إدارة الدولة المغربية لملف المعتقلين الإسلاميين:
دراسة تحليلية في المقاربة الأمنية وحدود التسوية
الحقوقية
مقدمة
قضية تدبير الدولة المغربية لملف المعتقلين
الإسلاميين من أكثر القضايا تعقيدا في المشهد السياسي والحقوقي المغربي المعاصر.
فمنذ الهجمات الإرهابية التي هزت مدينة الدار البيضاء في 16 ماي 2003، وخلفت 45
قتيلا وعشرات الجرحى، دخلت المملكة في مواجهة مفتوحة مع ما بات يعرف بـ (السلفية
الجهادية) [4]. هذه المواجهة لم تكن أمنية صرفة فحسب، بل امتدت لتشمل أبعادا
قانونية، فكرية، وحقوقية، مما جعل من هذا الملف مختبرا حقيقيا لقدرة الدولة على
الموازنة بين متطلبات الحفاظ على الأمن القومي والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق
الإنسان.
تأتي هذه الدراسة لتحلل المسار الذي سلكته الدولة
المغربية في إدارة هذا الملف، منطلقة من فرضية مفادها أن المقاربة المغربية، رغم
تميزها ببعض الآليات الإدماجية مثل برنامج (مصالحة) [2]، إلا أنها ظلت محكومة
بمنطق (الأمننة) الذي أدى إلى استثناء هذا الملف من مسار العدالة الانتقالية
الشاملة، مما خلق حدودا واضحة أمام إمكانية التوصل إلى تسوية حقوقية نهائية.
الإشكالية
تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذه الدراسة حول
التساؤل التالي: كيف ساهمت المقاربة الأمنية المغربية في تشكيل واقع ملف المعتقلين
الإسلاميين، وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون انتقال هذا الملف من دائرة
(إدارة الخطر) إلى أفق (العدالة الشاملة)؟
وينبثق عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات
الفرعية:
1. ما هي المرتكزات الأساسية للمقاربة الأمنية
المغربية في التعامل مع المعتقلين الإسلاميين؟
2. كيف تم توظيف برامج المراجعات الفكرية والإفراجات
المتدرجة كأدوات لتفكيك الملف؟
3. ما هي التداعيات الحقوقية لاستثناء هذا الملف من
مسار هيئة الإنصاف والمصالحة؟
4. ما هي المتطلبات الأساسية لتحقيق إغلاق نهائي لهذا
الملف بما يضمن الإنصاف والعدالة، وما الذي يمكن استخلاصه في هذا الصدد من تجارب
دول أخرى واجهت إشكالية مماثلة؟
أهمية الدراسة
تستمد هذه الدراسة أهميتها من كونها تتناول ملفا
لا يزال مفتوحا ويؤثر بشكل مباشر على استقرار النسيج المجتمعي المغربي. فمن
الناحية الأكاديمية، تساهم الدراسة في فهم ديناميكيات العلاقة بين الدولة
والتيارات الإسلامية المتشددة في سياق التحولات الديمقراطية المتعثرة. ومن الناحية
العملية، تقدم الدراسة رؤية نقدية للمقاربات المعتمدة، مقارنة بتجارب دولية
مشابهة، مما قد يساعد في بلورة توصيات تساهم في طي هذا الملف بشكل يحترم حقوق
الإنسان ويضمن عدم تكرار الانتهاكات.
المنهج
تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي النقدي، الذي
يسعى لتجاوز الوصف السطحي للإجراءات الأمنية نحو فهم الخلفيات الإيديولوجية
والسياسية التي تحكمها. كما توظف الدراسة المنهج السوسيولوجي في تحليل مسارات
المعتقلين وتحولات خطابهم، بالإضافة إلى المنهج القانوني المقارن لتقييم مدى
مواءمة التشريعات المغربية (خاصة قانون مكافحة الإرهاب رقم 03.03) [15] مع
المعايير الحقوقية الدولية، وكذا المنهج المقارن الذي يوظف في استقراء تجارب دول
عربية وإسلامية أخرى (السعودية، اليمن، مصر، الجزائر) في تدبير ملفات مماثلة.
وتستند المادة العلمية للدراسة إلى تقارير حقوقية وطنية ودولية، دراسات أكاديمية
رصينة، وشهادات ميدانية، بالإضافة إلى تحليل للوثائق الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة.
مرتكزات المقاربة الأمنية في تدبير ملف المعتقلين الإسلاميين
شكلت أحداث 16 ماي 2003 نقطة تحول جذري في السياسة
الأمنية المغربية. فقد انتقلت الدولة من مرحلة التجاهل أو الاستخفاف بالخطر السلفي
إلى مرحلة الاستنفار الشامل. هذه المرحلة تميزت بتبني مقاربة متعددة الأبعاد،
لكنها تظل محكومة في جوهرها بالمنطق الأمني [4].
من أهم سمات المقاربة المغربية هو رفضها المطلق
للدخول في مفاوضات جماعية مع المعتقلين الإسلاميين ككتلة واحدة. هذا التوجه نابع
من قراءة أمنية ترى أن التيار السلفي الجهادي في المغرب لا يشكل تنظيماً هرمياً
موحداً، بل هو عبارة عن خلايا عنقودية أو ذئاب منفردة. بناء على ذلك، نهجت الدولة
سياسة التفكيك الفردي، حيث يتم التعامل مع كل معتقل بناء على ملفه الشخصي ومدى
استعداده للمراجعة [11].
بدأت هذه السياسة تتبلور بشكل واضح مع مبادرة أحمد
حرزني (رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان آنذاك) في عام 2008. اشترطت هذه
المبادرة على المعتقلين الراغبين في الاستفادة من العفو تقديم إفادات كتابية
تتضمن:
التبرؤ الصريح من العنف والإرهاب.
نبذ فكر التكفير.
الاعتراف بشرعية المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها
الملكية [9].
هذا النهج يهدف إلى تذويب الكتلة المعتقلة ومنع
تشكل قيادات داخل السجون يمكنها التفاوض من موقع قوة. فالدولة تسعى دائما لأن تظل
هي الطرف المانح للعفو بناء على شروطها، وليس طرفا في اتفاق سياسي.
يتجلى هذا المنطق بوضوح في التعامل المتفاوت مع
رموز السلفية الجهادية أنفسهم: فبينما استفاد الشيخ محمد الفزازي والشيخ عبد
الكريم الشاذلي من عفو ملكي في 14 أبريل 2011 ضمن دفعة شملت 190 سجينا، تأخر
الإفراج عن الشيخ حسن الكتاني والشيخ محمد عبد الوهاب رفيقي (أبو حفص) والشيخ عمر
الحدوشي إلى فبراير 2012، ضمن دفعة أخرى [24]. هذا التفاوت الزمني، رغم تشابه
الملفات والتهم، يعكس تقييما أمنيا فردانيا لدرجة المراجعة ولمدى الاستعداد الشخصي
للانخراط في الخطاب الرسمي، وليس تسوية جماعية موحدة المعايير.
الإفراجات المتدرجة وبرامج المراجعات الفكرية
تعتبر آلية "العفو الملكي" الأداة
الرئيسية التي تستخدمها الدولة لتنفيس الاحتقان داخل ملف المعتقلين الإسلاميين.
فبدلا من إصدار عفو شامل، تفضل الدولة نظام التقسيط، حيث يتم الإفراج عن دفعات
صغيرة من المعتقلين في المناسبات الوطنية والدينية (مثل عيد العرش، ذكرى ثورة
الملك والشعب) [6].
ولإضفاء طابع علمي وتربوي على هذه الإفراجات،
أطلقت المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج، بشراكة مع الرابطة المحمدية
للعلماء والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، برنامج (مصالحة) في عام 2017. يرتكز هذا
البرنامج على أربعة محاور أساسية:
1. المصالحة مع الذات: عبر المواكبة النفسية وتصحيح
التمثلات الشخصية.
2. المصالحة مع النص الديني: من خلال تفكيك الخطاب
المتطرف وتقديم قراءة وسطية للنصوص.
3. المصالحة مع المجتمع: عبر تعزيز قيم المواطنة
والقبول بالآخر.
4. المصالحة مع النظم القانونية: من خلال تعريف
المعتقلين بحقوقهم وواجباتهم في إطار دولة القانون [2].
