الأربعاء، 1 يوليو 2026

السلفية المدخلية والحاكم: بين العقيدة والسياسة والتحولات الجيوسياسية


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السلفية المدخلية والحاكم:

بين العقيدة والسياسة والتحولات الجيوسياسية

لماذا أصبحت طاعة الحاكم محور المشروع المدخلي بينما بقيت السلفية العلمية أقرب إلى مركزية النص؟

 

ملخص الدراسة

تتناول هذه الدراسة إشكالية التحول الذي شهده التيار المدخلي داخل السلفية المعاصرة، والذي تمثل في جعل طاعة الحاكم محورا مركزيا للخطاب الديني والفقهي، في حين ظلت السلفية العلمية التقليدية مرتكزة على أولوية النص الشرعي. تنطلق الدراسة من فرضية مركبة مفادها أن هذا التحول لا يفسر بعامل واحد، سواء كان التمويل السياسي أو الاجتهاد الفقهي المجرد، بل هو حصيلة تفاعل بين إعادة تفسير التراث العقدي السني، وتحولات بنيوية في علاقة الدولة بالمؤسسة الدينية، وديناميات جيوسياسية إقليمية. تعتمد الدراسة منهجا تحليليا مقارنا يجمع بين التحليل الفكري لمقولات المدرستين، والتحليل السياسي للسياقات الإقليمية. وخلصت إلى أن المدخلية أعادت بناء هرم الأولويات الفقهية بحيث باتت حماية السلطة السياسية تتقدم على بقية المقاصد الشرعية، وهو ما يمثل تحولا نوعيا غير مسبوق داخل الحقل السلفي.

 

الكلمات المفتاحية: السلفية المدخلية، السلفية العلمية، طاعة ولي الأمر، الجيوسياسة الدينية، الفقه السياسي الإسلامي، إعادة هندسة المجال الديني.

 

Mots-clés : Salafisme madkhaliste, Salafisme scientifique, obéissance au souverain, géopolitique religieuse, fiqh politique islamique, recomposition du champ religieux.

 

مقدمة

يتسم المشهد  الديني في الفضاء الإسلامي المعاصر بتعقيد متصاعد، إذ لم تعد الخارطة السلفية كتلة متجانسة يمكن اختزالها في مرجعية نصية موحدة أو منهج دعوي واحد. فمنذ أواخر القرن العشرين برزت شقوق عميقة في هذا التيار، لعل أبرزها الصدع الذي فصل بين ما يعرف بالسلفية العلمية والسلفية المدخلية. ولا تختزل هذه الشقة في مجرد خلاف فقهي حول مسائل فرعية، بل تمتد لتطال تصور وظيفة العالم الديني، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية، وحدود الفعل السياسي المشروع. (1)

 

وقد رصد عدد من الباحثين في علم الاجتماع السياسي والدراسات الإسلامية هذا التحول، غير أن جل الأعمال المتاحة تميل إما إلى التفسير الأحادي المرتكز على التمويل السياسي الخليجي، وإما إلى عزل الظاهرة في حقل التفسيرات الدينية البحتة. في حين أن القراءة الأكاديمية الرصينة تستلزم الجمع بين المستويين، ووضع الظاهرة في سياقها الجيوسياسي والبنيوي الأشمل.(2)

 

ومن ثم تنهض هذه الدراسة بتحليل التحول الفكري والبنيوي الذي جعل طاعة الحاكم محورامركزيا للمشروع المدخلي، في مقابل السلفية العلمية التي ظلت أقرب إلى مركزية النص الشرعي. وتصاغ الإشكالية الرئيسة في السؤال الآتي: كيف انتقلت السلفية المدخلية من اتجاه دعوي إلى مشروع يمنح قضية طاعة الحاكم مركزية لم تعهدها السلفية التقليدية؟ وما العوامل الفكرية والسياسية والجيوسياسية المفسرة لهذا الانتقال؟(3)

 

وللإجابة عن هذه التساؤلات تعتمد الدراسة منهجا تحليليا مقارنا يقوم على مستويين متكاملين: تحليل المتن الفكري للمدرستين من خلال أعمالهما المرجعية، وتحليل السياق السياسي والإقليمي الذي أفرز هذه التحولات. وتتوزع الدراسة على عشرة محاور تتدرج من الإطار المفاهيمي إلى التحليل الجيوسياسي وصولا إلى نموذج تفسيري شامل.

 

الإطار المفاهيمي  التمييز بين السلفية العلمية والسلفية المدخلية

يظل الخلط بين التيارين من الإشكالات في الأدبيات البحثية، إذ يدرجهما كثير من الباحثين في خانة واحدة، مغفلين الفوارق التأسيسية في النشأة والغاية والمنهج. فالسلفية العلميةويرجع نسبها إلى مناهج أئمة الحديث في الاعتناء بالنصوص وتصحيح الاعتقاد نشأت بوصفها حركة إصلاح ديني وعلمي داخلية، لا تعلي من شأن السياسة. في المقابل، تشكلت السلفية المدخلية في سياق مغاير تماما، ارتبطت ارتباطا وثيقا بالتحولات التي أعقبت أزمة الخليج عام 1990-1991، وما رافقها من استقطاب حاد في المشهد الديني السعودي.(4)

 

ويمكن تحديد الفوارق الجوهرية بين المدرستين في ثلاثة محاور: أما المحور الأول فهو محور الغاية الكبرى فالسلفية العلمية تجعل تصحيح الاعتقاد وإحياء علوم الحديث والتكوين الشرعي غايتها الكبرى، فيما تجعل المدخلية من صون الدولة وردع المعارضة وضبط المجال الديني محورا لا يقل أهمية عند التطبيق. والمحور الثاني هو محور وظيفة العالم إذ يعنى عالم السلفية العلمية في الغالب بالتبليغ والتعليم والإفتاء، بينما يضطلع عالم المدخلية في كثير من الحالات بالدفاع عن شرعية السلطة، والرد على المعارضين. والمحور الثالث هو محور المرجعية في التكييف حيث يبقى النص الشرعي المرجع الأعلى في السلفية العلمية، في حين قد تسبق اعتبارات الاستقرار السياسي على غيرها في التكييف المدخلي عند التطبيق.(5)

 

ويشير Stéphane Lacroix في دراسته الموسومة بـ"Les islamistes saoudiens" إلى أن الشيخ ربيع المدخلي بنى جزءا من شهرته على مناهضة تيار الصحوة الإسلامية في السعودية، وتقديم نفسه ممثلا لسلفية أصيلة لا تنزلق إلى السياسة. غير أن المفارقة أن هذا التموضع الأيديولوجي ذاته أفضى في نهاية المطاف إلى تسييس متجدد للحقل الديني، لكن في اتجاه معاكس ليس من أجل معارضة السلطة بل لتحصين شرعيتها.(6)

 

مركزية الحاكم في البناء الفكري للمدخلية  من فرع فقهي إلى معيار عقدي

إن أعمق ما يميز المدخلية على صعيد البناء الفكري ليس في موقفها من الطاعة من حيث المبدأ—فهذا موقف الجماعة والسنة التقليدي—بل في تحويل هذه المسألة من فرع في الفقه السياسي إلى معيار لتمييز أهل السنة عن غيرهم. ذلك أن الفقه السني الكلاسيكي وإن أكد وجوب طاعة ولاة الأمر إلا أنه أحاطها بضوابط ومقيدات، وجعلها في سياق موازنة بين مصالح متعددة.(7)

 

أما في الخطاب المدخلي فقد شهدنا ما يمكن تسميته بـ(المركزية السياسية للحاكم) إذ أصبح الموقف من الحاكم والدولة مؤثرا في أحكام التبديع والتجريح والهجر، بل غدا في بعض الأحيان معيارا يسبق مقتضيات النص الشرعي. فالفرد الذي ينتقد السلطة علنا ولو بالوسائل السلمية قد يصنف في الخطاب المدخلي مبتدعا أو حروريا أو خارجيا، وهي تصنيفات تنقله من حقل الخلاف الفقهي المعتاد إلى حقل الانحراف العقدي.(8)

 

