الأحد، 3 مايو 2026

إشكالية دراسة الحركات الجهادية في السياق الأكاديمي المعاصر


 الحيداوي عبد الفتاح 

إشكالية دراسة الحركات الجهادية في السياق الأكاديمي المعاصر

ملخص الدراسة

تناول هذا البحث الإشكاليات المنهجية والأخلاقية التي تواجه الباحثين في حقل دراسات الحركات الجهادية، مع التركيز على الجدلية القائمة بين ضرورة الفهم العلمي وخطر الاتهام بالتعاطف. تسعى الدراسة إلى تفكيك مناخ )تسييس المعرفة( وهيمنة المقاربة الأمنية، مع تقديم أمثلة تطبيقية من مراكز الأبحاث العربية والمساجلات الأكاديمية الفرنسية، وصولا إلى صياغة مقترحات لمقاربة علمية متوازنة تتجاوز الاختزالية الأمنية.

مقدمة

منذ إعلان ما سمي بـ )الخلافة( في عام 2014، تحول تنظيم (الدولة الإسلامية) (داعش) من مجرد تنظيم محلي إلى موضوع مركزي مهيمن في حقل دراسات التطرف والعنف السياسي عالميا. وقد أنتج هذا التحول موجة كثيفة من الأبحاث والتقارير، غير أن هذا التراكم المعرفي الكمي لم يكن دائما مرادفا لفهم نوعي عميق للظاهرة. بل على العكس، أسهمت جملة من العوامل منها الضغوط السياسية، الاستقطاب الإعلامي، والحساسيات الأخلاقية في تكريس قراءات سطحية أو )وظيفية( تخدم السياسات الآنية. وفي هذا السياق، برزت إشكالية منهجية وأخلاقية معقدة: كيف يمكن للباحث الأكاديمي أن يدرس الظاهرة الجهادية بموضوعية وتفكيكية دون أن يتهم بالتعاطف أو تبرير العنف؟

تسييس المعرفة في دراسات الحركات الجهادية: تحديات الفهم والتحليل

يعتبر تسييس المعرفة أحد أبرز التحديات المنهجية والأكاديمية التي تواجه الباحثين في مجال دراسات الحركات الجهادية. فالدراسات المتعمقة لهذه الظاهرة لا تستقبل في فراغ أكاديمي محايد أو بيئة بحثية مجردة، بل تتشكل وتقيم ضمن سياق مشحون أمنيا وسياسيا وإيديولوجيا بامتياز. هذا المناخ العام، الذي غالبا ما يتسم بالاستقطاب والتحيز، يجعل من أي محاولة جادة لفهم خطاب هذه الحركات، أو تحليل بنيتها الفكرية، أو حتى استكشاف جذورها الاجتماعية والسياسية، عرضة للتأويل السلبي والاتهامات المسبقة، مما يقوض الرصانة العلمية ويحد من القدرة على إنتاج معرفة موضوعية ونافعة.

إن العائق الأكبر أمام تحقيق الرصانة العلمية في هذا الميدان يتمثل في الخلط الشائع والمستمر بين (التفسير) و(التبرير). ففي الدوائر الإعلامية والسياسية، وحتى في بعض الأوساط الأكاديمية، ينظر أحيانا إلى التحليل السوسيولوجي أو السياسي الذي يسعى إلى ربط ظاهرة العنف والتطرف بظروف اجتماعية، اقتصادية، أو سياسية معينة، باعتباره محاولة لـ(منح أعذار) للإرهابيين أو تبرير لأفعالهم. هذا الخلط المغلوط يغفل الفارق الجوهري بين محاولة فهم الأسباب والدوافع الكامنة وراء ظاهرة معقدة، وبين إضفاء الشرعية الأخلاقية أو السياسية عليها. إن التفسير العلمي يسعى إلى الكشف عن الآليات والعوامل التي تسهم في نشأة وتطور الظواهر، بينما التبرير ينطوي على حكم قيمي أو أخلاقي بقبول هذه الظواهر أو دعمها. هذا الالتباس ينتج نوعا من الرقابة الذاتية لدى الباحثين، مما يدفعهم إما إلى تبني خطاب نقدي تقريري يتماشى مع السردية السائدة والمقبولة سياسيا، والتي غالبا ما تكون مبسطة ومختزلة، أو الانكفاء عن الخوض في التفاصيل الدقيقة والعميقة للخطاب الجهادي وبنيته الفكرية، خوفا من الملاحقة الأكاديمية أو الأمنية، أو حتى الوصم الاجتماعي والمهني. هذا التراجع عن التحليل النقدي والمعمق يترك فراغا معرفيا ، مما يزيد من تعقيد المشكلة بدلا من حلها.