على الرغم من النجاحات التي حققها هذا البرنامج في
إعادة إدماج العشرات من المعتقلين، إلا أن منتقديه يرون فيه أداة أمنية بـ قناع
فكري، حيث يظل الهدف الأخير هو ضمان (التوبة) السياسية للمعتقل مقابل حريته، دون
معالجة الجذور السوسيواقتصادية الادماج الاجتماعي [8].
يستشهد غالبا بمسار الشيخ محمد الفزازي كنموذج لـ
(نجاح) برامج المراجعة من منظور الدولة: فبعد أن حكم عليه بالسجن ثلاثين عاماً إثر
تفجيرات 2003، وبعد مراجعات فكرية أعلنها وهو رهن الاعتقال، انتقل من السجن إلى
القصر، إذ ألقى خطبة الجمعة أمام الملك محمد السادس بمدينة طنجة سنة 2014 [25]. في
المقابل، يرى منتقدو البرنامج أن هذا المسار الفردي، وإن كان مؤشرا على إمكانية
التحول الفكري، لا يمكن تعميمه كدليل على معالجة شاملة وعادلة لملف يضم مئات
الحالات المتفاوتة الظروف.
حدود المقاربة الأمنية والمنطق الاستثنائي
على الرغم من المرونة التي تبديها الدولة أحيانا،
إلا أن المقاربة الأمنية تظل محكومة بحدود بنيوية تجعل من ملف المعتقلين
الإسلاميين استثناء في مسار الانتقال الحقوقي المغربي.
يعتبر استثناء معتقلي السلفية الجهادية من مسار
هيئة الإنصاف والمصالحة (IER) من أكبر الثغرات في تجربة العدالة الانتقالية
المغربية. فبينما سعت الهيئة إلى طي صفحة (سنوات الرصاص) (1956-1999) عبر جبر
الضرر وكشف الحقيقة، تم التعامل مع ملفات ما بعد 2003 كملفات (إرهاب) لا تخضع لنفس
المعايير [10].
هذا الاستثناء خلق واقعا يعرف بـ (أمننة الحقوق)،
حيث يتم تعليق الضمانات الحقوقية الأساسية بدواعي الحفاظ على الأمن. فالمعتقل
السلفي الذي تعرض للتعذيب أو الاختطاف في مراكز الاعتقال السرية (مثل تمارة) لم
يجد طريقا للإنصاف ضمن آليات العدالة الانتقالية، لأن الدولة تعتبر أن خطر هؤلاء
يبرر الاستثناء في التعامل معهم [3]. وبذلك، تحولت العدالة من حق كوني إلى منحة
مشروطة بحسن السلوك الأمني.
من المؤشرات الدالة على حدود هذه المقاربة أن
الملك محمد السادس نفسه أقر بوجود تجاوزات شابت محاكمات المعتقلين، في حوار شهير
مع صحيفة (إلبايس) الإسبانية بتاريخ 16 يناير 2005 [25]. هذا الاعتراف الرسمي، رغم
أهميته الرمزية، لم يترجم إلى آلية مؤسسية للإنصاف مماثلة لتلك التي وفرتها هيئة
الإنصاف والمصالحة لضحايا (سنوات الرصاص)، مما يكرس الطابع الاستثنائي والانتقائي
للعدالة في هذا الملف.
تجارب دولية مقارنة في إنهاء ملفات المعتقلين الإسلاميين
لا تنفرد المملكة المغربية بمواجهة إشكالية تدبير
ملفات المعتقلين الإسلاميين وإعادة إدماجهم فقد جربت عدة دول عربية وإسلامية
مقاربات متنوعة تتراوح بين (الاحتواء الفكري) و(المصالحة الوطنية الشاملة)، وتقدم
هذه التجارب دروسا مقارنة مفيدة لفهم حدود وإمكانات التجربة المغربية.
التجربة السعودية: مركز محمد بن
نايف للمناصحة والرعاية
أسست السعودية سنة 2004 برنامجا متكاملا لإعادة
تأهيل المعتقلين السلفيين يقوم على ثلاث مراحل متتالية: مرحلة "المعالجة
الفكرية" داخل السجون عبر المناصحة الفردية والجماعية، ثم مرحلة (التأهيل)
داخل مركز محمد بن نايف الذي يوفر برامج معرفية وتدريبية ورياضية في بيئة مغايرة
لبيئة السجن، وأخيرا مرحلة (الرعاية) اللاحقة للتخرج التي تشمل متابعة أسرية
واجتماعية للمستفيد وأسرته [16][17]. ويعتمد المركز على نحو 400 أستاذ متخصص في
الشريعة والتاريخ وعلم النفس [17]. ويشترك هذا النموذج مع برنامج (مصالحة) المغربي
في الاعتماد على المراجعة الفكرية الدينية، لكنه يتميز عنه بضخامة الموارد
المؤسسية المخصصة له وبإدماج مرحلة (رعاية) ممتدة بعد الإفراج، وهو ما يظل محدودا
نسبيا في التجربة المغربية.
التجربة اليمنية: لجنة الحوار
الفكري
شكلت (لجنة الحوار الفكري) التي أسسها القاضي حمود
الهتار سنة 2002 تجربة رائدة في الحوار المباشر مع معتقلي تنظيم القاعدة، حيث
اعتمدت على مناظرات دينية مباشرة بين علماء دين وسجناء حول شرعية (الجهاد) المسلح
[12][13]. غير أن هذه التجربة تعرضت لانتقادات واسعة بعد عودة عدد ممن أفرج عنهم
إلى صفوف التنظيم رغم تعهدهم بنبذ العنف [13]، مما يكشف عن محدودية الاعتماد على
التوبة المعلنة كمعيار وحيد للإفراج، في غياب آليات متابعة ميدانية صارمة بعد
التحرر من السجن، وهو تحد يطرح نفسه أيضا في السياق المغربي حين يقتصر التقييم على
الإفادات الكتابية.
التجربة المصرية: مراجعات الجماعة الإسلامية
انطلقت (الجماعة الإسلامية) المصرية، التي تحملت
مسؤولية الجزء الأكبر من أعمال العنف في مصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، في
مراجعات فكرية شاملة ابتداء من يوليوز 1997 [20]، أعقبتها لاحقا مراجعات مماثلة
لقيادات (تنظيم الجهاد) على رأسهم سيد إمام الشريف (الدكتور فضل) [20]. وتميزت هذه
المراجعات بكونها لم تقتصر على نبذ العنف، بل امتدت لتشمل نقدا فقهيا جذريا
لمفاهيم (التكفير) و(الحاكمية) التي تأسس عليها الخطاب الجهادي [21]. ويكمن الفارق
الجوهري بين التجربتين المصرية والمغربية في أن المراجعات المصرية صدرت في الغالب
عن مبادرة ذاتية من داخل التنظيمات نفسها، بينما ظلت المراجعات المغربية أقرب إلى
شرط مؤسسي مسبق يفرضه المصالحة الرسمية للاستفادة من العفو.
التجربة الجزائرية: من قانون الرحمة
إلى ميثاق السلم والمصالحة الوطنية
تعتبر الجزائر النموذج الأبرز في المنطقة على
مستوى (المصالحة الوطنية الشاملة) بعد صراع مسلح دام قرابة عقد كامل. فقد مرت
التجربة الجزائرية بثلاث محطات تشريعية متتالية (قانون الرحمة) سنة 1995، ثم (قانون
الوئام المدني) سنة 2000، وصولا إلى (ميثاق السلم والمصالحة الوطنية) الذي أقرّه
استفتاء شعبي في 29 شتنبر 2005 بموافقة 97% من المصوتين [22][23]. ومنح الميثاق
عفوا عاما عن غالبية عناصر الجماعات المسلحة، باستثناء من تورطوا في الاغتصاب أو
المجازر الجماعية أو التفجيرات العامة، مع تقديم تعويضات لأسر الضحايا والمفقودين
[22]. ورغم اتساع نطاق هذا العفو مقارنة بالنموذج المغربي القائم على (التقسيط)
الفردي، فإن التجربة الجزائرية لم تخل بدورها من انتقادات حقوقية، أبرزها إفلات
مرتكبي انتهاكات جسيمة من المساءلة تحت غطاء (المصالحة)، واستمرار احتجاز بعض
السجناء المصنفين خارج شروط العفو حتى وفاة بعضهم داخل السجن [23].