وقد وصف بعض الباحثين هذه الظاهرة بـ(التقديس الوظيفي) إذ لا يقدس الحاكم في ذاته لأن العصمة في الإسلام مقصورة على الأنبياءغير أن نقده العلني يعاد تكييفه باعتباره نزاعا مع الشريعة، لا مجرد معارضة سياسية. ويلاحظ Olivier Roy في دراسته لظاهرة الإسلام السياسي أن هذا الضرب من التدين للأطر السلطوية يشكل الية ناجعة لتحويل الشرعية السياسية إلى مشروعية دينية، مما يصعب على الفاعلين الدينيين الطعن فيها دون تعرضهم لاتهامات عقدية.(9)

 

والجدير بالملاحظة أن هذه المركزية لم تكن بهذا الوضوح في السلفية التقليدية إذ كان ابن تيميةالذي يعده المدخليون أحد مرجعياتهم يوازن بعناية بين وجوب الطاعة وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يقصر الأخير على الخطاب السري للسلطة دون نقد علني. ومن ثم فإن المدخلية لا تستنسخ التراث السلفي بقدر ما تعيد انتقاءه وفق أولويات معاصرة.(10)

 

إعادة ترتيب الأولويات داخل التراث السلفي

يحتج المدخليون بحق بأن النصوص التي يستندون إليها ليست من اختراعهم، بل هي موجودة في صلب التراث السني، من أحاديث السمع والطاعة وأقوال كبار العلماء في زمن الفتن. غير أن الإشكال لا يتعلق بمشروعية هذه النصوص، بل بالية توظيفها، ومكانتها في التسلسل الهرمي للأولويات الفقهية.(11)

 

فالتراث السني يدير قضية الطاعة ضمن منظومة مقاصدية متوازنة تشمل: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل، وحفظ المال، إضافة إلى تحقيق العدل ومنع الفتنة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويقر علماء أصول الفقه من الشاطبي إلى ابن القيم بأن هذه المقاصد قد تتعارض، وأن الترجيح بينها يخضع لاجتهاد الفقيه في ضوء السياق والمآل.(12)(17)

 

أما في الاجتهاد المدخلي فقد انزاح محور الترجيح نحو أولوية الاستقرار السياسي بصورة تجعل كثيرا من المسائل تكيف انطلاقا من سؤال: (هل يضعف هذا الفعل الدولة؟) وليس سؤال: (ما حكم هذا الفعل في ضوء الأدلة الشرعية؟) وهو تحول منهجي بالغ الأثر، يفضي عمليا إلى أن المال السياسي يؤثر في الحكم الشرعي تأثيرا يتجاوز حدود ما يجيزه الفقه في باب اعتبار المالات.(13)

 

وفي هذا الإطار يلاحظ Bernard Rougier في دراسته الميدانية للفضاء السني أن هذه الانتقائية النصية ليست حكرا على المدخلية، لكن المدخلية ترفعها إلى مستوى منهجي ومدرسي، بحيث تصبح مؤسسة لنمط استدلالي. ويعد ذلك وفق ما يعرفه الباحثون بـ"la réinterprétation sélective du corpus"—نمطا معروفا في الحركات الأيديولوجية، إذ يبقى الإطار الرمزي للتراث قائما لكن يعاد ترتيب محتواه وفق أجندة مستحدثة.(12)

 

لماذا بقيت السلفية العلمية أقرب إلى مركزية النص؟

هذا السؤال يعتبر من أكثر الأسئلة أهمية في تفسير التمايز بين السلفية العلمية والسلفية المدخلية، لأن المدرستين تنطلقان ظاهريا من المرجعية العقدية نفسها، لكنهما انتهتا إلى ممارسات مختلفة في المجال السياسي. ويبدو أن العامل الحاسم لا يكمن في اختلاف النصوص المؤسسة، وإنما في اختلاف طريقة بناء المرجعية العلمية، ووظيفة العالم، وطبيعة العلاقة بين المعرفة الدينية والسلطة السياسية. ويمكن تفسير ذلك من خلال ثلاثة أبعاد رئيسة:

البعد التاريخي: أولوية التكوين العلمي على التوظيف السياسي

نشأت السلفية العلمية الحديثة امتدادا للمدرسة الإصلاحية التي جعلت من العودة إلى الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح محور مشروعها الفكري. فقد كان همها الرئيس تصحيح العقيدة، وإحياء علوم الحديث، ومحاربة البدع والخرافات، ونقد التقليد المذهبي الجامد، أكثر من اهتمامها ببناء مشروع سياسي أو المشاركة في إدارة السلطة. ولذلك تركز النشاط العلمي لرموزها داخل حلقات التدريس، ودور الحديث، والجامعات الشرعية، والمؤلفات العلمية، ولم ينشأ في الأصل داخل الأحزاب أو الحركات السياسية.

وقد أسهم هذا السياق التاريخي في تشكيل ما يمكن تسميته بـ(العقل النصي) داخل السلفية العلمية إذ أصبحت النصوص الشرعية هي نقطة الانطلاق في معالجة القضايا المختلفة، بينما ظل الواقع السياسي عاملا مفسرا للنص لا موجها له. ولذلك كانت الأسئلة الفقهية المتعلقة بالعبادات والعقائد والمعاملات تحظى بأولوية واضحة مقارنة بالأسئلة المرتبطة بالصراع السياسي أو إدارة الدولة.

ومن الناحية المنهجية، اعتاد علماء هذه المدرسة أن يبدأوا بحث أي مسألة بجمع الأدلة من القرآن والسنة، ثم دراسة أقوال السلف، ثم الترجيح بينها وفق قواعد أصول الفقه وعلوم الحديث، وهو منهج يجعل النص هو المرجعية العليا، ويحد من تأثير الضغوط السياسية في إنتاج الفتوى.

كما أن التجارب التاريخية التي عاشها كثير من علماء السلفية العلمية، سواء في السعودية أو بلاد الشام أو غيرهما، عززت لديهم قناعة بأن تسييس الخطاب الديني يؤدي غالبا إلى انقسام العلماء وفقدان هيبتهم العلمية. ولذلك فضل كثير منهم البقاء داخل المجال العلمي، حتى وإن ترتب على ذلك اتهامهم بالعزلة عن الشأن العام.

ومن هنا يمكن القول إن السلفية العلمية لم تكن في أصلها مشروعا سياسيا ثم أصبحت نصية، بل كانت منذ نشأتها مشروعا علميا هدفه إعادة بناء المعرفة الشرعية، وهو ما جعل مركزية النص جزءا من هويتها التأسيسية، لا مجرد خيار مرحلي.

 

البعد المؤسسي: الفصل النسبي بين الفتوى والسياسة

من الخصائص المهمة التي ميزت السلفية العلمية وجود تصور واضح نسبيا لوظيفة العالم الشرعي، يقوم على التمييز بين مجال الإفتاء والتعليم من جهة، ومجال التدبير السياسي من جهة أخرى. فلم يكن العالم -في التصور التقليدي لهذه المدرسة- فاعلا سياسيا بقدر ما كان حافظا للنصوص، وشارحا لها، ومبينا لأحكامها وفق الضوابط الشرعية.

وقد أدى هذا التصور إلى نشوء ثقافة مؤسسية تعتبر أن اقتراب العالم من مراكز الصراع السياسي قد يؤثر في استقلالية اجتهاده، ويجعله عرضة لضغوط السلطة أو المعارضة على السواء. ولذلك بقي كثير من كبار علماء السلفية العلمية يتحفظون على إصدار فتاوى مرتبطة بالتجاذبات السياسية اليومية، ويفضلون معالجة القضايا العامة من خلال المبادئ الشرعية الكلية بدلا من الانحياز إلى أطراف النزاع.

كما ساعدت البيئة التعليمية التي تشكل فيها هؤلاء العلماء على ترسيخ هذا الفصل إذ كانت المؤسسات العلمية التقليدية، من جامعات شرعية ومعاهد علمية ودور حديث، تمنح مكانة كبيرة للتخصص العلمي والدقة في الاستدلال، بينما لا تمنح النشاط السياسي المكانة نفسها داخل البناء العلمي.