بالإضافة إلى ذلك، يواجه الباحثون ضغطا كبيرا من السرديات الرسمية التي تفرضها الدول والمؤسسات الأمنية. فغالبا ما تتبنى هذه السرديات مقاربة أحادية الجانب لظاهرة الإرهاب، تركز على مفهوم (الشر المطلق) أو (المرض النفسي) كأسباب وحيدة للتطرف، وتستبعد بشكل منهجي أي تحليل قد يربط الظاهرة بخلل في السياسات العامة، أو قصور في الأنظمة السياسية، أو حتى تأثيرات النظام الدولي. هذه السرديات الرسمية، التي تهدف غالبا إلى تعزيز الشرعية الداخلية والخارجية للدول، تخلق إطارا ضيقا للفهم، وتجرم أي محاولة لتجاوزه. الباحث الذي يحاول كسر هذه السردية المهيمنة، أو يقدم تحليلات أكثر تعقيدا وتعددية للأسباب، يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مؤسسات إنتاج المعرفة الرسمية، والتي قد تمارس ضغوطا سياسية أو إدارية أو حتى مالية لثنيه عن مساره البحثي. هذا الضغط لا يؤثر فقط على حرية البحث الأكاديمي، بل يعيق أيضا تطوير استراتيجيات فعالة لمكافحة الإرهاب، حيث أن الفهم السطحي والمبسط للظاهرة يؤدي إلى حلول قاصرة وغير مستدامة. إن القدرة على تحليل الظاهرة الجهادية بعمق وموضوعية، بعيدا عن التسييس والتحيزات، هي السبيل الوحيد لتطوير سياسات واستراتيجيات قائمة على الأدلة، قادرة على معالجة الأسباب الجذرية للتطرف والعنف، بدلا من الاكتفاء بمعالجة الأعراض.

أزمة المنهج والوصول إلى المصادر

تواجه دراسة الحركات الجهادية إشكالا منهجيا مركبا يتصل بطبيعة الوصول إلى المصادر الأصلية وحدود التعامل معها، وهو ما يضع الباحث أمام تحديات علمية وأخلاقية في آن واحد. فالبحث العلمي الرصين يقتضي، من حيث المبدأ، التفاعل المباشر مع المادة الأولية للظاهرة، بما يشمل النصوص التأسيسية، والخطابات الأيديولوجية، والإنتاجات الإعلامية، والبيانات الرسمية الصادرة عن هذه التنظيمات. غير أن هذه القاعدة المنهجية تصطدم في هذا المجال بحساسية خاصة، لأن هذه المواد ليست مجرد (معطيات محايدة)، بل هي في ذاتها أدوات تعبئة وتجنيد وتوجيه، صممت أساسا للتأثير والإقناع. ومن ثم، فإن التعامل معها يثير إشكالية ما يمكن تسميته بـ(المصادر الدعائية )، أي تلك التي تحمل في بنيتها خطابا دعائيا كثيفا، يجعل مجرد تداولها أو الاقتباس منها عرضة لسوء الفهم أو الاتهام بالترويج غير المباشر.

في هذا السياق، يبرز التساؤل حول إمكانية قراءة وتحليل مجلات مثل (دابق) أو (رومية) دون الوقوع في فخ إعادة إنتاج خطابها. فهذه المجلات لا تقتصر على عرض مواقف التنظيم، بل توظف تقنيات بلاغية وسرديات دينية وتاريخية مصممة بعناية لإضفاء الشرعية على توجهها، واستقطاب جمهور واسع، خاصة من الشباب. ولذلك، فإن تجاهل هذه المواد بدعوى خطورتها لا يؤدي إلى تحييد أثرها، بل يساهم في تكريس الغموض حولها، ويمنحها نوعا من (الحصانة المعرفية) التي تعيق تفكيكها نقديا. على سبيل المثال، أدى امتناع بعض الباحثين والمؤسسات عن تحليل مضامين هذه المجلات في بدايات ظهور تنظيم الدولة إلى تأخر فهم آليات اشتغاله الدعائي، في حين أن الدراسات التي خاضت في تحليل خطاب الخلافة والرموز التي يوظفها التنظيم، تمكنت من كشف بنيته الحجاجية وتناقضاته الداخلية، وهو ما ساهم لاحقا في تطوير مقاربات مضادة أكثر فعالية على المستوى الفكري والإعلامي. غير أن هذا الانخراط المعرفي يظل محفوفا بمخاطر، ليس فقط من حيث إمكانية إساءة توظيف المادة البحثية خارج سياقها، بل أيضا من حيث التأثير النفسي المحتمل على الباحث نفسه، خاصة عند التعرض المكثف لمحتويات عنيفة أو صادمة.

وإلى جانب إشكالية المصادر، تبرز معضلة أخرى لا تقل أهمية، تتعلق بضعف العمل الميداني في هذا الحقل، خصوصا في السياق العربي. فالدراسات التي تعتمد على الإثنوغرافيا الميدانية، أي المعايشة المباشرة للفاعلين أو البيئات المرتبطة بالظاهرة، تكاد تكون محدودة للغاية، نظرا للمخاطر الأمنية المزدوجة التي تحيط بها. فمن جهة، يشكل الاقتراب من أفراد أو شبكات مرتبطة بتنظيمات جهادية خطرا مباشرا على سلامة الباحث، ومن جهة أخرى، قد يعرضه ذلك لمساءلات أو ملاحقات أمنية في ظل حساسية الموضوع. هذا الواقع أدى إلى هيمنة المقاربات المكتبية، خاصة تحليل المضمون والخطاب، باعتبارها أقل تكلفة وأدنى مخاطرة. غير أن هذا الخيار، رغم أهميته، يظل قاصرا عن الإحاطة الكاملة بالظاهرة، لأنه يركز على ما يقال أكثر مما يفسر كيف ولماذا يقال، ويغفل الأبعاد الاجتماعية والنفسية التي لا تظهر بالضرورة في النصوص.