ما الذي يمكن أن يستفيد منه المغرب؟
يكشف
التحليل المقارن لتجارب كل من السعودية واليمن والجزائر، إلى جانب التجربة
المغربية، أن معالجة ملف المعتقلين على خلفية قضايا التطرف لا تتوقف عند قرار
الإفراج أو نجاح الحوار الفكري، بل ترتبط بمنظومة متكاملة تشمل التأهيل النفسي
والاجتماعي، والإدماج الاقتصادي، والمتابعة المؤسساتية، والإطار القانوني المنظم
للمصالحة. ومن هذا المنطلق يمكن استخلاص ثلاثة دروس رئيسية بالنسبة للحالة
المغربية.
ضرورة
الانتقال من المراجعة الفكرية إلى المواكبة الشاملة بعد الإفراج.
أظهرت التجربة السعودية أن برامج المناصحة لم تعتمد فقط
على تصحيح المفاهيم الدينية، وإنما ربطت ذلك بمنظومة للرعاية اللاحقة، تشمل
المساعدة في الحصول على عمل، والدعم الاجتماعي والأسري، والمتابعة الأمنية
والفكرية المستمرة، بما يقلل من احتمالات الانتكاس أوحالات العود. وفي المقابل،
حقق برنامج مصالحة المغربي نجاحا مهما في إحداث مراجعات فكرية لدى عدد من
المستفيدين، غير أن مرحلة ما بعد الإفراج ما تزال تمثل الحلقة الأضعف في المنظومة،
إذ لا تزال آليات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي محدودة، كما أن الدعم المؤسساتي
للمفرج عنهم لا يرقى إلى مستوى الاستقرار اجتماعي دائم. فالفرد الذي يخرج من
المؤسسة السجنية دون فرص عمل أو احتضان اجتماعي قد يجد نفسه أمام ظروف تعيد إنتاج
عوامل الهشاشة التي كانت من بين أسباب انخراطه السابق في الفكر المتطرف
ومن ثم فإن
نجاح أي برنامج للمراجعات لا ينبغي أن يقاس بعدد المستفيدين أو بعدد قرارات العفو،
وإنما بقدرته على تحقيق اندماج مستدام يحول دون العودة إلى العزلة الاجتماعية.
ثانيا:
محدودية الاعتماد على التوبة المعلنة.
تبرز التجربة اليمنية أن الاكتفاء بإعلان التوبة أو
التراجع الفكري لا يكفي لضمان تفكيك النزعات المتشددة، خاصة عندما تبقى الظروف
السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي غذت التطرف قائمة دون تغيير. فقد أثبتت هذه
التجربة أن عددا من المشاركين في برامج الحوار عادوا لاحقا إلى النشاط المسلح، ليس
بالضرورة بسبب فشل الحوار الفكري ذاته، وإنما بسبب استمرار بيئات الصراع، وضعف
مؤسسات الدولة، وغياب فرص الاندماج، ووجود شبكات تنظيمية قادرة على استقطابهم من
جديد.
ويحمل هذا
الدرس أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، إذ ينبغي النظر إلى برامج المصالحة باعتبارها
جزءا من سياسة عمومية أشمل تعالج عوامل الهشاشة الاجتماعية، والبطالة، والإقصاء،
والأزمات الأسرية، إضافة إلى مكافحة الخطابات المتشددة في الفضاء الرقمي. فالتطرف
ظاهرة مركبة لا تنتج عن خلل فكري فقط، وإنما عن تفاعل معقد بين عوامل فكرية ونفسية
واجتماعية واقتصادية وسياسية، الأمر الذي يقتضي اعتماد مقاربة متعددة الأبعاد بدل
الاقتصار على المقاربة الأمنية أو الدينية وحدها.
ثالثا: الحاجة
إلى تصور وطني أكثر شمولاً لإغلاق الملف.
تكشف التجربة الجزائرية أن الانتقال من إدارة الملف عبر
إجراءات فردية إلى معالجة جماعية ذات سند تشريعي وسياسي أسهم في إنهاء مرحلة طويلة
من العنف، إذ وفرت قوانين الوئام المدني والمصالحة الوطنية إطاراً قانونياً عاماً
سمح بعودة آلاف المنخرطين في الجماعات المسلحة إلى المجتمع ضمن رؤية وطنية موحدة.
ورغم الانتقادات التي وجهت إلى هذه التجربة بسبب ما اعتبره بعض الباحثين إفلاتا من
المساءلة أو تهميشا لحقوق الضحايا، فإنها نجحت في إغلاق الملف على المستوى السياسي
والاجتماعي بصورة أكثر شمولية.
أما في المغرب،
فيعتمد تدبير الملف أساسا على آلية العفو الملكي المرتبطة غالبا بالاستفادة من
برنامج (مصالحة)، وهو ما يجعل تسوية الملف تتم بصورة تدريجية وفردية، بحيث يخضع كل
معتقل لمسار مستقل عن غيره. وقد حقق هذا النموذج نتائج إيجابية في الحفاظ على
الاستقرار وتجنب المقاربات الجماعية غير المنضبطة، إلا أنه يجعل الملف مفتوحا
زمنيا، ويؤخر الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة.
ولا يعني ذلك
بالضرورة الدعوة إلى استنساخ النموذج الجزائري، وإنما الاستفادة من فلسفته في بناء
رؤية وطنية متكاملة، تجمع بين العدالة وسيادة القانون ومتطلبات الأمن، مع مراعاة
الخصوصية الدستورية والمؤسساتية للمغرب. فالمطلوب ليس مصالحة شاملة على حساب
العدالة، ولا عدالة تؤدي إلى تعطيل المصالحة، وإنما إيجاد توازن يحقق الأمن
المجتمعي، ويحفظ حقوق الضحايا، ويفتح في الوقت نفسه مسارات واضحة لإعادة الإدماج.
وخلاصة القول،
فإن المقارنة بين هذه التجارب تؤكد أن نجاح المغرب في تطوير سياسة أكثر فاعلية
تجاه هذا الملف يقتضي الانتقال من التركيز على الإفراج الفردي والمراجعات الفكرية
إلى تبني مقاربة عمومية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقانونية والدينية
والاجتماعية والاقتصادية، بما يجعل المصالحة عملية مستمرة لإعادة بناء الثقة بين
الفرد والدولة، وليس مجرد إجراء قانوني ينتهي بقرار الإفراج. فالتحدي الحقيقي لا
يتمثل في إخراج المعتقل من السجن، وإنما في ضمان عدم عودته إلى مسارات التطرف،
وتحويله إلى عنصر مندمج وقادر على الإسهام الإيجابي في المجتمع.
آفاق التسوية السياسية والحقوقية: من إدارة الخطر إلى العدالة
الشاملة
تكشف المقاربة
التي اعتمدتها الدولة المغربية منذ تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003 عن انتقال
تدريجي من المقاربة الأمنية الصرفة إلى مقاربة أكثر تركيبا تجمع بين الأمن وإعادة
التأهيل والمراجعات الفكرية. غير أن هذا التطور ظل محكوما بمنطق إدارة الخطر (Risk Management) أكثر من كونه انتقالا
إلى (عدالة انتقالية) أو (عدالة تصالحية) بالمعنى المتعارف عليه في الأدبيات
المقارنة. فالمقاربة الحالية تهدف أساسا إلى تقليل احتمالات العود إلى التطرف،
وضمان الاستقرار الأمني، دون أن تعالج بصورة كاملة الإشكالات القانونية والحقوقية
والاجتماعية التي أنتجها هذا الملف..