ولا يعني ذلك أن السلفية العلمية كانت منفصلة تماما عن السلطة السياسية فقد وجدت بدرجات متفاوتة من التعاون أو التقارب بين العلماء والدولة في عدد من البلدان. غير أن هذا التقارب لم يكن في الغالب قائما على إعادة تشكيل العقيدة لخدمة السلطة، بل على محاولة تنزيل الأحكام الشرعية كما يفهمها العلماء، مع بقاء النص -في التصور النظري على الأقل- المرجعية النهائية للحكم على الوقائع.

ولهذا نجد أن الخلافات التي ظهرت داخل السلفية العلمية نفسها حول أحداث سياسية كبرى لم تؤد غالبا إلى إعادة صياغة أصول المدرسة، بل بقيت تدور في إطار اختلافات اجتهادية حول تنزيل النصوص على الواقع، وهو ما يدل على استمرار مركزية المرجعية الشرعية حتى في لحظات الاختلاف.

 

البعد المرجعي: ثقافة الجماعة العلمية وآليات المراجعة النقدية

تميزت السلفية العلمية ببناء مرجعية معرفية تقوم على التخصص العلمي، والاحتكام إلى قواعد المحدثين والأصوليين، أكثر من اعتمادها على الولاء التنظيمي أو الشخصي. فقد تشكلت شرعية العالم داخل هذه المدرسة من خلال إتقانه لعلوم الحديث، والفقه، وأصول الفقه، واللغة، وقدرته على مناقشة الأدلة والترجيح بينها، وليس من خلال موقعه التنظيمي أو قربه من السلطة السياسية.

ولهذا نشأت داخل السلفية العلمية ثقافة نقدية تجعل آراء العلماء نفسها قابلة للمناقشة، استنادا إلى القاعدة الشهيرة التي تكررت في أدبيات المدرسة: (كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم). وقد ساعد هذا المبدأ على الحد من ظاهرة تقديس الأشخاص، وأبقى سلطة النص أعلى من سلطة العالم، حتى مع وجود تفاوت في المكانة العلمية بين العلماء.

كما أن منهج التحقيق الحديثي، القائم على فحص الأسانيد، ودراسة المتون، والنظر في أقوال النقاد، أوجد لدى أبناء هذه المدرسة ميلا دائما إلى مراجعة الأدلة قبل تبني المواقف، وهو ما جعل عملية إنتاج الفتوى أكثر ارتباطا بالأدلة العلمية منها بالاعتبارات السياسية أو التنظيمية.

في المقابل، يرى عدد من الباحثين أن بعض تيارات السلفية المدخلية اتجهت تدريجيا نحو بناء مرجعية يغلب عليها الولاء للمشايخ المرجعيين، بحيث أصبحت مواقف بعض الشخصيات العلمية تمارس تأثيرا واسعا في أتباعها، ليس فقط في القضايا العقدية والفقهية، بل أيضا في المواقف السياسية. وقد يؤدي هذا النمط من العلاقة إلى تقليص مساحة النقد الداخلي، لأن الاختلاف مع الشيخ قد يفهم أحيانا باعتباره خروجا عن المنهج نفسه، لا مجرد خلاف اجتهادي.

ومع ذلك، ينبغي التنبيه إلى أن هذا الوصف لا ينطبق بالدرجة نفسها على جميع المنتسبين إلى السلفية المدخلية، إذ تختلف التطبيقات باختلاف البلدان والقيادات والسياقات السياسية. إلا أن الاتجاه العام الذي تشير إليه الدراسات المقارنة هو أن السلفية العلمية احتفظت بدرجة أكبر من استقلالية الأدوات العلمية في إنتاج المعرفة، بينما أصبحت بعض الاتجاهات المدخلية أكثر قابلية لدمج المرجعية الشرعية بالاعتبارات السياسية المرتبطة بطبيعة العلاقة مع الدولة.

يتبين من هذه الأبعاد الثلاثة أن بقاء السلفية العلمية أقرب إلى مركزية النص لم يكن نتيجة موقف سياسي ظرفي، وإنما ثمرة بنية معرفية متكاملة تشكلت تاريخيا داخل مدارس الحديث والفقه، ورسخت فصلا نسبيا بين وظيفة العالم والعمل السياسي، وأقامت شرعية الاجتهاد على أدوات النقد العلمي لا على الولاء التنظيمي. ومن ثم فإن الفارق بين السلفية العلمية والسلفية المدخلية لا يتعلق فقط بموقفهما من الحاكم، بل يمتد إلى اختلاف أعمق في تصور العلاقة بين النص والواقع، وبين العالم والسلطة، وبين المرجعية العلمية وآليات إنتاج الفتوى. وهذا ما يفسر استمرار السلفية العلمية، رغم اختلاف مواقف علمائها في بعض القضايا، في جعل النص الشرعي المرجع الأعلى الذي تقاس به المواقف السياسية، بينما اتجهت بعض التطبيقات المدخلية إلى إعطاء الاعتبارات السياسية حضورا أكبر في عملية تنزيل النصوص على الواقع.

التحولات الجيوسياسية وصعود المدخلية

لا يمكن تفسير صعود التيار المدخلي من خلال تطوره الفكري الداخلي وحده، كما لا يصح اختزاله في كونه مجرد صناعة سياسية للدول. فالقراءة الأكاديمية تقتضي الجمع بين البعدين: البنية الفكرية التي هيأت التيار للقيام بوظيفة معينة، والتحولات الجيوسياسية التي وفرت له فرصة غير مسبوقة للانتشار. فالأفكار لا تنتشر بقوتها الذاتية فقط، وإنما أيضا عندما تلتقي مع حاجة سياسية أو اجتماعية تجعلها أكثر قابلية للتبني والدعم. ومن هذه الزاوية يمكن فهم صعود المدخلية باعتباره نتاجا للتفاعل بين التحولات الإقليمية وإعادة تعريف الدولة العربية لأولوياتها الأمنية والدينية.

المرحلة الأولى (1990–2001): أزمة الخليج وبداية تشكل المشروع المدخلي

تمثل حرب الخليج الأولى المنعطف الحقيقي الذي أخرج المدخلية من مجرد اتجاه علمي داخل المدرسة السلفية إلى مشروع ذي أبعاد سياسية واضحة. فقد أدى قرار المملكة العربية السعودية الاستعانة بالقوات الأمريكية لتحرير الكويت إلى انقسام غير مسبوق داخل التيار السلفي.

ففي الوقت الذي رفض فيه رموز الصحوة الإسلامية، وعلى رأسهم سلمان العودة وسفر الحوالي، هذا القرار وعدوه مخالفا لمبدأ الاستقلال عن القوى الأجنبية، تبنى ربيع بن هادي المدخلي موقفا مغايرا يقوم على وجوب طاعة ولي الأمر وعدم منازعته في تقدير المصالح السياسية والعسكرية. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف مجرد اختلاف فقهي، بل تحول إلى صراع حول المرجعية الدينية ذاتها: هل يحتفظ العلماء باستقلالهم عن القرار السياسي، أم تصبح وظيفتهم الأساسية تأييد اختيارات الدولة؟

وقد دفع هذا الصراع التيار المدخلي إلى تطوير منظومة فكرية متكاملة تقوم على مفاهيم مثل السمع والطاعة، وتحريم الحزبية، وتجريم الخروج السياسي، والتشديد على خطر الفتنة أكثر من التركيز على إصلاح السلطة. ولم تعد هذه المبادئ مجرد اجتهادات فقهية، بل أصبحت هوية مميزة للتيار نفسه، وهو ما يفسر كثافة الإنتاج العلمي والردود التي صدرت خلال تلك المرحلة ضد تيار الصحوة أكثر مما صدرت ضد الخصوم التقليديين للسلفية.

وبذلك يمكن القول إن أزمة الخليج لم تصنع المدخلية، لكنها منحتها المجال الذي تبلورت فيه كتيار مستقل يمتلك خطابا سياسيا متماسكا داخل الإطار السلفي.

المرحلة الثانية (2001–2011): الحرب العالمية على الإرهاب وصعود المدخلية كشريك أمني

أحدثت هجمات الحادي عشر من سبتمبر تحولا جذريا في أولويات الدول العربية والغربية على السواء. فلم يعد السؤال المركزي هو الإصلاح السياسي، بل أصبح كيفية احتواء التطرف العنيف ومنع إنتاج بيئات حاضنة للجماعات الجهادية.