فعلى سبيل المثال، لا يمكن لفهم دوافع الانخراط في التنظيمات الجهادية أن يكتمل من خلال تحليل البيانات الرسمية وحدها، إذ إن كثيرا من العوامل الحاسمة مثل الإحساس بالتهميش، أو البحث عن الهوية، أو تأثير الشبكات الاجتماعية المحليةلا تنعكس بشكل مباشر في الخطاب الأيديولوجي المعلن. وقد أظهرت بعض الدراسات التي اشتغلت على مقابلات مع عائدين من مناطق النزاع أن المسارات الفردية للانضمام إلى هذه التنظيمات غالبا ما تكون أكثر تعقيدا مما توحي به الخطابات الدعائية، حيث تتداخل فيها عوامل شخصية وعائلية وسياقية يصعب رصدها عبر التحليل النصي فقط. لكن في المقابل، يبقى الوصول إلى مثل هذه المعطيات محدودا في العالم العربي مقارنة ببعض التجارب الغربية التي استفادت من برامج إعادة التأهيل أو مناخات بحثية أكثر انفتاحا، ما أتاح لها بناء قواعد بيانات ميدانية أعمق.

بناء على ذلك، يمكن القول إن أزمة المنهج في دراسة الحركات الجهادية لا تتعلق بنقص المعطيات بقدر ما تتعلق بطبيعة هذه المعطيات وحدود التعامل معها، حيث يجد الباحث نفسه بين ضرورة الاقتراب من مصادر خطرة لفهم الظاهرة، وبين الحاجة إلى الحفاظ على مسافة نقدية وأخلاقية تمنع الانزلاق إلى إعادة إنتاج خطابها. كما أن غياب العمل الميداني يعمق هذه الأزمة، لأنه يحرم البحث من بعده التفسيري العميق، ويجعل كثيرا من الاستنتاجات رهينة بما تسمح به النصوص، لا بما يكشفه الواقع المعاش. ومن ثم، فإن تطوير هذا الحقل يقتضي البحث عن توازن دقيق بين الجرأة المنهجية والحذر الأخلاقي، وبين التحليل النصي والعمل الميداني، بما يتيح بناء معرفة أكثر دقة وقدرة على الإحاطة بظاهرة معقدة ومتحولة باستمرار.

هيمنة المقاربة الأمنية وتهميش العلوم الإنسانية

أدى تصاعد ما يعرف بـ)صناعة مكافحة الإرهاب( منذ أحداث هجمات 11 سبتمبر 2001 إلى إعادة تشكيل الحقل المعرفي المرتبط بدراسة الظاهرة الجهادية، بحيث لم يعد هذا الحقل فضاء أكاديميا حرا بالمعنى الكلاسيكي، بل أصبح إلى حد بعيد مجالا موجها بأولويات أمنية واستراتيجية تفرضها الدول والمؤسسات الدولية. ففي سياق ما سمي بـ)الحرب على الإرهاب(، التي قادتها الولايات المتحدة بدعم من حلفائها ضمن حلف شمال الأطلسي، تم توجيه موارد مالية ضخمة نحو مراكز البحث والدراسات، لكن هذه الموارد لم تكن محايدة، بل ارتبطت في الغالب بأجندات محددة تسعى إلى إنتاج معرفة قابلة للتوظيف المباشر في السياسات الأمنية. وقد أدى هذا الوضع إلى هيمنة ما يمكن تسميته بـ"المعرفة الوظيفية"، أي ذلك النمط من المعرفة الذي يركز على تقديم حلول تقنية وإجرائية سريعة، مثل تطوير برامج "المناصحة" وإعادة التأهيل، أو تحسين آليات الرصد الإلكتروني والتتبع الرقمي، أو بناء قواعد بيانات حول الشبكات الجهادية، على حساب المعرفة النقدية التي تسعى إلى تفكيك الظاهرة في سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية العميقة.

وتتجلى هذه الهيمنة بوضوح في طبيعة الإنتاج العلمي الصادر عن العديد من المؤسسات البحثية الغربية، مثل RAND Corporation أو International Centre for the Study of Radicalisation، حيث يغلب على تقاريرها الطابع التطبيقي المرتبط بصنع القرار، مع تركيز على مفاهيم مثل )التطرف العنيف( و)مكافحة الراديكالية(، وهي مفاهيم غالبا ما تختزل في مؤشرات سلوكية أو نفسية قابلة للقياس، دون مساءلة الأطر البنيوية التي تنتج هذه الظواهر. وعلى الرغم من أهمية هذه المقاربات في فهم بعض الجوانب الجزئية، إلا أنها تسهم في إعادة إنتاج رؤية اختزالية تختزل الظاهرة الجهادية في بعدها الأمني، وتتعامل معها باعتبارها مجرد تهديد يجب احتواؤه، لا كظاهرة تاريخية مركبة ترتبط بسياقات مثل فشل مشاريع الدولة الوطنية في عدد من البلدان العربية، أو تداعيات التدخلات العسكرية الغربية في مناطق مثل العراق بعد غزو العراق 2003، أو أفغانستان بعد الحرب في أفغانستان 2001.

في المقابل، تم تهميش أو إقصاء المقاربات النقدية التي تسعى إلى تحليل الظاهرة الجهادية ضمن أطر أوسع، مثل تحليل علاقة العنف السياسي ببنية النظام الدولي، أو بدراسة إرث الاستعمار، أو بتحولات الهوية في سياق العولمة. وقد أشار عدد من الباحثين إلى هذا الاختلال، من بينهم مارك ساجمان الذي انتقد اعتماد الأجهزة الأمنية على نماذج تفسيرية مبسطة، وكذلك أوليفييه روا الذي ركز على البعد السوسيولوجي للظاهرة، معتبرا أن ما يسمى )أسلمة الراديكالية( يعكس أزمة اندماج وهوية أكثر مما يعكس مجرد تبن أيديولوجي ديني. كما قدم جيل كيبل قراءة مختلفة تربط الظاهرة بتحولات الفكر الإسلامي السياسي، ما يعكس تعددية في المقاربات تغيب غالبا في الدراسات الوظيفية الموجهة.