وفي أدبيات
العدالة الانتقالية، لا يتحقق الاستقرار المستدام بمجرد انخفاض مستوى التهديد
الأمني، وإنما يتحقق عندما تشعر جميع الأطراف بأن الدولة تعاملها وفق قواعد
العدالة وسيادة القانون، وأن الانتهاكات السابقة خضعت للمساءلة أو على الأقل للاعتراف
والإنصاف. ولذلك فإن الاقتصار على منطقتحييد الخطر قد ينجح أمنيا على المدى
القصير، لكنه يظل معرضا لإنتاج مظالم جديدة قد تتحول مستقبلا إلى عوامل تعبئة
وتجنيد داخل البيئات الهشة
لقد أظهرت
خبرات عدد من الدول، ومنها إيرلندا الشمالية وكولومبيا وإندونيسيا، أن إنهاء
النزاعات ذات البعد الأيديولوجي لا يتحقق بالقوة الأمنية وحدها، وإنما عبر بناء
ثقة متبادلة بين الدولة والفئات المستهدفة، وهو ما يتطلب الجمع بين الإصلاح
القانوني، وجبر الضرر، وإعادة الإدماج، وضمانات عدم التكرار. ومن ثم، فإن نجاح أي
تسوية مستقبلية في المغرب يقتضي الانتقال من منطق احتواء الظاهرة إلى منطق تفكيك
أسبابها البنيوي
ويكتسب هذا
التحول أهمية إضافية بالنظر إلى أن أغلب المعتقلين الذين ما زالوا يقضون عقوباتهم
أو الذين أفرج عنهم ينتمون إلى الجيل الأول من السلفية الجهادية المغربية، بينما
بدأت تظهر أجيال جديدة تأثرت بخطابات تنظيم الدولة الإسلامية أكثر من تأثرها
بأدبيات القاعدة. وهذا يعني أن استمرار الملفات القديمة دون تسوية قد يخلق
استمرارية رمزية بين الأجيال، بحيث تتحول مظلومية الجيل الأول إلى مصدر تعبئة
أيديولوجية للجيل الثاني.
أولا:
مؤشرات نضج البيئة السياسية للتسوية
توجد
اليوم مجموعة من المؤشرات التي تجعل التسوية أكثر قابلية للتحقق مقارنة بما كانت
عليه خلال العقد الأول بعد أحداث 2003 .
. التحول في خطاب المعتقلين
تشير
مراجعة البيانات والرسائل الصادرة عن عدد من المعتقلين السابقين إلى تحول تدريجي
في طبيعة المطالب. ففي حين كانت المطالب الأولى تتمحور حول رفض شرعية الدولة أو
المطالبة بتطبيق الشريعة وإقامة الخلافة، أصبحت المطالب الحالية تركز بصورة أكبر
على ضمانات المحاكمة العادلة، وتحسين أوضاع السجون، واحترام الكرامة الإنسانية،
وإعادة الإدماج الاجتماعي.
ويمثل
هذا التحول انتقالا من الشرعية
العقائدية إلى الشرعية
القانونية، وهو تحول بالغ الأهمية في نظريات فض النزاعات، لأنه
يعني انتقال الفاعل من منازعة النظام السياسي إلى المطالبة بالإصلاح داخل إطار
الدولة نفسها. كما أنه يقلل من احتمالات العنف، لأن الصراع ينتقل من المجال
الوجودي إلى المجال الحقوقي.
ويؤكد
علماء الحركات الاجتماعية أن هذا التحول في إطار الخطاب يعد أحد أهم المؤشرات على
استعداد الجماعات للدخول في تسويات طويلة الأمد.
2. تراكم الخبرة المؤسسية
على امتداد أكثر من عقدين، راكمت
المؤسسات المغربية خبرة مؤسسية متخصصة في تدبير ملف المعتقلين المدانين في قضايا
التطرف والإرهاب، مستفيدة من تراكم التجربة العملية، ومن مراجعة السياسات
المعتمدة، ومن الاستفادة التدريجية من التجارب الدولية في مجال مكافحة التطرف
العنيف وإعادة الإدماج. ولم يعد التعامل مع هذا الملف يقتصر على المقاربة الأمنية
التقليدية التي تركز على الاحتواء والعزل، بل أصبح يتجه نحو بناء مقاربة متعددة
الأبعاد تجمع بين الأمن والفكر والقانون والبعد الاجتماعي والنفسي، بما يعكس تطورا
ملحوظا في فلسفة إدارة هذا النوع من القضايا.
ويعد
برنامج (مصالحة) أبرز تجليات هذا التحول، إذ مثل انتقالا من منطق العقوبة وحدها
إلى منطق المراجعة الفكرية وإعادة التأهيل والإدماج. وقد اعتمد البرنامج على
مقاربة شمولية تستهدف معالجة مختلف العوامل التي ساهمت في تشكل الفكر الجهادي، من
خلال الحوار العلمي والتأهيل الشرعي والدعم النفسي والتكوين في حقوق الإنسان، مع
إعداد المستفيدين للاندماج التدريجي داخل المجتمع بعد الإفراج عنهم. كما ساهم
البرنامج في ترسيخ ثقافة التعاون بين مؤسسات الدولة المختلفة، وأثبت أن مراجعة
الأفكار المتشددة تصبح أكثر فاعلية عندما تتم داخل إطار مؤسساتي يجمع بين الخبرة
الدينية والخبرة النفسية والاجتماعية.
ومن
أبرز مظاهر تطور الخبرة المؤسسية أيضا تحسن آليات تقييم الخطورة الفردية، حيث لم
يعد جميع المدانين في قضايا الإرهاب ينظر إليهم باعتبارهم يشكلون مستوى واحدا من
التهديد، بل أصبح التقييم يعتمد على مجموعة من المؤشرات المتداخلة.
وفي
السياق نفسه، شهد التنسيق المؤسسي تطوراً ملحوظاً بين إدارة السجون وإعادة
الإدماج، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، والرابطة المحمدية للعلماء، إلى جانب
مؤسسات حكومية وأمنية أخرى، وهو ما ساهم في بناء منظومة أكثر تكاملاً لتبادل
المعلومات والخبرات وتوحيد الرؤى حول آليات إعادة التأهيل والإدماج. وأصبح كل طرف
يؤدي وظيفة محددة ضمن رؤية مشتركة؛ فإدارة السجون تتولى الجوانب التنفيذية
والتأهيلية داخل المؤسسات السجنية، بينما يساهم المجلس الوطني لحقوق الإنسان في
تعزيز الضمانات الحقوقية ومواكبة أوضاع النزلاء، وتضطلع الرابطة المحمدية للعلماء
بالدور العلمي والفكري في تصحيح المفاهيم وإعداد البرامج الشرعية المناسبة، بما
يعزز من فعالية التدخلات ويحد من التداخل أو الازدواجية في الأدوار.
وقد
أفرز هذا التراكم المؤسسي قاعدة معرفية واسعة حول الخصائص الاجتماعية والنفسية
والفكرية للمعتقلين، استندت إلى الخبرة الميدانية، والدراسات المتخصصة، والبيانات
المتراكمة، والتقييمات الدورية لبرامج التأهيل. ولم تعد هذه المعرفة تقتصر على
توصيف الظاهرة، بل أصبحت تشكل أساساً لصياغة سياسات أكثر دقة وفعالية، تقوم على
فهم الفروق الفردية بين الأشخاص، والتمييز بين دوافع الانخراط في التطرف، ومستويات
القابلية للمراجعة، والعوامل التي تزيد أو تقلل من احتمالات الانتكاس.
ويتيح
هذا الرصيد المعرفي للمغرب إمكانية الانتقال بشكل أوسع من السياسات الجماعية التي
تتعامل مع جميع المعتقلين وفق معايير موحدة، إلى سياسات تقوم على التقييم الفردي
للمخاطر ، وهو الاتجاه الذي أصبح يمثل أحد أهم التحولات في السياسات
الجنائية الحديثة داخل عدد من الدول الأوروبية، حيث تُبنى قرارات التصنيف،
والتأهيل، والإفراج، والمتابعة اللاحقة، على تقييم علمي لشخصية كل فرد، وليس على
نوع الجريمة وحده. ويعزز هذا النموذج كفاءة استخدام الموارد، ويرفع من فعالية
برامج إعادة الإدماج، ويقلل من احتمالات العود إلى التطرف، لأنه يستجيب لاحتياجات
كل حالة بصورة مستقلة، ويحقق توازناً بين متطلبات الأمن واحترام الحقوق الأساسية،
وهو ما يجعل الخبرة المؤسسية التي راكمها المغرب تشكل قاعدة مهمة للانتقال نحو
مرحلة أكثر نضجاً في إدارة هذا الملف، قوامها التخصص، والتقييم العلمي، والتنسيق
المؤسسي، والسياسات المبنية على الأدلة.
. تراجع التهديد الداخلي
خلافا للمرحلة الممتدة بين سنتي 2003
و2010، والتي تميزت بارتفاع مستوى التهديد الإرهابي عقب تفجيرات الدار البيضاء وما
تلاها من تفكيك متكرر للخلايا السلفية، يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تراجعا
ملحوظا في عمليات الاعتقال. ويعود ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها
تطور القدرات الاستخباراتية للأجهزة الأمنية، وتعزيز التنسيق بين مختلف المؤسسات
الأمنية والقضائية، وتطوير آليات الرصد الاستباقي للخلايا السلفية، فضلا عن توسيع
مجالات التعاون الدولي في تبادل المعلومات الأمنية ومكافحة الإرهاب.