وفي هذا السياق اكتسبت المدخلية أهمية استثنائية لأنها كانت تمتلك مسبقا خطابا يجرم العمل المسلح ويكفر بمنهج الخروج على الحكام، ويرفض الحركات الإسلامية المنظمة، ويرى أن الاستقرار السياسي مقدم على المطالبة بالتغيير. وهكذا وجدت الأنظمة العربية في هذا الخطاب أداة دينية قادرة على توفير شرعية شرعية لمواجهة التنظيمات الجهادية دون الحاجة إلى إنتاج خطاب ديني جديد.

كما أن المؤسسات الدينية الرسمية بدأت تمنح مساحة أوسع للتيار المدخلي في التعليم الشرعي، والخطب، والندوات، والبرامج الإعلامية، لأنه بدا أكثر انسجاما مع الاستراتيجية الأمنية الجديدة. ولم يكن هذا الانتشار نتيجة تفوق علمي مفاجئ، وإنما نتيجة التقاء مضمون الخطاب المدخلي مع احتياجات الدولة بعد أحداث سبتمبر.

ومن هنا انتقلت المدخلية من موقع (التيار السلفي الداخلي) إلى موقع (الشريك الوظيفي) في إدارة المجال الديني، إذ أصبح دورها لا يقتصر على نشر العقيدة السلفية، بل يشمل أيضا إنتاج خطاب ديني يرسخ الاستقرار السياسي ويحاصر الخطابات الاحتجاجية والجهادية في آن واحد.

المرحلة الثالثة (2011–إلى اليوم): الربيع العربي وإعادة تعريف وظيفة المدخلية

إذا كانت مرحلة ما بعد سبتمبر قد منحت المدخلية شرعية أمنية، فإن الربيع العربي منحها دورا سياسيا أكثر وضوحا.

فقد كشفت الثورات العربية أن التحدي الذي تواجهه الأنظمة لم يعد مقتصرا على الجماعات المسلحة، بل امتد إلى الحركات الإسلامية التي تسعى للوصول إلى السلطة عبر الانتخابات، وإلى الحركات الاحتجاجية ذات المرجعيات المختلفة. وهنا توسعت وظيفة الخطاب المدخلي من محاربة (الخروج المسلح) إلى رفض مختلف أشكال المعارضة السياسية، حتى وإن كانت سلمية أو انتخابية.

ولهذا شهدت هذه المرحلة حضورا أكبر للمدخلية في عدد من الدول العربية، حيث قدمت نفسها باعتبارها التيار القادر على تحصين المجتمعات ضد الثورات والاحتجاجات، وربطت بين الاستقرار السياسي والالتزام الديني، وأعادت تفسير كثير من النصوص الشرعية بما يعزز أولوية الأمن ووحدة الدولة على مطالب التغيير.

كما برزت فروع مدخلية في عدد من بؤر الصراع الإقليمي، مثل ليبيا واليمن، حيث تجاوز بعض أتباع التيار النشاط الدعوي التقليدي وانخرطوا في تشكيلات أمنية أو عسكرية موالية للسلطات أو للقوى الحليفة لها. ويعكس هذا التحول انتقال بعض مكونات المدخلية من مجرد إنتاج خطاب ديني إلى أداء وظائف ميدانية مرتبطة بالسياقات الأمنية المحلية، مع اختلاف هذه الأدوار من دولة إلى أخرى وعدم إمكان تعميمها على جميع المنتسبين للتيار.

القراءة التفسيرية الأقرب إلى الواقع هي أن صعود المدخلية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل ثمرة التقاء عاملين متكاملين.

العامل الأول يتمثل في البنية الفكرية للتيار، التي جعلته أكثر استعدادا من غيره للاندماج مع سياسات الدولة، بحكم مركزية مفهوم الطاعة، ورفض الحزبية، وتحريم المعارضة، وتقديم الاستقرار على التغيير.

أما العامل الثاني فهو التحولات الجيوسياسية التي غيرت أولويات الأنظمة العربية. فمع انتقال الاهتمام من مواجهة الخصوم الخارجيين إلى إدارة التهديدات الداخلية، أصبحت الدولة تبحث عن خطاب ديني يحقق ثلاث وظائف في الوقت نفسه: مواجهة الجهادية، وتقليص نفوذ الإسلام السياسي، وترسيخ شرعية السلطة. وقد وفر التيار المدخلي هذه الوظائف بدرجة كبيرة، وهو ما يفسر حجم انتشاره المؤسسي مقارنة بتيارات سلفية أخرى.

ومن ثم فإن التحولات الجيوسياسية لا تفسر نشأة المدخلية، وإنما تفسر توقيت صعودها وسرعة تمددها. أما استمرارها وتأثيرها فلا يمكن فهمهما دون تحليل بنيتها الفكرية الداخلية، وهو ما يفسر لماذا بقيت المدخلية محافظة على موقعها حتى بعد تغير كثير من الظروف السياسية التي صاحبت نشأتها.

بين الفكر والدعم السياسي والإعلامي — مراجعة نقدية

يثير تفسير انتشار السلفية المدخلية نقاشا واسعا في الأدبيات المعاصرة، حيث تتجاذبه مقاربتان تبدوان متعارضتين ظاهريا، ولكنهما تشتركان في نزعة اختزالية تجعل كل واحدة منهما عاجزة عن تقديم تفسير شامل. فهناك من يفسر صعود المدخلية بوصفه نتيجة مباشرة للدعم السياسي والمالي والإعلامي القادم من بعض الدول الخليجية، في حين يرى اخرون أن انتشارها لا يعدو أن يكون ثمرة لقوة أطروحتها العلمية وسلامة اجتهادها الفقهي. غير أن التحليل الأكاديمي، المستند إلى مناهج علم الاجتماع الديني وتحليل الحركات الاجتماعية، يبين أن كلا التفسيرين يعجز عن الإحاطة بجميع العوامل التي أنتجت الظاهرة.

إن أول ما يلفت الانتباه في التفسير القائم على التمويل أنه ينطلق غالبا من علاقة سببية مباشرة بين الموارد المالية وانتشار الأفكار، وكأن الأفكار تتحرك في المجال الاجتماعي بقوة المال وحده. غير أن الدراسات السوسيولوجية المتعلقة بالحركات الدينية تؤكد أن الموارد، مهما بلغت ضخامتها، لا تتحول تلقائيا إلى نفوذ اجتماعي أو شرعية دينية. فالمال يستطيع أن يوسع دائرة النشر، وأن ينشئ المؤسسات، وأن يمول الأنشطة الإعلامية والتعليمية، لكنه لا يستطيع وحده أن يفرض على الأفراد تبني خطاب ديني لا يجد لديهم قابلية فكرية أو نفسية أو اجتماعية.

ولهذا نجد في الواقع أمثلة عديدة على تيارات دينية أو فكرية تمتلك إمكانات مالية محدودة، لكنها نجحت في بناء حضور اجتماعي واسع بفضل قدرتها على إنتاج خطاب ينسجم مع تطلعات جمهورها، في مقابل تيارات أخرى امتلكت إمكانات مالية ضخمة لكنها أخفقت في تجاوز دائرة التأثير المحدود. ويكشف ذلك أن العلاقة بين التمويل والانتشار ليست علاقة حتمية، وإنما تمر عبر عوامل وسيطة، مثل الشرعية الرمزية، والثقة الاجتماعية، وكفاءة النخب الدعوية، وملاءمة الخطاب للسياق السياسي والثقافي.

ومن هنا تحذر مناهج العلوم الاجتماعية من الوقوع فيما يسمى بالحتمية الاقتصادية أو الاختزال المادي، الذي يفسر الظواهر الفكرية بردها إلى مصادر تمويلها وحدها. فالأفكار لا تتحول إلى قوة اجتماعية بسبب المال فحسب، وإنما بسبب قدرتها على اكتساب الاعتراف داخل الحقل الديني، وإقناع جمهور المتلقين بأنها تمثل تفسيرا مشروعا للنصوص الدينية وللواقع الاجتماعي. ولذلك فإن تفسير المدخلية بوصفها مجرد (منتج للتمويل) يغفل الديناميات الفكرية الداخلية التي أسهمت في منحها قدرا من الشرعية داخل بعض الأوساط السلفية.

