشباب: تشير الإحصائيات إلى أن مستوى مشاركة الشباب (18-30 سنة) في الانتخابات الجزئية الأخيرة كان ضعيفا للغاية، حيث قدرت النسبة بأقل من 5% في العديد من الدوائر. هذا يعكس حالة الإحباط التي يعيشها الشباب تجاه العملية السياسية، وشعورهم بأن الأحزاب لا تعبر عن تطلعاتهم في التغيير.

المجتمع المدني كبديل:

في ظل هذا التراجع لدور الأحزاب السياسية، بدأ المجتمع المدني يشغل دورا أكثر فعالية في المشهد السياسي المغربي. أصبحت الجمعيات الحقوقية والمنظمات الشبابية تمثل "صوتا بديلا للدفاع عن حقوق المواطنين والمطالبة بالإصلاحات". وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدا مستمرا في عدد الجمعيات التي تركز على قضايا مثل حقوق الإنسان، التنمية المستدامة، والدفاع عن البيئة.

تلعب هذه المنظمات دورا متزايدا في التأثير على السياسات العامة، من خلال تنظيم حملات توعية ورفع الوعي السياسي بين الشباب والمواطنين المهمشين. ففي المناطق التي سجلت نسبة مشاركة ضعيفة في الانتخابات، كانت الجمعيات المحلية هي التي قامت بتنظيم مبادرات لتلبية احتياجات المجتمع، مما يعكس غياب الأحزاب وتركها الساحة للمجتمع المدني. هذا التحول يشير إلى أن المواطنين يبحثون عن قنوات أخرى للتعبير عن مطالبهم والمشاركة في الشأن العام، بعيدا عن الأطر الحزبية التقليدية.

الخاتمة

تظهر هذه الدراسة أن الأحزاب السياسية في المغرب تواجه تحديات عميقة تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي. فإعادة إنتاج الخطاب، وغياب البدائل الحقيقية، وأزمة الثقة المتنامية بين المواطنين والأحزاب، كلها مؤشرات على جمود سياسي يهدد بتقويض المشاركة الديمقراطية. إن الدور المحوري للمؤسسة الملكية، وصعود الشعبوية، وغياب الديمقراطية الداخلية، والتركيز على تقاسم المناصب بدلا من البرامج، كلها عوامل ساهمت في هذا الوضع.

إن مستقبل الأحزاب السياسية في المغرب مرهون بقدرتها على التجديد والإصلاح. فإذا لم تتجدد الوجوه، ولم تتجدد الأفكار، ولم تنفتح الأحزاب على الشعب، فإن مستقبلها سيكون إعادة تدوير للأزمة ذاتها. والنتيجة: عزوف أوسع، وانفصال أعمق بين السياسة والمجتمع.

 

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...