لقد
أدى هذا التحول إلى انتقال الدولة من مرحلة مواجهة خطر وشيك إلى مرحلة إدارة تهديد
منخفض الحدة، وهو تحول بالغ الأهمية في صناعة القرار العمومي. ففي الفترات التي
تشهد اعتقالات متكررة، تصبح الأولوية السياسية والأمنية موجهة نحو الحزم والردع،
ويضيق هامش اتخاذ قرارات قد تفهم من قبل الرأي العام باعتبارها نوعا من التساهل مع
المدانين في قضايا الإرهاب. أما في فترات الاستقرار الأمني، فإن صانع القرار يمتلك
مساحة أوسع لتبني سياسات بعيدة المدى تقوم على إعادة الإدماج والتسوية التدريجية،
دون أن يكون خاضعا للضغوط النفسية والإعلامية التي ترافق وقوع الاعتقالات.
وتؤكد
دراسات إدارة الأزمات أن القرارات الإصلاحية الكبرى غالبا ما تتخذ في لحظات انخفاض
مستوى التهديد، لأن الحكومات تكون أقل عرضة لما يسمى في الأدبيات السياسية بـسياسات
الخوف (Politics of
Fear، التي تدفع
المسؤولين إلى تغليب الاعتبارات الأمنية الآنية على الحلول الاستراتيجية طويلة
الأمد. ومن ثم، فإن استمرار الاستقرار الأمني في المغرب يهيئ ظروفا أكثر ملاءمة
لفتح نقاش وطني حول مستقبل هذا الملف، بعيدا عن منطق الاستجابة الانفعالية للأحداث.
كما
أن نجاح الأجهزة الأمنية في المحافظة على مستوى عالٍ من اليقظة والاستباق يمنح
الدولة هامشا أكبر للانتقال من سياسة تعتمد أساسا على العقوبة والاحتواء إلى سياسة
أكثر توازنا تجمع بين الأمن والعدالة وإعادة الإدماج. فالدولة التي تثق في كفاءة
مؤسساتها الأمنية تكون أكثر قدرة على اتخاذ قرارات مرنة، لأنها لا تنطلق من موقع الضعف
أو الخشية من فقدان السيطرة، بل من موقع القوة والثقة في قدرتها على تدبير المخاطر
المحتملة.
ومن
زاوية أخرى، فإن استمرار بقاء عدد من المعتقلين الذين قضوا مددهم القانونية أو
أمضوا فترات طويلة داخل المؤسسات السجنية دون بلورة رؤية شاملة لمستقبل الملف قد
يحول القضية إلى عبء سياسي وحقوقي دائم، في وقت لم تعد فيه الظروف الأمنية تفرض
المقاربة الاستثنائية التي كانت سائدة في السنوات الأولى بعد أحداث 16 ماي 2003.
لذلك، فإن الاستقرار الأمني الحالي لا ينبغي أن يفهم بوصفه سببا لتأجيل التسوية،
بل باعتباره فرصة مناسبة لإنجازها في ظروف أكثر هدوءا وعقلانية.
ويزداد
هذا المعطى أهمية إذا ما قورن بالتجارب الدولية في السعودية، وإندونيسيا،
وسنغافورة، وكولومبيا الشمالية، حيث تبين أن أغلب برامج التسوية والمراجعات الفكرية
وإعادة الإدماج أطلقت في مراحل شهدت انخفاضا نسبيا في مستوى التهديد الأمني، وليس
أثناء ذروة المواجهات المسلحة. ويعكس ذلك إدراكا لدى الدول بأن معالجة الملفات
المعقدة تتطلب بيئة مستقرة تسمح باتخاذ قرارات استراتيجية بعيدة عن الضغوط الآنية.
وعليه،
فإن انخفاض مستوى التهديد الإرهابي في المغرب لا يمثل مجرد مؤشر على نجاح المقاربة
الأمنية، بل يشكل أيضا أحد أهم الشروط الموضوعية التي تتيح الانتقال إلى مرحلة
جديدة في إدارة ملف المعتقلين الإسلاميين، قوامها تحقيق توازن بين متطلبات الأمن
الوطني، واحترام حقوق الإنسان، وتعزيز السلم المجتمعي، وإنهاء أحد أكثر الملفات
حساسية في السياسة الجنائية المغربية
ثانيا: متطلبات الانتقال إلى العدالة الشاملة
لا يمكن الحديث عن استكمال مسار العدالة الانتقالية
في السياق العربي عموما، والمغربي على وجه الخصوص، دون الانتباه إلى إشكالية
جوهرية تتعلق بازدواجية التعاطي مع ضحايا الانتهاكات بحسب المرحلة التاريخية التي
وقعت فيها. فقد شكلت هيئة الإنصاف والمصالحة، التي أسسها الملك محمد السادس في
يناير 2004، تجربة رائدة في محيطها الإقليمي إذ نظرت في قرابة عشرين ألف ملف بين
عامي 2004 و2006، وانتهت إلى تعويض أكثر من 27 ألف حالة من ضحايا الانتهاكات
الجسيمة لحقوق الإنسان بغلاف مالي ناهز ملياري درهم، إلى جانب توصيات تتعلق بجبر
الضرر الجماعي والفردي وصون الذاكرة. غير أن هذا الإنجاز، على أهميته الرمزية
والمادية، ظل محصورا زمنيا في الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، مما ترك خارج
دائرة الإنصاف ملفا حقوقيا موازيا يتعلق بالمعتقلين الإسلاميين، الذين برزت
قضاياهم بشكل خاص في سياق ما بعد أحداث السادس عشر من مايو 2003 وتشديد قانون مكافحة
الإرهاب. والمفارقة أن جزءا معتبرا من النقاش الحقوقي حول هذا الملف لا يتعلق
بطبيعة الجرائم المرتكبة، بل بادعاءات تتصل بظروف الاعتقال والتعذيب أثناء التحقيق
وضمانات المحاكمة العادلة، وهي قضايا لا ينبغي أن تقاس بمعيار الانتماء الفكري
للمتهم بقدر ما تُقاس بمعيار احترام الدولة لقانونها الخاص. فدولة القانون، بحكم
التعريف، لا تميز بين المتقاضين تبعا لهوياتهم الأيديولوجية، وإنما تخضعهم جميعا
لسلطة القاعدة القانونية ذاتها ومن هنا فإن المطالبة بتوحيد معايير العدالة تعني
حصرا توحيد ضمانات المحاكمة العادلة ومعايير احترام سيادة القانون، بما يحفظ
للدولة مصداقيتها المؤسسية ويقطع الطريق أمام أي استثمار سياسي مستقبلي لهذا الملف.
ويرتبط هذا التوحيد المعياري عضويا بضرورة إعادة
النظر في جملة من التشريعات ذات الطابع الاستثنائي، وفي مقدمتها قانون مكافحة
الإرهاب. فمن المعلوم في الأدبيات المقارنة أن التشريعات التي تسن في لحظات الأزمة
الأمنية تنزع بطبيعتها إلى توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية على حساب الضمانات القضائية،
وهو أمر قد يكون مبررا في سياقه الظرفي، لكن استمرار هذه الصلاحيات الاستثنائية
بعد زوال الظرف الذي أنتجها يحدث اختلالا بنيويا في التوازن بين مقتضيات الأمن
ومقتضيات الحرية. ولذلك فإن مراجعة مقتضيات قانون مكافحة الإرهاب لا ينبغي أن تقرأ
كتنازل عن الحزم الأمني، بل كخطوة نحو تحصين هذا الحزم ذاته وإكسابه مشروعية أكبر
ذلك أن السياسات الأمنية التي تبنى على ضمانات قضائية صلبة، وحق دفاع فعلي، ومدد
حراسة نظرية محدودة زمنيا بدقة، وتعريف واضح ومضبوط لمفهوم الجريمة الإرهابية يحول
دون التأويل الموسع الذي قد يطال أفعالا لا ترقى إلى مستوى الإرهاب الفعلي، هي
سياسات أكثر قدرة على كسب ثقة المواطنين والمؤسسات القضائية الدولية على حد سواء،
وأكثر مناعة أمام الانتقادات التي توظفها بعض الجهات لتشويه صورة الدولة في
المحافل الحقوقية.