وفي المقابل، لا يبدو التفسير الذي يرد انتشار المدخلية إلى قوة اجتهادها الفقهي وحده أكثر قدرة على تفسير الواقع. فهذا التصور يفترض أن الأفكار تنتشر تلقائيا متى كانت أكثر انسجاما مع النصوص الشرعية، متجاهلا أن المجال الديني نفسه مجال اجتماعي تتنافس داخله الفاعليات المختلفة على احتكار الشرعية الدينية والرمزية. ومن ثم فإن الاختيارات الفقهية لا تتشكل دائما بمعزل عن السياقات السياسية والمؤسساتية، بل تتفاعل معها بصورة مستمرة.

فالفقيه لا ينتج اجتهاده داخل فراغ تاريخي، وإنما يتحرك داخل بنية اجتماعية وسياسية تؤثر في ترتيب أولوياته، وفي الموضوعات التي يركز عليها، وفي الكيفية التي يقرأ بها النصوص الشرعية. ولهذا فإن بروز مفاهيم معينة داخل الخطاب المدخلي، مثل التشديد على طاعة ولي الأمر، والتحذير من المعارضة السياسية، وتوسيع دائرة التحذير من الحركات الإسلامية، لا يمكن فهمه فهما كاملا إذا اقتصر التحليل على الجانب الفقهي المجرد، دون دراسة السياقات السياسية التي جعلت هذه الموضوعات تحتل موقعا مركزيا داخل المشروع المدخلي.

ولا يعني ذلك أن هذه المفاهيم صنعتها السياسة من العدم، وإنما يعني أن السياق السياسي أسهم في إعادة ترتيب سلم الأولويات داخل التراث السلفي، بحيث أصبحت بعض النصوص أكثر حضورا من غيرها، وأصبحت بعض القضايا تمثل محور الخطاب، بينما تراجعت موضوعات أخرى كانت أكثر حضورا لدى مدارس سلفية سابقة. وبهذا المعنى فإن العلاقة بين الفقه والسياسة ليست علاقة تبعية مطلقة، وإنما علاقة تفاعل متبادل تؤثر فيها الاعتبارات العقدية والواقعية في آن واحد.

وفي هذا الإطار، يقدم الباحث Samir Amghar تصورا أكثر تركيبا عند دراسته للحركات السلفية في الغرب، إذ يبين أن انتشار أي تيار ديني لا يمكن تفسيره بعامل واحد، وإنما يتطلب اجتماع شرطين متلازمين. يتمثل الأول في وجود بنية فكرية داخلية متماسكة تمنح التيار هويته العقدية ومنطقه التفسيري، بينما يتمثل الثاني في وجود بيئة خارجية تتيح لهذه الأفكار إمكانات الانتشار والتوسع. فالفكرة، مهما بلغت درجة تماسكها، قد تبقى محدودة إذا افتقدت المؤسسات والمنابر والشبكات الاجتماعية القادرة على إيصالها، كما أن البيئة الداعمة لا تستطيع خلق تيار فكري من العدم إذا لم توجد بنية فكرية قابلة للتداول والتلقي.

وتسمح هذه المقاربة بتجاوز الثنائية التقليدية بين (الفكرة) و(التمويل)، لأنها تنظر إلى الظاهرة بوصفها نتاجا للتفاعل بين الموارد الفكرية والموارد المؤسسية. فالتمويل، في هذا التصور، ليس مصدر العقيدة، وإنما أحد الموارد التي تساعد على تحويلها إلى حضور اجتماعي أوسع. وهو يؤدي وظائف تتعلق بإنشاء المؤسسات التعليمية، وتمويل المراكز الدعوية، ودعم النشر والترجمة، وإتاحة المنصات الإعلامية، وتكوين الشبكات الدعوية العابرة للحدود، وهي كلها عوامل تزيد من قدرة الفكرة على الوصول إلى جمهور أوسع، دون أن تكون هي المنشئة للفكرة ذاتها.

ومن ثم فإن الأدق منهجيا هو التمييز بين إنتاج الفكرة وإنتاج قدرتها على الانتشار. فالأول يرتبط بالبنية العقدية والفقهية للتيار، بينما يرتبط الثاني بالموارد المؤسسية والسياسية والإعلامية التي تسمح بتوسيع مجال تأثيره. وإغفال هذا التمييز يؤدي إلى أحد خطأين متقابلين: إما اختزال المدخلية في كونها مشروعا سياسيا صرفا، وإما تصويرها باعتبارها ظاهرة فقهية مستقلة تماما عن سياقها التاريخي والسياسي.

وعليه، فإن القول بأن بعض المؤسسات الإعلامية والتعليمية والدعوية وفرت للمدخلية فضاءات أوسع للانتشار لا يعني أنها أنشأت الفكرة أو صنعتها من الصفر، وإنما يعني أنها أسهمت في تعزيز حضورها، ومنحتها أدوات مؤسسية لم تكن متاحة بالقدر نفسه لتيارات أخرى. وهذا ينسجم مع ما تقرره أدبيات علم الاجتماع الديني من أن المؤسسات لا تخلق المعتقدات، لكنها تزيد من قدرتها على إعادة الإنتاج والانتشار والاستمرار.

وتأسيسًا على ذلك، فإن التفسير الأكثر اتزانا يتمثل في النظر إلى السلفية المدخلية بوصفها ظاهرة مركبة تشكلت من تفاعل ثلاثة مستويات متداخلة: مستوى فكري يتمثل في مرجعيتها السلفية واجتهاداتها العقدية والفقهية، ومستوى مؤسسي وفر لها وسائل الانتشار والتأثير، ومستوى سياسي أوجد بيئة إقليمية جعلت خطابها أكثر توافقا مع أولويات عدد من الدول خلال العقود الأخيرة. ومن دون الجمع بين هذه المستويات الثلاثة يبقى أي تفسير، مهما بدا مقنعا، تفسيرا جزئيا لا يحيط بتعقيد الظاهرة.

المدخلية والانخراط في الصراعات المسلحة  

لا يمكن فهم انخراط التيار المدخلي في الصراعات المسلحة من خلال الخطاب العقدي الذي يقدمه عن نفسه فقط، بل ينبغي التمييز بين المستوى النظري والمستوى العملي. فمن الناحية النظرية، يرفع التيار المدخلي منذ نشأته شعار اجتناب الفتن، وتحريم الخروج على ولي الأمر، ورفض العمل الحزبي والثوري، ويجعل من الاستقرار السياسي مقدما على كثير من الاعتبارات الأخرى. ولذلك بنى صورته العامة باعتباره تيارا (سلميا) لا يؤمن بالتغيير المسلح ولا بالمشاركة في الصراعات السياسية. غير أن التجارب الميدانية، ولا سيما في ليبيا بعد سنة 2014، أظهرت أن هذا المبدأ لم يبق ثابتا عند انتقاله من المجال النظري إلى الواقع السياسي، إذ شاركت تشكيلات مدخلية بصورة مباشرة في العمليات العسكرية، وأصبحت جزءا من التوازنات الأمنية والعسكرية، الأمر الذي دفع عددا من الباحثين إلى إعادة النظر في توصيف المدخلية باعتبارها مجرد تيار دعوي غير سياسي.

وتعد الحالة الليبية المثال الأكثر وضوحا على هذا التحول. فمنذ انطلاق عملية(الكرامة) التي أعلنها المشير خليفة حفتر سنة 2014، . فقد أصدر الشيخ ربيع المدخلي من المدينة المنورة فتوى تدعو أتباعه في ليبيا إلى دعم حفتر في مواجهته لجماعة الإخوان المسلمين والتشكيلات المصنّفة إرهابية، معتبرا حفتر بمثابة الحاكم المتغلب الذي تجب طاعته ولا يجوز الخروج عليه. وقد استند هذا الموقف إلى قاعدة فقهية في السياسة الشرعية تقوم على الاعتراف بـ(إمارة المتغلب) لمن يستولي على الحكم بالقوة إذا ما ترتب على منازعته فتنة أعظم غير أن توظيف هذه القاعدة هنا جاء انتقائيا وموجها لصالح طرف بعينه في نزاع مسلح داخلي، لا في سياق دولة مستقرة ذات حاكم متغلب واحد لا ينازعه أحد.