ويظهر أثر هذا التوجه أيضا في طبيعة الأسئلة التي يسمح بطرحها داخل الحقل الأكاديمي إذ يتم تشجيع الأسئلة التي تخدم أغراضا عملية مباشرة، مثل )كيف يمكن اكتشاف الأفراد المعرضين للتطرف؟( أو )ما هي أفضل الطرق لإعادة تأهيل المقاتلين العائدين؟(، في حين تهمش الأسئلة التي قد تكون أكثر إزعاجا للسياسات القائمة، مثل )ما دور السياسات الخارجية الغربية في إنتاج بيئات حاضنة للعنف؟( أو )كيف أسهمت الأنظمة السلطوية في العالم العربي في تغذية الخطابات الجهادية؟(. وبهذا المعنى، لا يتعلق الأمر فقط بنوعية الأجوبة، بل أيضا بحدود السؤال ذاته، وهي حدود يتم رسمها ضمن توازنات القوة والمعرفة التي تحكم هذا الحقل.

إن هذا الوضع يطرح إشكالية إبستمولوجية عميقة تتعلق بطبيعة المعرفة المنتجة حول الظاهرة الجهادية: هل هي معرفة تفسيرية تسعى إلى الفهم، أم معرفة أداتية تسعى إلى الضبط والتحكم؟ وفي هذا السياق، يمكن استحضار تحليلات ميشيل فوكو حول العلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث تنتج السلطة أنماطا معينة من المعرفة التي تخدم استمراريتها، وتقصي في المقابل المعارف التي قد تهدد بنيتها. كما يمكن الاستفادة من أطروحات إدوارد سعيد حول الاستشراق، التي أظهرت كيف يمكن للمعرفة أن تتحول إلى أداة للهيمنة حين تنتج ضمن سياقات غير متكافئة.

وبناء على ذلك، فإن تجاوز هذا الاختزال يقتضي إعادة الاعتبار للمقاربات النقدية متعددة التخصصات، التي تدمج بين التحليل السياسي والتاريخي والسوسيولوجي، وتتعامل مع الظاهرة الجهادية بوصفها نتاجا لتفاعلات معقدة بين المحلي والعالمي، بين الديني والسياسي، وبين الذاتي والبنيوي. كما يتطلب الأمر استقلالية أكبر للبحث الأكاديمي عن مصادر التمويل الموجهة، وتشجيع بيئات بحثية قادرة على طرح أسئلة غير مريحة، لكنها ضرورية لفهم أعمق وأكثر توازنا لهذه الظاهرة. وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى دراسات ميدانية نوعية، وإلى الانفتاح على مصادر أولية، حتى وإن كانت "حساسة"، مثل أدبيات التنظيمات نفسها (كـ"دابق" و"رومية")، شريطة التعامل معها بأدوات نقدية صارمة، بما يسمح بفهم البنية الداخلية للخطاب الجهادي دون الوقوع في فخ التبرير أو التبني.

نماذج من مراكز الأبحاث والدراسات العربية

شهد العالم العربي خلال العقدين الأخيرين بروز عدد من مراكز الأبحاث التي سعت إلى تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة في دراسة الظاهرة الجهادية، وذلك عبر تبني مقاربات متعددة التخصصات تجمع بين التحليل السوسيولوجي والتاريخي والسياسي. وقد مثلت هذه المحاولات، رغم محدوديتها، خطوة نوعية نحو إنتاج معرفة نقدية أكثر عمقا، تسعى إلى فهم الظاهرة بدل الاكتفاء بتوصيفها كتهديد أمني.

في هذا السياق، يبرز المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كأحد أهم المؤسسات البحثية العربية التي حاولت مأسسة دراسة الظاهرة الجهادية ضمن إطار أكاديمي صارم. فقد عمل المركز على إنتاج دراسات معمقة تتجاوز التفسيرات الاختزالية التي تربط الظاهرة بالدين فقط، لتكشف عن تشابك العوامل السياسية والاجتماعية والتاريخية. ويعد عمل عزمي بشارة حول تنظيم الدولة الإسلامية نموذجا بارزا في هذا الاتجاه، خاصة في كتابه تنظيم الدولة المكنى داعش، حيث قدم قراءة تركيبية تربط نشأة التنظيم بسياقات انهيار الدولة الوطنية في كل من العراق وسوريا، معتبرا أن التنظيم ليس مجرد تعبير عن تطرف ديني، بل هو نتيجة لتفكك البنى السياسية واحتدام التناقضات الهوياتية. هذا التحليل يفتح المجال لفهم أعمق للظاهرة، لكنه في الوقت ذاته يضع الباحث في مواجهة اتهامات بالتسييس، خاصة في بيئات يغلب عليها الطابع الأمني في تفسير الظواهر.

وفي الاتجاه نفسه، تندرج أعمال حسن أبو هنية، خاصة كتابه الجهادية العربية، الذي قدم فيه تحليلا تطوريا لمسار التيار الجهادي من تنظيم القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية. تميز هذا العمل بالتركيز على البعد البنيوي والتحولات الداخلية في الفكر الجهادي، مع إبراز أهمية (السياق المحلي) في تشكيل كل تجربة جهادية على حدة. فعلى سبيل المثال، يختلف مسار الجهادية في العراق عن نظيرتها في المغرب العربي أو شبه الجزيرة العربية، سواء من حيث البنية التنظيمية أو الخطاب الأيديولوجي أو العلاقة مع البيئة الاجتماعية. هذه المقاربة المقارنة تسهم في تفكيك الصورة النمطية التي تختزل الجهادية في نموذج واحد عابر للحدود.