أما على مستوى المؤسسة السجنية، فإن التجربة
المقارنة، وخاصة التجربة السعودية عبر مركز الأمير محمد بن نايف للمناصحة والرعاية
الذي تأسس قبل نحو خمسة عشر عاما، تُظهر بجلاء أن السجن يمكن أن يتحول إلى أحد
مسارين متناقضين تماماً: إما فضاء لإعادة التأهيل الفعلي، وإما حاضنة لإعادة إنتاج
التطرف وتعميقه عبر التشبيك بين النزلاء. ووفق تقديرات رسمية سعودية استشهدت بها
مراكز بحثية دولية من بينها مؤسسة كارنيغي، فإن برنامج المناصحة السعودي، الذي
استقبل منذ 2004 أكثر من 3300 مدان في قضايا ذات صلة بالإرهاب من بينهم عائدون من
معتقل غوانتانامو، حقق نسبة نجاح تراوحت رسمياً بين 80 و90 في المائة، مع تسجيل
حالات محدودة جدا من العودة إلى النشاط الأمني الخطير. وتكمن قيمة هذه التجربة،
رغم التحفظات المنهجية التي يبديها بعض الباحثين المستقلين حول دقة نسب النجاح
المعلنة وحول ضرورة الانتظار سنوات طويلة للتأكد من نتائجها، في كونها لم تعتمد
على المحاضرة الدينية المجردة بوصفها أداة تحول وحيدة، بل جمعت بين الحوار الشرعي
المؤطر من علماء متخصصين، والتأهيل المهني، والعلاج النفسي، وإشراك الأسرة بشكل
مباشر في مسار المراجعة، بل وتوفير دخل بديل لأسر المعتقلين في بعض الحالات. وهذا
ما يفسر لماذا تفشل برامج المراجعات الفكرية حين تختزل في بعدها الديني الوعظي،
ذلك أن التحول الحقيقي في موقف الفرد من العنف لا يتحقق عبر تصحيح معرفي مجرد، بل
عبر إعادة بناء شاملة لهويته الاجتماعية ولشبكة علاقاته وحاجاته المادية والنفسية،
وهو مسار أقرب إلى إعادة التأهيل النفسي والاجتماعي منه إلى الجدل العقدي.
غير أن أكثر المراحل حساسية في كل هذا المسار، وفق
ما تؤكده التجربة السعودية ذاتها وتجارب دولية أخرى مماثلة، ليست المرحلة السابقة
للإفراج بقدر ما هي المرحلة اللاحقة له مباشرة. فالمفرج عنه الذي يجد نفسه، بعد
سنوات من الاحتواء المؤسسي، أمام غياب فرصة عمل، وانعدام سكن مستقر، وضعف الدعم
الأسري، وانقطاع المتابعة النفسية، إنما يعاد وضعه فعليا داخل نفس البيئة
الاجتماعية والاقتصادية الهشة التي أنتجت مساره نحو التطرف في المقام الأول وبذلك تنهار
كل الجهود المؤسسية التي بذلت داخل السجن أمام أول صدمة إعادة إدماج فاشلة. ولهذا
فإن أي سياسة جادة في هذا المجال تستوجب إحداث نظام متابعة يمتد لسنوات وليس
لأشهر، يقوم على المرافقة الاجتماعية المستمرة، والوساطة الأسرية عند الحاجة،
والإدماج المهني الفعلي وليس الصوري، إلى جانب المتابعة النفسية والتقييم الدوري
المنتظم لمسار كل حالة على حدة، بدل الاكتفاء بمقاربة نمطية موحدة لا تراعي خصوصية
كل مسار فردي.
وتبقى الخلاصة الأهم أن إعادة الإدماج، حين تختزل في
برنامج مخصص حصرا للمفرج عنهم عن قضايا الإرهاب، تظل مقاربة قاصرة ومحدودة الأثر
ذلك أن العودة إلى شبكات التطرف ترتبط في جزء كبير منها بعوامل بنيوية أوسع من
الحالة الفردية، كالهشاشة الاقتصادية والتهميش المجالي وضعف الحراك الاجتماعي في
مناطق بعينها. ومن هنا فإن الإدماج الاقتصادي، حين يدمج ضمن سياسة تنموية شاملة
تستهدف هذه المناطق الأكثر هشاشة عموما وليس فئة المفرج عنهم وحدها، يؤدي وظيفة
مزدوجة بالغة الأهمية: فهو من جهة يقلص عمليا من احتمالات العودة إلى دوائر التطرف
عبر تجفيف بيئتها الحاضنة، ومن جهة أخرى يحمل رسالة رمزية عميقة مفادها أن الدولة
لا تكتفي بمنطق العقاب والاحتواء الأمني، بل تستثمر فعليا في توفير أفق حقيقي
للاندماج والكرامة، وهو ما يعد في نهاية المطاف الشرط الأعمق لأي عدالة انتقالية
شاملة تتجاوز جبر الضرر الفردي نحو معالجة الأسباب الجذرية للانتهاك والتطرف معا.
نحو مصالحة نوعية لإنهاء ملف المعتقلين
الإسلاميين بالمغرب
إن إنهاء ملف المعتقلين الإسلاميين في المغرب لم يعد
يطرح باعتباره مطلبا حقوقيا لفئة اجتماعية بعينها، وإنما أصبح سؤالا يتعلق بكيفية
إدارة الدولة لاستقرارها على المدى البعيد. فبعد أكثر من عقدين على أحداث الدار
البيضاء سنة 2003، تغيرت البيئة الأمنية والسياسية التي أفرزت تلك المرحلة، كما
تغيرت طبيعة التهديدات الإرهابية وأساليب مواجهتها، وراكمت المؤسسات المغربية خبرة
معتبرة في مجال مكافحة التطرف وإعادة التأهيل. لذلك تبدو الظرفية الحالية أكثر
ملاءمة للانتقال من سياسة الإدارة المستمرة للملف إلى سياسة إغلاقه ضمن رؤية وطنية
شاملة تحقق الأمن والعدالة في آن واحد.
ومما يعزز منطقية هذا الانتقال أن الفارق الزمني بين
جيل 2003 وجيل 2026 لم يعد فارقا رمزيا، بل فارقا موضوعيا له انعكاسات مباشرة على
طبيعة الملف نفسه. فكثير من المعتقلين تقدم بهم العمر، وتغيرت ظروفهم الأسرية
والصحية والفكرية، كما تبدلت البيئة الإيديولوجية التي أنتجت خطاب التطرف في مطلع
الألفية، وتراجعت جاذبية التنظيمات التي استقطبتهم آنذاك. هذا التحول الزمني
والفكري يجعل من إعادة تقييم الملفات على أساس فردي، لا جماعي، خطوة منطقية تحكمها
معطيات الواقع لا اعتبارات المجاملة السياسية.
وتختلف طبيعة هذا الملف عن الملفات التي عالجتها
هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004، فهذه الأخيرة انصبت أساسا على معالجة انتهاكات
الماضي وجبر ضرر الضحايا وإغلاق صفحات تاريخية انتهت بانتهاء سياقها السياسي،
بينما يتعلق ملف المعتقلين الإسلاميين بملف لا يزال قائما باثاره القانونية والاجتماعية والإنسانية،
الأمر الذي يجعل الحاجة قائمة إلى مصالحة ذات طبيعة مستقبلية، لا تقتصر على تصحيح
الماضي، وإنما تؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة وشريحة من مواطنيها في إطار احترام
القانون والثوابت الوطنية.
وتتوافر اليوم مؤشرات عملية تؤكد أن الدولة نفسها
قطعت أشواطا مهمة في هذا الاتجاه. فقد شكل برنامج (مصالحة) منذ سنة 2017 اعترافا
مؤسسيا بأن المعالجة الأمنية وحدها غير كافية، وأن إعادة التأهيل الفكري والنفسي
والاجتماعي تمثل جزءا من استراتيجية مكافحة التطرف. كما أن تكرار العفو الملكي عن
عدد من المستفيدين من البرنامج يدل على أن باب التسوية لم يغلق، وإنما يسير بمنطق
تدريجي يمكن تطويره نحو رؤية أكثر شمولا واستقرارا.