 

على هذا الأساس، تشكلت (كتيبة التوحيد السلفية) في بنغازي عام 2014 بقيادة عز الدين الطرهوني، وضمت مقاتلين مداخلة قاتلوا مباشرة إلى جانب قوات حفتر في بنغازي وإجدابيا ودرنة، ووفرت لعملياته الغطاء الشرعي، إذ كانت توصف بأنها الجناح الديني لعملية الكرامة. وبعد مقتل الطرهوني في فبراير 2015، تفككت الكتيبة كوحدة مستقلة، واندمج عناصرها ضمن تشكيلات أخرى تابعة لما يعرف اليوم بـ(الجيش الوطني الليبي)، من بينها الكتيبة 210 وقوة الصاعقة، وكتيبة خالد بن الوليد (اللواء 104) وكتيبة طارق بن زياد، ووحدات أخرى تلقت تأطيرا فكريا من شيوخ المدرسة المدخلية. ولم يكن هذا الانخراط مجرد مشاركة فردية لبعض المنتسبين، بل اتخذ طابعا منظما انعكس في الخطاب التعبوي الذي قدم المعركة باعتبارها حربا شرعية ضد (الخوارج) و(الإرهابيين)، وليس باعتبارها حربا أهلية أو فتنة داخلية.

وهنا تبرز أولى الإشكالات الفكرية إذ إن الخطاب المدخلي التقليدي يحرم المشاركة في الفتن ويعتبر الاعتزال هو الأصل عند اختلاط الأمور، بينما جرى في ليبيا إعادة توصيف الصراع بطريقة تجعل أحد أطرافه ممثلا للشرعية، والطرف الآخر خارجا عليها، بما يسمح بإسقاط أحكام قتال الخوارج عليه. وبهذه الآلية انتقل التيار من مبدأ عدم المشاركة في الصراع إلى مبدأ المشاركة المشروطة عندما يصبح أحد الأطراف ممثلا للسلطة التي يمنحها الخطاب المدخلي الشرعية الدينية.

ومن الناحية النظرية، لا يظهر هذا التحول بوصفه تناقضا داخل الخطاب المدخلي نفسه لأن المدخلية تعيد تعريف الصراع قبل إصدار الحكم عليه. فهي لا تقول إنها تشارك في الفتنة، وإنما تنفي أصلا أن يكون ما يجري فتنة، وتصفه بأنه مواجهة مشروعة بين الدولة والخارجين عليها. غير أن هذا التبرير يثير إشكالا أكاديميا يتمثل في أن توصيف الصراع ذاته أصبح مرتبطا بالموقف السياسي، وليس بمعايير فقهية ثابتة. فالصراع الذي يعد فتنة في سياق معين قد يصبح جهادا مشروعا في سياق آخر إذا تغيرت الجهة التي تمنحها المدخلية صفة الشرعية.

ولهذا يرى عدد من الباحثين أن مركز الثقل في الفكر المدخلي لم يعد هو مبدأ (تحريم الفتن) في ذاته، وإنما مبدأ (حماية السلطة القائمة). فالموقف من استخدام القوة لا يتحدد ابتداء بالسؤال: هل يجوز حمل السلاح؟ بل بالسؤال: من هو الطرف الذي يمثل السلطة الشرعية في نظر هذا التيار؟ فإذا اعتبر الحاكم أو السلطة القائمة ممثلا للشرعية، أصبح استعمال القوة دفاعا عنها أمرا جائزا، بل قد يتحول إلى واجب شرعي، بينما يظل حمل السلاح محرما إذا كان موجها ضدها. وهذا ما يجعل معيار الشرعية السياسية متقدما عمليا على معيار السلمية.

وتظهر هذه الدينامية أيضا عند مقارنة مواقف المدخلية من الأزمات العربية المختلفة. ففي أثناء ثورات الربيع العربي عارضت المدخلية الاحتجاجات الشعبية في مصر وتونس واليمن وسوريا وليبيا، واعتبرتها منازعة لولاة الأمور وسببا في نشر الفوضى. لكن عندما تحولت بعض هذه الدول إلى ساحات صراع مسلح، لم يعد الامتناع عن استخدام القوة هو القاعدة العامة، بل أصبح القتال مقبولا إذا كان في صف السلطة أو القوة التي تمنحها المدخلية الشرعية. وهنا ينتقل المبدأ من تحريم السلاح إلى تنظيم استخدامه بحسب هوية الفاعل السياسي.

وتكشف الحالة الليبية بصورة خاصة أن المرجعية الفقهية لم تكن العامل الوحيد في تفسير هذا التحول، بل لعبت البيئة الجيوسياسية دورا أساسيا. فقد تزامن صعود المدخلية مع تغير أولويات عدد من الدول العربية بعد تصاعد تهديد الجماعات الجهادية، حيث أصبحت مكافحة الإسلام السياسي والجماعات المسلحة هدفا استراتيجيا، وهو ما وفر للتيار المدخلي مساحة أوسع للحضور داخل المؤسسات الدينية والأمنية. وفي هذا السياق، أصبح الخطاب المدخلي يوفر غطاء دينيا لمشروعات إعادة بناء السلطة المركزية، مقابل حصوله على مساحة أكبر من النفوذ الدعوي والمؤسساتي. ومن ثم يصعب الفصل بين التحولات الفكرية للتيار وبين التحولات الإقليمية التي أعادت تعريف مفهوم الأمن والاستقرار بعد سنة 2011.

ومن زاوية علم الاجتماع السياسي، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال مفهوم التكيف مع بنية الفرص السياسية ، الذي يفيد بأن الحركات الأيديولوجية لا تتحرك فقط وفق مبادئها المجردة، وإنما تعيد ترتيب أولوياتها تبعا للبيئة السياسية المحيطة. فحين تصبح الدولة هي الفاعل الأقوى والقادر على توفير الحماية والانتشار، تميل الحركات المحافظة إلى تعزيز خطاب الطاعة والاستقرار، بينما تتراجع المبادئ الأخرى أمام مقتضيات البقاء والتأثير. وبهذا المعنى، فإن سلوك المدخلية لا يختلف من حيث آليات التكيف عن كثير من الحركات الأيديولوجية، وإن اختلفت مرجعياتها الدينية.

كما يمكن قراءة هذه الظاهرة في ضوء مفهوم البراغماتية الأيديولوجية؛ إذ لا يعني امتلاك خطاب عقدي صارم أن تكون الممارسة السياسية جامدة بالضرورة. فالتيارات العقائدية كثيرا ما تعيد تأويل نصوصها بما يسمح لها بالتكيف مع الوقائع الجديدة دون الإعلان عن تغيير في المبادئ. ويلاحظ أن المدخلية لم تتخل عن خطابها النظري بشأن تحريم الفتن، لكنها أعادت تعريف مفهوم الفتنة نفسه بما يجعل استخدام القوة منسجما مع التصور الجديد للشرعية.

ولهذا استخدم بعض الباحثين تعبير الانتقاء الظرفي للمبادىء لوصف هذا النمط من السلوك، بمعنى أن المبادئ لا تطبق بوصفها قواعد مجردة وثابتة، وإنما يعاد تفعيل بعضها أو تعطيل بعضها الآخر تبعا للظرف السياسي. فحين يخدم مبدأ طاعة ولي الأمر الاستقرار القائم يجري التشديد عليه، وحين يتطلب الدفاع عن هذا الاستقرار استخدام القوة المسلحة يعاد تفسير النصوص بما يبرر ذلك. ولا يعني هذا بالضرورة وجود تناقض شعوري لدى الفاعلين أنفسهم، بل يعكس عملية مستمرة لإعادة تأويل النصوص بما يحافظ على تماسك البناء الداخلي للخطاب.