أما مركز الجزيرة للدراسات، فقد ركز في إنتاجه البحثي على تحليل الديناميات السياسية للحركات الإسلامية، مع محاولة التمييز المنهجي بين تيارات الإسلام السياسي الحركي والجهادية السلفية. وتكمن أهمية هذا التمييز في كونه يواجه أحد أبرز اختلالات المقاربات الغربية، التي غالبا ما تضع مختلف التيارات الإسلامية في سلة واحدة تحت عنوان (التطرف). وقد نشر المركز دراسات تحليلية حول تحولات جماعات مثل الإخوان المسلمين، في مقابل تنظيمات جهادية مثل القاعدة وداعش، مبرزا الفوارق في المرجعيات الفكرية والاستراتيجيات السياسية وأشكال العمل. هذا النوع من التحليل يساعد على بناء سياسات أكثر دقة، بدل الاعتماد على مقاربات تعميمية قد تؤدي إلى نتائج عكسية.

ورغم هذه الجهود، تواجه مراكز الأبحاث العربية إشكالية بنيوية تتمثل في العلاقة المعقدة بين التمويل والاستقلالية. إذ تعتمد العديد من هذه المراكز على تمويلات حكومية أو شبه حكومية، أو على منح دولية مشروطة، ما يفرض عليها في كثير من الأحيان تبني أجندات بحثية تتماشى مع أولويات الممولين، خاصة في ما يتعلق ببرامج (مكافحة التطرف). ويؤدي هذا الوضع إلى إنتاج ما يمكن تسميته بـ(المعرفة الوظيفية)، التي تركز على تقديم حلول تقنية سريعة لصناع القرار، بدل الانخراط في تحليل نقدي عميق قد يكون غير مرغوب فيه سياسيا.

ولتوضيح ذلك، يمكن الإشارة إلى أن بعض الدراسات الممولة تركز بشكل مفرط على أدوات (نزع التطرف) دون مساءلة السياقات السياسية التي تنتج التطرف في المقام الأول، مثل الاستبداد، والتهميش، وفشل الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية. في المقابل، تحاول بعض المراكز الحفاظ على هامش من الاستقلالية عبر تنويع مصادر التمويل أو الاعتماد على شراكات أكاديمية، غير أن هذا الهامش يظل محدودا في ظل بيئة سياسية لا تشجع دائما على البحث النقدي الحر.

خلاصة القول، إن مراكز الأبحاث العربية تمثل فضاء واعدا لإنتاج معرفة علمية حول الظاهرة الجهادية، لكنها تظل محكومة بتوازن دقيق بين الطموح الأكاديمي وإكراهات الواقع السياسي والمالي. ومن ثم، فإن تطوير هذا الحقل البحثي يقتضي تعزيز استقلالية هذه المؤسسات، وتشجيع المقاربات متعددة التخصصات، وفتح المجال أمام دراسات نقدية لا تكتفي بوصف الظاهرة، بل تسعى إلى فهم جذورها العميقة وتحليل شروط استمرارها.

 

المساجلات الأكاديمية الفرنسية: دروس في المنهج

التجربة الأكاديمية الفرنسية في دراسة "الجهادية" (Jihadisme) واحدة من أثرى التجارب العالمية، ليس فقط لقربها الجغرافي والسياسي من الأحداث، بل لعمق الانقسام المنهجي الذي أحدثته بين كبار الباحثين. يتجاوز السجال الفرنسي مجرد التوصيف الأمني للظاهرة، ليمس جوهر العلوم الاجتماعية حول علاقة الدين بالسياسة، والهوية بالمجتمع.

جيل كيبيل (Gilles Kepel)

يتبنى جيل كيبيل في أعماله، ولا سيما في كتابه (الفتنة) (Fitna) و(الإرهاب في فرنسا) (Terreur dans l'Hexagone)، أطروحة(راديكالية الإسلام). يرى كيبيل أن العنف الجهادي هو نتيجة حتمية لتغلغل الفكر السلفي المتشدد في أوساط الجاليات المسلمة في أوروبا.

يطرح كيبيل مفهوم الجيل الثالث الذي يتميز باللامركزية، حيث يعتمد على الأفراد (الذئاب المنفردة) الذين يتأثرون بالدعاية عبر الإنترنت.

ويركز على ما يسميه (البيئة الحاضنة) ، حيث تلعب المساجد غير الرسمية، والمراكز الثقافية، ووسائل التواصل الاجتماعي دورا في خلق قطيعة شعورية بين المسلم والمجتمع الفرنسي (La rupture identitaire).

يشير كيبيل إلى اعتداءات عام 2015 في باريس كدليل على أن المنفذين هم نتاج لعملية تنشئة أيديولوجية طويلة بدأت بالسلفية وانتهت بالجهادية.