غير أن استمرار الحلول الجزئية يحمل كلفة سياسية
وإدارية متزايدة، إذ يعيد في كل مناسبة طرح الأسئلة نفسها حول معايير الاستفادة من
العفو، ويبقي الملف حاضرا في النقاش العمومي والحقوقي، بينما يسمح تصور شامل ومحدد
المعايير بإغلاقه بصورة نهائية وواضحة. كما أن غياب برامج إدماج اجتماعي واقتصادي
فعالة بعد الإفراج يجعل جزءا من الجهود المبذولة داخل المؤسسات السجنية عرضة
للتآكل، لأن الاستقرار الفكري يحتاج إلى استقرار اجتماعي ومهني يحول دون العودة
إلى دوائر التهميش واليأس.
ولا تعني الدعوة إلى مصالحة شاملة إلغاء الفوارق
القانونية بين الملفات المختلفة، بل على العكس، فإن نجاحها يقتضي اعتماد مقاربة
تصنيفية دقيقة تميز بين من ارتبطت إدانتهم بأفعال عنف مثبتة، ومن كانت متابعاتهم
مرتبطة أساسا بالانتماء الفكري أو التنظيمي أو بجرائم لا تنطوي على ممارسة مباشرة
للعنف. فإقامة هذا التمييز لا تحقق العدالة الفردية فحسب، وإنما تمنح الدولة أيضا
هامشا أوسع لاتخاذ قراراتها بثقة أكبر، دون المساس بالاعتبارات الأمنية.
ولضمان أن يكون هذا التصنيف دقيقا وموضوعيا بعيدا عن
الانطباعات أو الحلول المعممة، يمكن التفكير في إحداث لجنة وطنية مستقلة لتقييم
الحالات الفردية، تضم في تركيبتها قضاة وخبراء في الشأن الأمني وعلماء نفس وعلماء
دين. فتعدد الاختصاصات داخل هذه اللجنة يمنح القرار الصادر عنها مشروعية علمية
وقانونية وأخلاقية في آن واحد، ويحول دون أن يبدو الحل عاما أو عشوائيا، كما يوفر
ضمانة إضافية بأن كل ملف يعالج وفق وقائعه الخاصة لا وفق منطق تسوية جماعية شاملة
تسقط عن الأفراد خصوصية مساراتهم.
كما أن التجربة المغربية نفسها تقدم أساسا فكريا
لهذه الرؤية. فقد استطاع المغرب، بعد عقود من التوتر السياسي، أن يؤسس لمسار إنصاف
ومصالحة أصبح مرجعا إقليميا في العدالة الانتقالية، ليس لأنه تجاهل الماضي، وإنما
لأنه جعل التسامح وسيلة لحماية المستقبل. ولم يكن الهدف انذاك مجرد تعويض الضحايا،
بل إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو الهدف نفسه الذي يمكن أن يتحقق
اليوم في هذا الملف مع اختلاف السياق وطبيعة الوقائع.
وتؤكد التجارب الدولية كذلك أن المجتمعات التي نجحت
في الحد من التطرف لم تعتمد العقوبة وحدها، وإنما جمعت بين سيادة القانون وسياسات
الاحتواء والإدماج. فقد استفادت المملكة العربية السعودية من برامج المراجعات
الفكرية مع توفير آليات للرعاية اللاحقة، ونجحت سنغافورة في بناء نموذج يقوم على
الشراكة بين الدولة والعلماء والأسرة والمجتمع، بينما اعتمدت إندونيسيا برامج
الإدماج الاقتصادي والاجتماعي إلى جانب الحوار الديني، وأظهرت تجارب أيرلندا الشمالية
وكولومبيا أن التسويات السياسية المدروسة قد تكون أكثر قدرة على إنهاء الصراعات من
استمرار المقاربة العقابية وحدها. ورغم اختلاف السياقات، فإن الجامع بينها جميعا
هو أن الاستثمار في الإنسان أقل كلفة من استمرار إدارة النزاع إلى ما لا نهاية.
ويمكن تأطير هذا الاستنتاج ضمن مفهومين متكاملين في
أدبيات الدراسات الأمنية المعاصرة: مفهوم الأمن الإنساني ومفهوم الأمن الوقائي. فمفهوم الأمن الإنساني، الذي
بلورته تقارير الأمم المتحدة للتنمية البشرية منذ التسعينيات، يوسع تعريف الأمن
ليتجاوز حماية الحدود والمؤسسات إلى حماية الإنسان نفسه من الخوف والحاجة
والإقصاء، بحيث تصبح كرامة الفرد وإدماجه الاجتماعي جزءا لا يتجزأ من الأمن
الوطني، لا استثناء منه أو تهديدا له. أما الأمن الوقائي فيقوم على منطق اقتصادي
وأمني بسيط إن كلفة برامج الإدماج والرعاية اللاحقة والمتابعة النفسية والاجتماعية
أقل بكثير، على المدى المتوسط والبعيد، من كلفة المراقبة الأمنية الدائمة والسجن
المطول، سواء من حيث الموارد المالية واللوجستية أو من حيث مخاطر إعادة الإنتاج
الفكري داخل بيئة سجنية مغلقة. وبذلك يصبح الإدماج، من هذا المنظور، خيارا أمنيا
عقلانيا قبل أن يكون خيارا إنسانيا أو حقوقيا.
وفي الحالة المغربية، تزداد قوة هذا الخيار بالنظر
إلى الخصوصية التاريخية للمملكة، التي قامت على تراث طويل من الاعتدال الديني
والتسامح المذهبي، وعلى مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها إطارا جامعا يوازن بين
حماية الدين وحماية الدولة ووحدة المجتمع. ومن ثم فإن المصالحة لا تبدو خروجا عن
التقاليد السياسية المغربية، بل امتدادا لها، لأنها تجعل العفو المقترن بالمسؤولية
أحد أدوات ترسيخ الاستقرار، لا تعبيرا عن الضعف أو التراجع. ويجد هذا التوجه سندا
في المقاصد الشرعية التي رجحت الإصلاح وجمع الكلمة على منطق المقابلة بالمثل، كما
في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وهي آية تربط
العفو بشرط الإصلاح لا بالتنازل المطلق، بما ينسجم مع التصور المطروح هنا لمصالحة
مشروطة بالمسؤولية لا مجردة منها.
ومع ذلك، فإن المصالحة المنشودة هي المصالحة التى
تقوم باستثمار وطني في الشباب قبل أن تكون حلا لملف سجني. فالدولة التي تراهن على
شبابها لا تنظر إلى من غادر السجن باعتباره عبئا دائما، وإنما باعتباره طاقة يمكن
إعادة توجيهها لخدمة المجتمع.
ولكي لا يبقى هذا الاستثمار رهين النوايا، فإنه
يستدعي برنامجا وطنيا متكاملا للرعاية اللاحقة، يشمل التشغيل والتكوين المهني،
والدعم النفسي المستمر، والمتابعة الاجتماعية للأسر لا للأفراد المفرج عنهم وحدهم.
فبدون هذا البرنامج، تظل جهود إعادة التأهيل داخل المؤسسات السجنية معلقة في فراغ
اجتماعي واقتصادي يهدد استدامتها، ويجعل من الرعاية اللاحقة ركنا من أركان الأمن
الوطني بقدر ما هي التزام إنساني تجاه الأفراد المعنيين.
كما أن هذا التوجه ينسجم مع الفلسفة العامة التي
يقوم عليها النموذج التنموي الجديد، الذي يضع الإنسان في قلب معادلة التنمية،
ويعتبر أن الاستثمار في الرأسمال البشري - بمختلف فئاته، بما فيها الفئات التي مرت
بمسارات معقدة كهذه - هو الأساس الحقيقي للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي على المدى
البعيد. فإغلاق هذا الملف، من هذا المنظور، ليس معالجة قطاعية معزولة، بل جزء من
رؤية تنموية شاملة تعيد تعريف علاقة الدولة بمواطنيها على أساس الثقة والإدماج بدل
الإقصاء المستمر.
إن الدولة القوية ليست هي التي تبقي ملفاتها مفتوحة
إلى أجل غير معلوم، وإنما التي تمتلك من الثقة في مؤسساتها ما يسمح لها بتحويل
الخصوم السابقين إلى مواطنين مندمجين داخل المجتمع، وفق القانون. ولذلك فإن
الانتقال من منطق إدارة ملف المعتقلين الإسلاميين إلى منطق تسويته النهائية لا ينبغي
النظر إليه باعتباره تنازلا، بل باعتباره خطوة متقدمة في ترسيخ دولة القانون،
وتعزيز الأمن المستدام، وتأكيد النموذج المغربي القائم على الاعتدال والتسامح
واستباق الأزمات بالحكمة بدل انتظار تفاقمها.