ومن هنا فإن وصف المدخلية بأنها تيار (لا سياسي) أصبح محل مراجعة في الأدبيات الحديثة إذ تبين أن امتناعها عن المنافسة الحزبية أو الانتخابات لا يعني حيادها تجاه السلطة أو الصراعات السياسية، وإنما يعبر عن نمط مختلف من الفعل السياسي يقوم على دعم السلطة القائمة، وإضفاء الشرعية الدينية عليها، والمشاركة في تثبيت النظام السياسي عند الحاجة، بما في ذلك من خلال الانخراط في العمل الأمني أو العسكري إذا اعتبر ذلك دفاعا عن الشرعية.

وعليه، فإن التجربة الليبية لا تمثل حادثة استثنائية معزولة، بل تكشف عن منطق أعمق داخل الممارسة المدخلية يتمثل في أن معيار المشاركة في الصراع ليس رفض العنف أو قبوله من حيث المبدأ، وإنما تحديد الجهة التي تحتكر الشرعية السياسية والدينية. ولذلك فإن ثنائية (اعتزال الفتنة) و(المشاركة في القتال) ليست متناقضة داخل المنظور المدخلي إلا ظاهريا لأنها تحسم من خلال إعادة تعريف الفتنة والشرعية بما ينسجم مع موقع السلطة القائمة. غير أن هذا التفسير نفسه يفتح باب النقد الأكاديمي إذ يجعل ثبات المبادئ رهينا بإعادة توصيف الواقع السياسي، ويمنح الاعتبارات الجيوسياسية دورا حاسما في توجيه الفتوى والممارسة، وهو ما يضعف دعوى الفصل بين الدعوي والسياسي، ويجعل المدخلية أقرب إلى نموذج التدين الوظيفي المرتبط ببنية الدولة وتحولاتها منه إلى نموذج سلفي محض قائم على تطبيق مبادئ مجردة بمعزل عن السياق السياسي.

 

موقف المدخلية من الربيع العربي  

مثل الربيع العربي أحد أهم الاختبارات الفكرية التي كشفت الفروق العميقة بين التيارات السلفية المعاصرة. فبينما انقسمت الحركات الإسلامية بين مؤيد للثورات ومعارض لها أو متردد بشأنها، اتخذت السلفية المدخلية موقفا حاسما منذ الأيام الأولى، تمثل في رفض الاحتجاجات الشعبية والثورات، واعتبارها مدخلاً حتمياً إلى الفوضى وسفك الدماء وتمزيق الدولة. ولم يكن هذا الموقف مجرد تقدير سياسي مرحلي، بل قدم باعتباره حكما شرعيا عاما يستند إلى نصوص السمع والطاعة، وتحريم الخروج على ولي الأمر، وسد ذرائع الفتنة.

تتمثل الحجة المركزية الأولى في أن إسقاط الأنظمة السياسية بالقوة أو عبر الاحتجاجات المفتوحة يؤدي غالبا إلى تفكك مؤسسات الدولة، وانهيار الاحتكار الشرعي للعنف، وظهور المليشيات والتنظيمات المسلحة، ثم انزلاق البلاد إلى الحروب الأهلية والتدخلات الخارجية.

وقد بدت هذه القراءة، بعد سنوات من الربيع العربي، أكثر إقناعا مما كانت عليه عند اندلاع الاحتجاجات، إذ كشفت التجارب الليبية والسورية واليمنية أن انهيار السلطة المركزية خلق فراغا أمنيا واسعا استغلته جماعات مسلحة وتنظيمات جهادية ، كما فتح المجال أمام تدخلات إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد النزاعات وتعقيد فرص التسوية السياسية.

ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن المدخلية أصابت في التنبيه إلى أن إسقاط الدولة لا يعني بالضرورة بناء دولة أفضل، وأن انهيار المؤسسات يمثل أحد أخطر السيناريوهات التي يمكن أن تواجه المجتمعات، وهي فكرة تتقاطع مع أدبيات علم السياسة المقارن التي تؤكد أن قدرة الدولة المؤسسية شرط أساسي للاستقرار والتحول الديمقراطي.

لكن الإشكال لا يكمن في أصل الملاحظة، وإنما في تحويلها إلى قاعدة كلية. فالمدخلية افترضت أن جميع الثورات تنتهي بالضرورة إلى النتيجة نفسها، مع أن الدراسات المقارنة في التحول السياسي تشير إلى أن مآلات الثورات تختلف باختلاف قوة المؤسسات، وطبيعة الجيش، وتركيبة المجتمع، ومستوى التدخل الخارجي، ووجود توافقات سياسية داخلية.

فالثورة ليست متغيرا مستقلا يفضي دائما إلى النتيجة ذاتها، وإنما هي عملية اجتماعية وسياسية تتأثر بجملة من العوامل البنيوية. ولذلك يصعب وضع ليبيا وسوريا في السلة نفسها مع تجارب شهدت انتقالا سياسيا أكثر سلمية أو أقل كلفة.

ومن ثم فإن الخطأ المنهجي للمدخلية لم يكن في توصيف مخاطر انهيار الدولة، وإنما في تعميم تجربة الدول المنهارة على جميع البيئات السياسية، وتحويل الاستقراء الجزئي إلى حكم فقهي وسياسي مطلق.

ترى المدخلية أن المعارضة الشعبية الواسعة تضعف الدولة من الداخل، وتفتح المجال أمام القوى الخارجية لاستغلال الانقسام الداخلي. ولذلك اعتبرت أن الحفاظ على تماسك الدولة مقدم على المطالب السياسية، حتى مع وجود مظالم أو اختلالات في أداء السلطة.

ولا يمكن إنكار أن كثيرا من القوى الإقليمية والدولية استثمرت بالفعل في أزمات الربيع العربي، وأن بعض الدول تحولت إلى ساحات تنافس بين مشاريع إقليمية متصارعة. كما أن العلوم السياسية تؤكد أن الدول المنقسمة داخليا تصبح أكثر عرضة للاختراق الخارجي.

إلا أن المدخلية تجاوزت هذا الوصف الواقعي إلى بناء نتيجة معيارية مفادها أن أي معارضة سياسية قد تمثل تهديدا للأمن الوطني، وهو انتقال لا يسنده التحليل السياسي ولا التراث الفقهي على إطلاقه.

فالفقه الإسلامي لم يجعل حفظ الدولة مرادفا لحفظ السلطة، ولم يجعل الطاعة قيمة مستقلة عن مقاصدها، بل ربطها بقيام الإمام بوظائفه الأساسية في إقامة العدل، وحفظ الدين، وصيانة الحقوق، وتحقيق المصالح العامة. ولذلك فإن الطاعة في التصور الفقهي ليست تفويضا مفتوحا، وإنما هي جزء من عقد سياسي وأخلاقي يقوم على تبادل الواجبات بين الحاكم والمحكوم.

كما أن الفكر السياسي الحديث يميز بوضوح بين الدولة باعتبارها مؤسسة دائمة، وبين الحكومة باعتبارها سلطة قابلة للتغيير. أما الخطاب المدخلي فقد ألغى هذا التمييز في كثير من الأحيان، بحيث أصبح نقد الحكومة يفهم باعتباره تهديدا للدولة نفسها، وهو ما أدى إلى تضييق مساحة العمل السياسي المشروع.

ومن هنا فإن المشكلة لا تكمن في أهمية الاستقرار، وإنما في تحويله إلى قيمة مطلقة تطغى على بقية القيم السياسية والدستورية، مثل العدالة والمساءلة والمشاركة الشعبية.

تمثل هذه الحجة الثالثةأكثر أطروحات المدخلية قوة من الناحية الأخلاقية، إذ تؤكد أن حفظ الدماء ووحدة المجتمع أولى من تحقيق مكاسب سياسية قد تكون مؤقتة أو غير مضمونة.

ويجد هذا الموقف دعما في التراث الإسلامي الذي جعل حفظ النفس من الضرورات الخمس، كما يجد ما يؤيده في نظريات بناء السلام التي تؤكد أن كلفة الحروب الأهلية تفوق بكثير كلفة الإصلاح التدريجي.

كما أن التجارب العربية أظهرت أن بعض المجتمعات دفعت أثمانا بشرية واقتصادية هائلة نتيجة انزلاق الاحتجاجات إلى الصراع المسلح.

غير أن قوة هذه الحجة تضعف عندما تتوسع المدخلية في مفهوم الفتنة إلى الحد الذي يذوب فيه الفرق بين أشكال المعارضة المختلفة.

فالاحتجاج السلمي، والمظاهرة القانونية، والعمل الحزبي، والنقد الإعلامي، والرقابة البرلمانية، والدعوى القضائية، والعصيان المدني السلمي، جميعها وسائل تختلف جذريا عن التمرد العسكري أو الثورة المسلحة. لكن الخطاب المدخلي غالبا ما تعامل معها باعتبارها حلقات في سلسلة واحدة تنتهي بالخروج على الحاكم.

وهذا الخلط أدى إلى تضييق المجال العام، وإضعاف أدوات الإصلاح السلمي، مع أن إغلاق قنوات التعبير القانونية قد يدفع بعض الفاعلين لاحقاً إلى تبني خيارات أكثر راديكالية، وهو ما تؤكده دراسات الحركات الاجتماعية التي تربط بين انسداد المجال السياسي وتصاعد احتمالات العنف.

وبالتالي فإن الحفاظ على السلم الأهلي لا يقتضي إلغاء المعارضة، وإنما يقتضي تنظيمها ضمن أطر قانونية تمنع تحولها إلى صراع مسلح.

بقي الخطاب المدخلي أسير ثنائية حادة تختزل المجال السياسي في خيارين لا ثالث لهما: الطاعة المطلقة أو الفتنة، والاستقرار أو الفوضى، والدولة أو الثورة. بينما تكشف التجارب المقارنة وجود مساحات واسعة بين هذين الحدين، تشمل الإصلاح الدستوري، والتداول السلمي على السلطة، والاحتجاج المنظم، وآليات الرقابة والمحاسبة.

ومن ثم فإن المدخلية أصابت في التحذير من مآلات بعض الثورات، لكنها أخطأت حين عممت تلك المآلات على جميع السياقات، وحين حولت التقدير السياسي الظرفي إلى حكم فقهي دائم..

فقد انتهى الخطاب المدخلي إلى تعميم أحكام استثنائية على جميع السياقات، وألغى الفروق بين الاحتجاج السلمي والتمرد المسلح، وبين المعارضة السياسية والخروج على الحاكم، وبين حماية الدولة وحماية السلطة القائمة. وبهذا تحولت مفاهيم شرعية مثل الطاعة ودرء الفتنة إلى أدوات تفسير شاملة للواقع السياسي، رغم أن الفقه الإسلامي والتجارب الدستورية الحديثة يقدمان تصورات أكثر مرونة، تسمح بالجمع بين حفظ الاستقرار وصيانة الحقوق السياسية.

وعليه، فإن القراءة الأكاديمية المتوازنة لا ترفض الموقف المدخلي جملة ولا تقبله جملة، بل تميز بين الاستبصار الواقعي الذي أثبتته بعض الوقائع، والتعميم المنهجي الذي قلل من قدرة هذا التيار على استيعاب تنوع التجارب السياسية واختلاف مسارات التحول في العالم العربي.

 

 

خاتمة

تكشف هذه الدراسة أن الاختلاف بين السلفية العلمية والسلفية المدخلية يتجاوز مستوى الخلاف الفقهي التقليدي، ليعكس في جوهره تصورين مختلفين لوظيفة العالم الديني في المجال العام، ولطبيعة العلاقة بين السلطة والمؤسسة الدينية. فالسلفية العلمية حافظت في غالب تجلياتها على أولوية التعليم الشرعي والعناية بالنصوص مع الابتعاد النسبي عن الانخراط المباشر في الصراع السياسي. في المقابل، أعادت السلفية المدخلية بناء هرمها الأولوياتي حول مفهوم السمع والطاعة وحماية الدولة.

ولم يكن هذا التحول محصلة عامل منفرد، بل كان ناتجا عن تفاعل بين إعادة تفسير التراث النصي السني، وتغيرات بنيوية في علاقة الدولة الحديثة بالمؤسسة الدينية، وتحولات جيوسياسية إقليمية عميقة أعادت رسم خريطة التنافسات الأيديولوجية والدينية.

ومن ثم فإن فهم المدخلية يستلزم تجاوز التفسيرات الاختزالية التي تحصرها في التمويل أو في النصوص وحدها، والنظر إليها بوصفها ظاهرة فكرية وسياسية بالغة التعقيد نشأت عند تقاطع التراث الفقهي مع متغيرات الدولة الحديثة والجغرافيا السياسية الإقليمية. وتبقى ثمة أسئلة جوهرية مفتوحة تستحق الدراسة المستقبلية، أبرزها ما مالات هذا التيار مع التحولات الجيلية في جمهوره، وهل يملك القدرة على مراجعة ذاتية داخلية أم أن بنيته التوظيفية تعيق ذلك هيكليا؟

المراجع والمصادر

أولا: المراجع العربية

الأسد، ناصر الدين. السلفية بين التقليد والتجديد. القاهرة: دار النشر للجامعات، 2005.

أبو رمان، محمد. السلفيون والربيع العربي: سؤال الدين والديمقراطية. عمان: مركز الدراسات الاستراتيجية، 2013.

بلقزيز، عبدالإله. الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2002.

بشارة، عزمي. الدين والعلمانية في سياق تاريخي. بيروت: المركز العربي للأبحاث، 2013.

البشري، طارق. المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1988.

جفري، علي. الفقه السياسي الإسلامي بين التراث والمعاصرة. بيروت: دار الفتح، 2008.

حافظ دياب، محمد. السلفية والثورة: من الحركة الدعوية إلى الفاعل السياسي. لندن: مدارك للنشر، 2015.

الريسوني، أحمد. نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي. فيرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1992.

السويحة، ياسين. الحركات السلفية في ليبيا: الهوية والسلطة والدولة. بيروت: مركز كارنيغي، 2016.

الشنقيطي، محمد المختار. أزمة الحضارة الإسلامية: جذور الخلاف وآفاق التجديد. الدوحة: مركز الجزيرة، 2011.

العثماني، سعد الدين. الدين والسياسة: تمييزا لا فصلا. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2009.

العتيبي، عبدالله بن بجاد. السلفية: المفهوم والمرجعية والسياق. الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات، 2015.

العوا، محمد سليم. في النظام السياسي للدولة الإسلامية. القاهرة: دار الشروق، 1983.

هويدي، فهمي. الإسلام والديمقراطية. القاهرة: مركز الأهرام للدراسات السياسية، 1993.

المدخلي، ربيع بن هادي. المحجة البيضاء في الدفاع عن السنة. الرياض: دار المنهاج، 1994.

ثانيا: المراجع الفرنسية والأجنبية

Al-Rasheed, Madawi. A History of Saudi Arabia. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Amghar, Samir. Le salafisme d'aujourd'hui. Mouvements sectaires en Occident. Paris: Michalon, 2011.

Burgat, François. L'islamisme au Maghreb. Paris: Karthala, 1988.

Guidère, Mathieu. Atlas du terrorisme islamiste. Paris: Autrement, 2017.

Hegghammer, Thomas. Jihad in Saudi Arabia: Violence and Pan-Islamism since 1979. Cambridge: Cambridge University Press, 2010.

Kepel, Gilles. Jihad. Expansion et déclin de l'islamisme. Paris: Gallimard, 2000.

Kepel, Gilles. La Fracture. Paris: Gallimard, 2016.

Lacroix, Stéphane. Les islamistes saoudiens. Une insurrection avortée. Paris: PUF, 2010.

Lacroix, Stéphane. Awakening Islam: The Politics of Religious Dissent in Contemporary Saudi Arabia. Cambridge: Harvard University Press, 2011.

Luizard, Jean-Pierre (dir.). Le choc colonial et l'islam. Paris: La Découverte, 2006.

Maréchal, Brigitte. Les Frères musulmans en Europe. Racines et discours. Paris: PUF, 2009.

Meijer, Roel (dir.). Global Salafism: Islam's New Religious Movement. New York: Columbia University Press, 2009.

Rougier, Bernard. L'Oumma en fragments. Contrôler le sunnisme au Liban. Paris: PUF, 2011.

Roussillon, Alain. Identité et modernité. Les voyageurs égyptiens en France au XIXe siècle. Paris: Sindbad, 1993.

Roy, Olivier. L'échec de l'islam politique. Paris: Seuil, 1992.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...