 أوليفييه روا (Olivier Roy)

 يتبنى أطروحة(أسلمة الراديكالية) (Islamisation de la radicalité). يرى روا في كتابه (الجهاد والموت) أن المهاجمين هم شباب راديكاليون بالفطرة (بسبب التهميش أو أزمات الهوية) وجدوا في الإسلام الجهادي (غلافا إيديولوجيا) يعطي معنى لتمردهم. بالنسبة لروا، المشكلة سوسيولوجية وليست دينية بالدرجة الأولى

يمثل السجال بين Gilles Kepel وOlivier Roy أحد أبرز النقاشات الأكاديمية التي سعت إلى تفسير الظاهرة الجهادية المعاصرة في السياق الأوروبي، خاصة الفرنسي، حيث يكشف هذا الجدل عن اختلاف عميق في المنطلقات المنهجية وزوايا التحليل. ففي حين ينطلق كيبيل من فرضية مفادها أن الجهادية هي امتداد طبيعي لتطور داخلي في الفكر السلفي، وأن النصوص الدينية المؤطرة لهذا الفكر تمثل محركا أساسيا للسلوك الجهادي، يذهب روا في اتجاه مغاير تماما، معتبرا أن الظاهرة لا يمكن فهمها من داخل النص، بل من خلال السياقات الاجتماعية والنفسية التي ينتجها المجتمع الحديث.

يرى روا، كما عرض في كتابه Le Jihad et la Mort، أن الجهاديين المعاصرين ليسوا نتاج تدين تقليدي أو تنشئة دينية صلبة، بل هم في الغالب أفراد يعيشون حالة تمرد سابقة على التدين، حيث يأتي الإسلام لاحقا بوصفه إطارا رمزيا يمنح هذا التمرد معنى وهوية. وبهذا المعنى، لا تكون (أسلمة الراديكالية) سوى عملية تحويل غضب اجتماعي أو أزمة هوية إلى خطاب ديني يمنح الفعل العنيف شرعية رمزية. ويعزز روا أطروحته بالإشارة إلى أن عددا مهما من المنخرطين في التنظيمات الجهادية في أوروبا هم من المتحولين إلى الإسلام أو من الذين لم تكن لهم علاقة تذكر بالمؤسسات الدينية التقليدية، وهو ما يضعف فكرة أن المساجد أو الخطاب الديني الكلاسيكي هو المصدر الأول للتطرف.

في هذا الإطار، يعيد روا تعريف الجهادية باعتبارها تعبيرا عن عدمية معاصرة، حيث لا يكون الهدف الحقيقي هو إقامة مشروع سياسي مستقر كـ(الخلافة)، بل الانجذاب إلى فعل العنف ذاته، بل وإلى فكرة الموت بوصفها ذروة هذا المسار. فالشاب الجهادي، وفق هذا التصور، لا يبحث عن بناء نظام بديل بقدر ما يسعى إلى تدمير الواقع الذي يشعر بالاغتراب داخله، وهو ما يفسر الطابع الفردي، السريع، وغير المؤطر لكثير من العمليات التي شهدتها أوروبا في السنوات الأخيرة.

هذا الطرح يقود إلى نتائج مختلفة جذريا على مستوى الفهم والمعالجة؛ فإذا كان كيبيل يركز على ضرورة إصلاح الخطاب الديني ومراقبة الفضاءات التي ينتج فيها، فإن روا يدعو إلى توجيه الجهود نحو معالجة أزمات الاندماج الاجتماعي، وفهم ديناميات التهميش والاغتراب التي يعيشها بعض الشباب في المجتمعات الغربية. غير أن أهمية أطروحة روا لا تكمن فقط في تقديم تفسير بديل، بل في زعزعة المسلمات التي تربط بشكل آلي بين التدين والتطرف، وفتح النقاش حول العلاقة المعقدة بين الهوية، الحداثة، والعنف.

ومع ذلك، فإن اختزال الظاهرة في بعدها السوسيولوجي وحده قد يواجه بدوره حدودا تفسيرية، خاصة حين يتعلق الأمر بقدرة الخطاب الجهادي على إنتاج معنى تعبوي عابر للحدود، أو حين نلاحظ استمرارية بعض البنى الفكرية داخل هذا التيار. لذلك يبدو أن القيمة الحقيقية لهذا السجال لا تكمن في ترجيح أحد التفسيرين بشكل مطلق، بل في استثمار التوتر بينهما لبناء مقاربة تركيبية تأخذ بعين الاعتبار تفاعل العوامل الفكرية مع السياقات الاجتماعية، بما يسمح بفهم أكثر تعقيدا ودقة لظاهرة لا تزال تتحدى النماذج التفسيرية الأحادية.

إسهامات فارهاد خسروخافار (Farhad Khosrokhavar)

يعتبر Farhad Khosrokhavar من أبرز السوسيولوجيين الذين أسهموا في نقل دراسة الظاهرة الجهادية من التركيز الضيق على النصوص والأفكار إلى تحليل الفضاءات الاجتماعية التي تنتج هذه الظاهرة، وعلى رأسها السجون. وتكتسب مقاربته أهميتها من طابعها الميداني التفسيري، إذ اعتمد على مقابلات مباشرة مع سجناء وملاحظات داخل المؤسسات السجنية الفرنسية، ما منح تحليله عمقا تجريبيا نادرا في هذا الحقل المعرفي.

في هذا الإطار، لا ينظر فارهاد إلى السجن باعتباره مجرد مؤسسة للعقاب أو فضاء لتقييد الحرية، بل يراه بيئة اجتماعية كثيفة تعيد تشكيل الهويات الفردية والجماعية. فالسجين، خاصة المنحدر من أصول مهاجرة، يدخل هذا الفضاء وهو محمل بإحساس مزدوج بالإقصاء؛ إقصاء اجتماعي سابق مرتبط بالفقر والتهميش والفشل في الاندماج، وإقصاء مؤسساتي داخل السجن يتجلى في العنف الرمزي وفقدان الكرامة والعزلة. ضمن هذا السياق، تظهر الجهادية بوصفها عرضا رمزيا بديلا يمنح معنى للوجود ومعيارا للكرامة داخل فضاء ينتج الإهانة ويعيد إنتاجها.

من هنا يطرح خسروخافار فكرة محورية مفادها أن الراديكالية لا يمكن اختزالها في كونها انحرافا بسيطا، بل قد تمثل في بعض الحالات محاولة لإعادة بناء الذات. إذ ينتقل السجين من وضعية مجرم هامشي فاقد للاعتبار إلى (فاعل ذي رسالة) يمتلك سردية تبريرية تمنحه قيمة ومعنى. ولا يتم هذا التحول عبر تعمق ديني رصين، بل من خلال تبني خطاب ثنائي بسيط يقوم على ثنائية الحق والباطل، وتبني سردية مظلومية كونية، إلى جانب وعد بالاعتبار والبطولة. وفي هذا المستوى، يلتقي تحليله جزئيا مع أطروحة Olivier Roy حول أسلمة الراديكالية، غير أنه يختلف عنه في تركيزه الحاسم على السجن باعتباره فضاء منتجا للراديكالية، وليس مجرد سياق ثانوي.

ويفكك خسروخافار عملية الاستقطاب داخل السجن بوصفها مسارا تدريجيا يبدأ من لحظة هشاشة نفسية حادة، غالبا عند الدخول أو أثناء العزلة، حيث يكون السجين في وضعية انكسار وجودي. في هذه اللحظة، يتم اللقاء الأول مع سجناء يقدمون خطابا دينيا مبسطا ويعرضون أنفسهم كـ(إخوة)، ما يفتح الباب أمام احتضان جماعي يوفر الحماية ويخلق إحساسا بالانتماء داخل بيئة يسودها العنف وعدم الثقة. بعد ذلك، تتم عملية إعادة تأطير شاملة للذات، حيث يعاد تفسير الماضي الإجرامي بوصفه (مرحلة جاهلية)، ويعاد بناء هوية جديدة قائمة على الطهر والتوبة والانخراط في مشروع ذي معنى.

ومن أهم إسهاماته تحليله لدور القيادة الكاريزمية داخل الفضاء السجني، حيث يبرز ما يمكن تسميته بـالإمام غير الرسمي، وهو شخص لا يشترط أن يمتلك تكوينا دينيا عميقا، لكنه يتمتع بقدرة خطابية وتجربة سجنية وكاريزما شخصية تمكنه من التأثير في الآخرين. يقوم هذا الفاعل بدور محوري في تأطير السجناء الجدد، ومنح معنى لمعاناتهم، وبناء شبكات ولاء قوية داخل السجن. ويقترب هذا التحليل من مفهوم (السلطة الكاريزمية عند ماكس فيبر، لكن في سياق مغلق ومنحرف حيث تتشكل الشرعية داخل فضاء معزول عن المجتمع.

وفي سياق تحليله، يميز خسروخافار بين الإسلام التقليدي والإسلام داخل  السجن او ما اصطلح عليه الاسلام السجني، وهو نمط ديني وظيفي يتميز بالبساطة والانتقائية النصية والتوظيف العملي، حيث لا يكون الدين مجرد منظومة إيمانية، بل أداة لإعادة ترتيب العلاقات داخل فضاء يتسم بالعنف والتنافس على السلطة. فالدين هنا يستخدم لبناء الهوية وتوفير الحماية وإعادة توزيع المكانة داخل الجماعة السجنية.

ولا يقتصر دور السجن، في نظره، على إنتاج القناعات المتطرفة، بل يتجاوز ذلك إلى إنتاج شبكات اجتماعية قائمة على الثقة والتجربة المشتركة، وهو ما يفسر أن بعض المسارات الجهادية اللاحقة تجد جذورها في علاقات تشكلت داخل السجن. ومن هذا المنطلق، يقدم خسروخافار نقدا ضمنيا للسياسات الأمنية الأوروبية التي تركز على الردع دون توفير برامج فعالة لإعادة الإدماج، وتعاني من غياب تأطير ديني معتدل داخل السجون، بل إن بعض سياسات العزل قد تسهم في تعميق التطرف بدل احتوائه.

ورغم قوة هذه المقاربة، فإنها لا تخلو من حدود، إذ إن تركيزها المكثف على السجون الفرنسية يجعل تعميمها على سياقات أخرى أمرا يحتاج إلى حذر منهجي، كما أن اهتمامها بالعوامل السوسيولوجية قد يأتي أحيانا على حساب تحليل العوامل الجيوسياسية أو دور الإيديولوجيا ذاتها. ومع ذلك، يظل إسهام خسروخاور حاسما في إعادة توجيه فهم الظاهرة من كونها مجرد نتاج لأفكار متشددة إلى اعتبارها حصيلة مسارات اجتماعية معقدة داخل فضاءات مغلقة تعيد تشكيل الهوية، بحيث يصبح السجن ليس مجرد محطة عابرة في مسار الجهادي، بل لحظة تأسيسية لإعادة إنتاج الذات الراديكالية.

هوغو ميشيرون (Hugo Micheron) والبحث الميداني

هوغو ميشيرون (Hugo Micheron)، الباحث والأستاذ في العلوم السياسية، أحد أبرز الأصوات الأكاديمية المعاصرة التي تصدت لدراسة ظاهرة التطرف العنيف في أوروبا، وتحديدا في فرنسا. من خلال كتابه البارز (الجهادية الفرنسية: أحياء، سوريا، سجون (Le Jihadisme français: Quartiers, Syrie, Prisons) الصادر عام 2020، قدم ميشيرون مقاربة تحليلية جديدة تتجاوز التفسيرات النظرية التقليدية. اعتمد في عمله على منهجية (الاشتباك الميداني) حيث أجرى مقابلات مكثفة مع مدانين بالإرهاب، ونزل إلى الأحياء والضواحي التي شكلت حواضن لهذه الظاهرة. يهدف هذا التقرير إلى استعراض وتحليل الإسهامات الفكرية والمنهجية لهوغو ميشيرون، مع التركيز على مفاهيمه المركزية مثل (المناطق المفقودة) ودور السجون والأحياء في إعادة إنتاج الجهادية.

تميز عمل هوغو ميشيرون بقطيعة منهجية مع الدراسات التي تعتمد حصرا على التحليل النصي أو النظري للأيديولوجيا الجهادية. فقد استند كتابه إلى أكثر من 80 مقابلة مع أفراد مدانين في قضايا إرهاب داخل السجون الفرنسية، بالإضافة إلى عمل ميداني مكثف في الأحياء (Quartiers) التي شهدت أعلى نسب تجنيد للمقاتلين الذين سافروا إلى سوريا والعراق .

هذه المنهجية سمحت لميشيرون بتفكيك الصورة النمطية للجهادي كشخص (مهمش اجتماعيا) أو (مختل نفسيا)، ليقدم بدلا من ذلك صورة لفاعلين سياسيين يمتلكون قناعات أيديولوجية صلبة. من خلال الاستماع المباشر لهؤلاء الأفراد، تمكن من رسم خريطة دقيقة للديناميكيات المحلية التي تسهل عملية التجذير (Radicalization)، مؤكدا أن الجهادية ليست مجرد رد فعل عفوي على التهميش، بل هي نتاج استراتيجية متعمدة ومدروسة.

.

 

خاتمة

تواجه الدراسات الأكاديمية للحركات الجهادية إشكاليات منهجية وأخلاقية معقدة تتمحور حول الفجوة العميقة بين ضرورة (الفهم العلمي) لسياقات التطرف وخطر السقوط في فخ (الاتهام بالتعاطف)، حيث يجد الباحث نفسه أمام معضلة التوفيق بين الصرامة الأكاديمية التي تقتضي الغوص في البنى الفكرية والنفسية والاجتماعية لهذه الحركات، وبين الضغوط السياسية والأمنية التي تميل إلى (شيطنة) الظاهرة واختزالها في أبعاد إجرامية صرفة. إن محاولة الباحث تفكيك المنطق الداخلي للخطاب الجهادي أو استعراض المظالم الموضوعية التي تغذي التجنيد غالبا ما تفسر خطأ كنوع من التبرير الأخلاقي أو التماهي الأيديولوجي، مما يضع الباحثين تحت طائلة الرقابة الذاتية أو التشهير العام الذي قد ينهي مسيرتهم المهنية. وتتعمق هذه الإشكالية في الدراسات الميدانية التي تتطلب احتكاكا مباشرا أو رقميا مع العناصر الجهادية، حيث تصبح المسافة بين(الملاحظ المشارك) والتعاطف الوجداني خيطا رفيعا يهدد موضوعية البحث وسلامة الباحث القانونية والأخلاقية. وبناء عليه، يبرز التحدي الأساسي في صياغة لغة علمية قادرة على التمييز بين (الفهم) كأداة تحليلية ضرورية لتفكيك الظاهرة و(التعاطف) كموقف انفعالي مرفوض، مع التأكيد على أن تفسير جذور العنف لا يعني إسباغ الشرعية عليه، وهي جدلية تفرض على الحقل المعرفي تطوير مواثيق أخلاقية ومنهجية تحمي استقلالية البحث العلمي من الانزلاق نحو التوظيف السياسي أو التنميط الأمني.

قائمة المراجع المقترحة (عربية وفرنسية)

المراجع العربية:

1.بشارة، عزمي. (2018). تنظيم الدولة المكنى داعش: إطار عام ومساهمة نقدية في فهم الظاهرة. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة.

2.أبو هنية، حسن. (2018). الجهادية العربية: اندماج الأبعاد - النكاية والتمكين بين الدولة الإسلامية وقاعدة الجهاد. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

3.خليفي، عبيد. (2021). الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان إلى تنظيم الدولة. دار التنوير.

4.مركز الجزيرة للدراسات. (2023). الحركات الإسلامية وإشكالية الإرهاب الدولي. تقرير تحليلي.

المراجع الفرنسية (Ouvrages Français):

1.Kepel, Gilles. (2016). La Fracture. Gallimard/France Culture.

2.Roy, Olivier. (2016). Le Djihad et la Mort. Seuil.

3.Khosrokhavar, Farhad. (2014). Radicalisation. Éditions de la Maison des sciences de l'homme.

4.Micheron, Hugo. (2020). Le Jihadisme français : Quartiers, Syrie, prisons. Gallimard.

5.Burgat, François. (2016). Comprendre l'islam politique : Une trajectoire de recherche sur l'altérité islamique. La Découverte.

6.Rougier, Bernard. (2020). Les Territoires conquis de l'islamisme. PUF.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...