وأخيرا، فإن إنهاء هذا الملف سيغلق واحداً من آخر
الملفات الكبرى المرتبطة بتداعيات مرحلة ما بعد تفجيرات 2003، بما يسمح بفتح صفحة
جديدة في العلاقة بين الدولة وشبابها، قائمة على الثقة والمسؤولية المتبادلة لا
على الريبة المستمرة. كما أن هذه الخطوة، إذا ما أنجزت ضمن رؤية واضحة المعايير
ومحكومة بالقانون، من شأنها أن تعزز صورة المغرب دوليا بوصفه نموذجا نادرا يجمع
بين الحزم في مكافحة الإرهاب والالتزام باحترام حقوق الإنسان، وهو التوازن الذي
تسعى إليه أغلب دول العالم دون أن تبلغه، ويملك المغرب من الرصيد التاريخي
والمؤسساتي ما يؤهله لتقديم نموذج متكامل فيه.
الخاتمة
(النتائج والتوصيات)
خلصت هذه الدراسة إلى أن تدبير الدولة المغربية
لملف المعتقلين الإسلاميين يراوح مكانه بين رغبة في "الاحتواء الناعم"
(عبر المراجعات والعفو المتقطع) وإصرار على "الاستثناء الأمني" (عبر
التهميش الحقوقي والإعلامي)، وأن هذا التموقع الوسطي، حين يقارن بتجارب دول أخرى
كالسعودية واليمن ومصر والجزائر، يكشف عن أوجه تشابه في الأدوات (المراجعة
الفكرية، العفو المشروط) وأوجه اختلاف جوهرية في درجة الشمولية المؤسسية
والتشريعية للمعالجة.
المراجع
[1] Carnegie
Endowment for International Peace. (2008). Morocco's New Truth Commission:
Turning the Page on Past Human Rights Abuses. https://carnegieendowment.org/ar/sada/2008/08/moroccos-new-truth-commission-turning-the-page-on-past-human-rights-abuses
[2] مركز مصالحة. (د.ت). برنامج مصالحة. https://www.centremoussalaha.gov.ma/program/moussalaha-program/
[3] المجلس الوطني لحقوق الإنسان. (د.ت). العدالة الانتقالية. https://cndh.ma/ar/aldalt-alantqalyt
[4] Aljazeera.net. (2013، 6 دجنبر). وضعية المعتقلين السلفيين بالمغرب.. ملف
عالق. https://www.aljazeera.net/news/2013/12/6/%D9%88%D8%B6%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D9%84%D9%81
[5] Hespress. (2014، 30 ماي). السلفية "الجهادية" المغربية
المعاصرة.. المصالحة من أجل البناء. https://www.hespress.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D8%B1-173602.html
[6] Alaraby.co.uk. (د.ت). المغرب: برنامج لتأهيل معتقلين عائدين من بؤر
التوتر. https://www.alaraby.co.uk/society/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC-%D9%84%D8%AA%D8%A3%D9%87%D9%8A%D9%84-%D9%85%D8%B9%D8%AA%D9%82%D9%84%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A8%D8%A4%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%AA%D8%B1
[7] Democraticac.de. (2022، 24 نونبر). إعادة هيكلة الحقل الديني وسبل مكافحة
الإرهاب - دراسة أزمة عودة المقاتلين المغاربة في صفوف داعش للمغرب. https://democraticac.de/?p=85973
[8] MIPA Institute. (2018، 12 مارس). تصدير "الأمن الروحي" كآلية
إستراتيجية لدعم التمدد المغربي في إفريقيا. https://mipa.institute/?p=5496&lang=ar
[9] ICTJ. (2005، 1 نونبر). العدالة الانتقالية في المغرب: تقرير عن تقدم
العمل. https://www.ictj.org/node/9566
[10] Human Rights Watch. (د.ت). لقد أقيمت هيئة الإنصاف والمصالحة. https://www.hrw.org/legacy/arabic/reports/2005/morocco1105/9.htm
[11] Aljazeera.net. (2013، 13 يوليوز). تساؤلات بشأن ملف السلفية الجهادية
بالمغرب. https://www.aljazeera.net/amp/news/2013/7/13/%D8%AA%D8%B3%D8%A7%D8%A4%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D8%A9
[12] Ultrasawt. (2025، 11 فبراير). العدالة الانتقالية في المغرب.. هكذا طويت
صفحة الانتهاكات. https://megazine.ultrasawt.com/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D9%82/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AF%D8%A7%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D8%B7%D9%88%D9%8A%D8%AA-%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9
[13] Futureuae.com. (2016، 8 نونبر). ملامح التجربة المغربية في إدماج التيارات
السلفية. https://futureuae.com/ar-AE/Mainpage/Item/2098/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%AF%D8%AF-%D9%85%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A5%D8%AF%D9%85%D8%A7%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9
[14] Italia Telegraph. (2026، 14 فبراير). السلفية الجهادية في المغرب: النشأة،
المسارات، والتحولات (دراسة تحليلية). https://italiatelegraph.com/news-164625
[15] Legal Agenda. (2015، 6 ماي). التجربة المغربية في مكافحة الإرهاب: قراءة
على ضوء قانون 03.03. https://legal-agenda.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8/
[16] وزارة الداخلية السعودية. (د.ت). برنامج المناصحة والرعاية اللاحقة. https://www.moi.gov.sa/wps/portal/!ut/p/z0/fYzBCsIwEER_pZcey27aaL1WELVeFAVrLmVZQom2SZtG8fMN6NnbvHnDgIIGlKWX6SgYZ6mPfFPLFvdS7oTMDyiLDVaLcn05HWuBeQFn8lCD-j-KL-Y-TaoCxc4G_Q7QDGRsiuyedta9sV3COhqfkE_x60Y3hzlF8sFwr2MamLn9YYsiEzLLUZSr2MH42F4_gAtg-A!!/
[17] العين الإخبارية. (2017، 29 نونبر). مركز إعادة تأهيل المتطرفين
بالسعودية.. منتجع "5 نجوم". https://al-ain.com/article/terrorism-saudi
[18] مركز صنعاء للدراسات الإستراتيجية. (2021، 22 دجنبر). القاعدة في اليمن:
كيف خرج معتقلو التنظيم من سجون الحوثيين؟ https://sanaacenter.org/ar/publications-all/analysis-ar/16098
[19] ويكيبيديا. (د.ت). حمود الهتار. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AD%D9%85%D9%88%D8%AF_%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AA%D8%A7%D8%B1
[20] الاقتصادية. (2009، 1 ماي). المراجعات في مصر من الجماعة الإسلامية إلى
جماعة الجهاد. https://www.aleqt.com/2009/05/01/article_8761.html
[21] Alghad.com. (2011، 25 يوليوز). حول أهمية مراجعات الجماعة الإسلامية
وجماعة الجهاد. https://alghad.com/Section-204/%D8%A3%D8%B1%D8%B4%D9%8A%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8/%D8%AD%D9%88%D9%84-%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AC%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF-539047
[22] ويكيبيديا. (د.ت). استفتاء المصالحة الوطنية الجزائرية عام 2005. https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%D9%8A%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B2%D8%A7%D8%A6%D8%B1%D9%8A%D8%A9_%D8%B9%D8%A7%D9%85_2005
[23] صحيفة الاستقلال. (د.ت). منذ التسعينيات.. كيف فشلت الجزائر بإغلاق ملف
معتقلي "الجبهة الإسلامية"؟ https://www.alestiklal.net/ar/article/dep-news-1659078084
[24] الحمادي، سمير. (2015، 31 يوليوز). مراجعات السلفيين في المغرب. https://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?t=2&aid=478421
[25] SWI swissinfo.ch. (2024، 24 يناير). علاقة المغرب بالتيارات السلفية..
تصحيحٌ أم توظيف؟ https://www.swissinfo.ch/ara/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%81%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9/%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%B1%D8%A8-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%AD-%D8%A3%D9%85-%D8%AA%D9%88%D8%B8%D9%8A%D9%81/38430724

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق