الثلاثاء، 9 يونيو 2026

الحاكمية الجهادية بين النكاية والتمكين : دراسة مقارنة لاستراتيجيات الحكم لدى الظواهري وأبي بكر ناجي


  

المقدمة

 

شهدت السنوات الأخيرة تحولا لافتا في اهتمامات الجماعات الجهادية المسلحة، حيث لم يعد دورها مقتصراعلى العمليات العسكرية والأمنية البحتة، بل امتد ليشمل الانخراط في أنشطة الحكم والإدارة في المناطق الخاضعة لسيطرتها . هذا التحول، الذي يمكن وصفه بالانتقال من استراتيجية النكاية (إضعاف العدو) إلى استراتيجية التمكين (بناء كيان حاكم)، يمثل ظاهرة مركبة ومتنامية في سياق الصراعات المعاصرة. إن فهم دوافع وآليات هذا الانخراط في الحكم، الذي قد يطلق عليه الحاكمية الجهادية، يكتسب أهمية خاصة لتجاوز التفسيرات الأمنية التقليدية والتعمق في الأبعاد الاستراتيجية والسياسية والاجتماعية لهذه الجماعات.

تنطلق هذه الدراسة من تحليل الجذور الفكرية والاستراتيجية التي تفسر اهتمام الجماعات الجهادية بالحكم، مع التركيز على مرجعيتين فكريتين رئيسيتين أسهمتا في بلورة هذا التوجه: أيمن الظواهري، الزعيم السابق لتنظيم القاعدة، وأبو بكر ناجي، مؤلف كتاب (إدارة التوحش) تهدف الدراسة إلى إجراء تحليل مقارن لاستراتيجيتي الظواهري وناجي، ورصد تطبيقاتهما المعاصرة، لتحديد الخصائص المشتركة والمتباينة لـ (الحاكمية الجهادية) في الممارسة.

الفرضية الرئيسية: إن الانخراط في أنشطة الحكم لدى الجماعات الجهادية ليس مجرد تكتيك عابر، بل هو تحول استراتيجي يهدف إلى بناء شرعية اجتماعية، وتأمين الموارد، وضمان الاستمرارية والبقاء في بيئات الصراع الهشة.

المنهجية: تعتمد الدراسة على المنهج التحليلي المقارن، حيث يتم تحليل النصوص الفكرية الرئيسية (رسائل الظواهري، كتاب إدارة التوحش) ومقارنتها بالتطبيقات العملية في دراسات الحالة (تنظيم القاعدة في العراق، حركة الشباب، جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، تنظيم الدولة الإسلامية).

مفهوم الحاكمية في الفكر الجهادي

يعد مفهوم الحاكمية الركيزة الأيديولوجية التي يقوم عليها الفكر الجهادي المعاصر، وهو يمثل الإطار النظري الذي يبرر السعي إلى الحكم وتكفير الأنظمة القائمة .

نشأ مفهوم الحاكمية في الفكر الإسلامي الحديث على يد أبي الأعلى المودودي وبلوره سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق)، حيث اعتبر أن الحاكمية هي أهم خصائص الألوهية، وأن الدين يقوم على هذا المبدأ . وقد تطور المفهوم ليصبح أساسا لـ تكفير الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله، واعتبار المجتمعات التي تعيش تحت حكمها جاهلية .

بالنسبة للجماعات الجهادية، فإن الحاكمية ليست مجرد مبدأ نظري، بل هي الغاية النهائية التي تبرر استخدام الجهاد المسلح (النكاية) والجهود الإدارية (التمكين). إن إقامة (دولة التوحيد) أو (الخلافة) هو الهدف الأسمى الذي يتطلب بالضرورة السيطرة على الأرض والسكان، وهو ما يفسر الانتقال من مجرد القتال إلى محاولة بناء مؤسسات حكم بديلة. هذا الإطار الأيديولوجي يمنح الجماعات الجهادية دافعا قويا لتضمين وظائف الدولة في مشروعها، ليس كإجراء تكتيكي فحسب، بل كجزء لا يتجزأ من عقيدتها.

استراتيجية كسب القلوب والعقول الظواهري ومدرسة القاعدة

تعد استراتيجية (كسب القلوب والعقول) التي صاغها أيمن الظواهري نقطة تحول جوهرية في مسار الحركات الجهادية المعاصرة، حيث مثلت انتقالا من مفهوم الطليعة المقاتلة المنعزلة إلى مفهوم الأمة المجاهدة الحاضنة. هذا التحول لم يكن مجرد مناورة تكتيكية، بل كان إدراكا عميقا بأن القوة العسكرية الصرفة، مهما بلغت شدتها، تظل قاصرة عن إقامة كيان مستدام ما لم تستند إلى شرعية اجتماعية وقبول شعبي واسع. وقد تجلى هذا الفكر بوضوح في الرسالة التاريخية التي وجهها الظواهري إلى أبي مصعب الزرقاوي في عام 2005، والتي اعتبرت وثيقة تأسيسية لمدرسة الواقعية الجهادية. في تلك الرسالة، حذر الظواهري من أن الانغماس في العنف المفرط واستهداف المدنيين أو الرموز الدينية لعامة المسلمين سيؤدي حتما إلى عزل المجاهدين عن حاضنتهم الطبيعية، مشددا على أن أقوى سلاح في يد المجاهدين هو دعم الجماهير، وأن خسارة هذا الدعم تعني الهزيمة الحتمية حتى لو تحققت انتصارات عسكرية مؤقتة. إن هذا المنظور يعيد تعريف المعركة باعتبارها صراعا على الإرادة والولاء قبل أن تكون صراعا على الأرض والموارد، حيث يصبح الإعلام والإدارة والقضاء أدوات لا تقل أهمية عن البندقية والعبوة الناسفة.

وبالتعمق في المعطيات الميدانية لتطبيق هذه الاستراتيجية، نجد أن تنظيمات مثل (حركة الشباب) في الصومال قد حولت تنظير الظواهري إلى هيكلية حكم موازية تتسم بالتعقيد والكفاءة. لم تعد الحركة مجرد تنظيم مسلح يشن هجمات خاطفة، بل أصبحت كيانا إداريا يدير (دواوين) أو مكاتب متخصصة تشبه الوزارات في الدول الحديثة. فعلى سبيل المثال، يدير(المكتب المالي) نظاما ضريبيا محكما يتجاوز في قدرته على التحصيل نظام الدولة الصومالية الرسمية، حيث تشير التقارير الدولية إلى أن الحركة تجمع سنويا ما يزيد عن 100 مليون دولار من خلال جباية الضرائب على التجارة، والزراعة، وحتى المعاملات العقارية في مناطق لا تخضع لسيطرتها المباشرة. هذا النجاح المالي لا يعتمد فقط على الإكراه، بل يرتكز على الشرعية الوظيفية التي توفرها الحركة فالمواطن الصومالي قد يفضل دفع الزكاة أو الضرائب للحركة مقابل الحصول على أمن وعدالة فورية. وهنا يبرز دور المكتب القضائي التابع للحركة، والذي يعد العمود الفقري لشرعيتها الاجتماعية؛ إذ توفر محاكمها المتنقلة فضاً سريعاً للنزاعات القبلية والعقارية في بيئة تعاني من فساد وبطء القضاء الرسمي، مما جعل الكثير من السكان، وحتى الخصوم السياسيين، يلجأون لقضاء الحركة لضمان تنفيذ الأحكام وسرعة البت فيها.

وفي سياق مشابه، قدمت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) في منطقة الساحل الإفريقي نموذجا متقدما للتكيف المحلي والوساطة الاجتماعية. استوعبت الجماعة دروس الظواهري حول ضرورة (التناغم مع البنى القبلية)، فبدلا من فرض نموذج حكم غريب، عمدت إلى التغلغل في النسيج الاجتماعي لقبائل (الفلاني) وغيرها، مستغلة المظالم التاريخية وضعف حضور الدولة المركزية. لم تكتف الجماعة بالسيطرة العسكرية، بل تحولت إلى (وسيط محلي) يتدخل لفض النزاعات بين الرعاة والمزارعين حول الموارد المائية والمراعي، وهي النزاعات التي كانت تاريخيا وقودا للحروب الأهلية في المنطقة. من خلال تقمص دور الحامي والقاضي، استطاعت الجماعة تحويل نفوذها من سلطة قسرية تخشاها الشعوب إلى سلطة اجتماعية مقبولة في كثير من الأوساط الريفية. هذا التغلغل جعل من الصعب جدا على القوات الدولية والمحلية اجتثاث الجماعة عسكريا، لأنها أصبحت جزءا من الحلول المحلية لمشاكل السكان اليومية، مما يثبت أن القلوب والعقول تكسب عبر ملء الفراغ الخدمي والقانوني الذي تتركه الدولة.

إن التحليل الموسع لهذه الاستراتيجية يكشف عن مفارقة جوهرية؛ وهي أن الحركات الجهادية التي تتبع مدرسة الظواهري باتت تستثمر في الاستقرار بقدر استثمارها في الفوضى. فبينما تسعى لزعزعة استقرار الحكومات المركزية، تعمل في الوقت ذاته على فرض نظام صارم ومستقر في مناطق نفوذها. هذا النظام البديل يعتمد على تقديم حزمة متكاملة من الخدمات تشمل التعليم (عبر الكتاتيب والمدارس القرانية)، والرعاية الصحية الأولية، والإغاثة في أوقات الجفاف.

يمكن القول إن استراتيجية الظواهري قد نجحت في تحويل القاعدة من تنظيم مركزي مهدد بالزوال بعد ضربات 11 سبتمبر، إلى شبكة من الكيانات الحاكمة الموازية العابرة للحدود. إن هذا النجاح يفرض تحديات هائلة على استراتيجيات مكافحة الإرهاب التقليدية فالمواجهة العسكرية وحدها لم تعد كافية لتفكيك تنظيمات أصبحت متجذرة في بنى اجتماعية واقتصادية معقدة. إن معركة القلوب والعقول التي دعا إليها الظواهري قد أدت إلى نشوء دول داخل الدول، حيث يتم تبادل الولاء بالخدمات، والاعتراف بالعدل. وبناء على المعطيات الراهنة، فإن استمرارية هذه الجماعات لم تعد مرهونة بوجود قيادات كاريزمية أو تمويل خارجي، بل بمدى فشل الدول المركزية في توفير بدائل حقيقية تلبي احتياجات المواطنين الأساسية في العدل والأمن والكرامة. لقد أدرك الظواهري أن الأمة هي الحصن الأخير، ومن خلال جعل الجهاد مشروعا اجتماعيا شاملا، ضمن لمدرسته بقاء طويلا يتجاوز عمره الشخصي، ويجعل من فكره تحديا مستمرا للاستقرار الإقليمي والدولي.

استراتيجية إدارة التوحش أبو بكر ناجي ومدرسة الدولة الإسلامية

يمثل كتاب إدارة التوحش أخطر مرحلة ستمر بها الأمة لأبي بكر ناجي، المعروف أيضا بسيف العدل، إطارا استراتيجيا متكاملا يهدف إلى الانتقال من حالة الجهاد إلى حالة الدولة، وذلك عبر مرحلة انتقالية قاسية تعرف بـ (إدارة التوحش). يقدم ناجي في هذا الكتاب تصورا نظريا لمرحلة يراها حتمية في مسار الصراع، وهي المرحلة التي تعقب انهيار الدولة المركزية أو انسحابها من أطراف جغرافية واسعة . في هذا السياق، لا يعرف التوحش بوصفه حالة فوضى عشوائية فحسب، بل باعتباره واقعا سياسيا واجتماعيا يتسم بغياب السلطة والقانون، وتفكك منظومات الأمن والخدمات، وتنامي الخوف وعدم اليقين لدى السكان. هذه البيئة، بحسب أبي بكر ناجي، ليست ناتجا ثانويا للصراع، وإنما فضاء استراتيجي قابل للتوظيف إذا ما أحسن التعامل معه، إذ يرى أن الفوضى تنتج قابلية شعبية للقبول بأي قوة قادرة على فرض الحد الأدنى من النظام والأمان .

من هذا المنطلق، ينتقل ناجي إلى مفهوم الإدارة، الذي يشكل جوهر أطروحته. فالإدارة تعني تدخلا منظما ومقصودا من قبل الجماعة المسلحة لملء فراغ السلطة في مناطق التوحش، عبر الجمع بين القسر العسكري وتقديم وظائف حكم أساسية. لا يقدم ناجي الإدارة بوصفها مجرد سيطرة أمنية، بل كعملية بناء تدريجية لسلطة بديلة تقوم على فرض الانضباط، وتنظيم شؤون الحياة اليومية، وتأمين الموارد، وإدارة العلاقات مع السكان المحليين. ويؤكد أن نجاح هذه الإدارة مرهون بالقدرة على الجمع بين الشدة والمرونة الشدة في مواجهة الخصوم وكل ما يهدد استقرار الكيان الناشئ، والمرونة في التعامل مع المجتمع المحلي وكسب تعاونه، أو على الأقل تحييده .

في تصور ناجي، تمتل إدارة التوحش مرحلة وسيطة بين النكاية والتمكين. فهي ليست الغاية النهائية، بل أداة لتهيئة البيئة الاجتماعية والسياسية لقيام كيان حاكم أكثر استقرارا. ويشدد على أن الفشل في هذه المرحلة، سواء عبر الإفراط في العنف غير المنضبط أو العجز عن تقديم حد أدنى من الخدمات، يؤدي إلى فقدان الحاضنة الاجتماعية وإعادة إنتاج الفوضى، بما يفتح الباب لعودة قوى منافسة. لذلك، يولي أهمية كبيرة لمسائل التنظيم الداخلي، وتوزيع الأدوار، وضبط الموارد، وبناء صورة ذهنية للسلطة الجديدة بوصفها البديل الممكن في سياق الانهيار .

وعليه، فإن مفهوم إدارة التوحش عند أبي بكر ناجي يعكس رؤية براغماتية للحكم في سياق الصراع، تقوم على استثمار الفوضى وتحويلها إلى نظام قسري/وظيفي، يهدف في النهاية إلى الانتقال من حالة اللا دولة إلى شكل من أشكال الدولة البديلة. هذه الرؤية، وإن كانت تنطلق من منطلقات أيديولوجية واضحة، فإنها تكشف في جوهرها عن فهم عميق لديناميات الفراغ السلطوي، ولعلاقة الأمن والخدمات بالشرعية في البيئات الهشة .

تعتمد استراتيجية إدارة التوحش على معادلة تجمع بين الشدة المفرطة وتقديم الخدمات الأساسية . فالكيانات التي تسعى لفرض نظامها بالقوة، وخاصة تلك التي تنشأ في سياقات الصراع غير المتكافئة، تعتمد على مجموعة من الآليات المتشابكة التي تتراوح بين العنف المفرط ومحاولات الإدارة الأساسية، وهو ما يولد تناقضا بنيويا يهدد استمراريتها. في دراسة حالة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، يتجلى هذا النموذج بوضوح عبر ثلاثة محاور رئيسية

أولا، فرض النظام بالقوة كآلية أساسية للسيطرة. لم يكن استخدام العنف المفرط مجرد تكتيك عسكري، بل كان استراتيجية شاملة تهدف إلى ردع المنافسين وإخضاع السكان بشكل كامل من خلال الترهيب. لقد اعتمد التنظيم على تطبيق عقوبات قاسية للغاية، والتي كانت تعرض علنا، لترسيخ سلطته المطلقة. هذا العنف، الذي وصفته التقارير بأنه أداة أساسية لـ التطهير والردع، مكن داعش من فرض نظام صارم في مناطق سيطرته في العراق وسوريا. الهدف من هذا الترهيب هو القضاء على أي شكل من أشكال المقاومة أو التفكير في التمرد، مما يضمن طاعة فورية وغير مشروطة .

ثانيا، بناء هيكل للإدارة الأساسية لترسيخ وجوده ككيان دولة. تضمنت هذه المحاولات تنظيم الموارد الاقتصادية الحيوية، مثل جباية الضرائب والسيطرة على حقول النفط، لتمويل عملياته. كما سعى التنظيم إلى توفير خدمات بدائية للسكان، بما في ذلك إمدادات المياه والكهرباء، وإقامة نظام قضائي خاص به. كانت هذه التجربة محاولة للجمع بين السيطرة العسكرية وتقديم الخدمات الإدارية، مما أدى إلى خلق ما يمكن تسميته بـ عقد اجتماعي قسري. بموجب هذا العقد، كان التنظيم يقدم مستوى من الأمن والنظام وإن كان وحشيا مقابل الطاعة الكاملة والقبول بسلطته .

ثالثا، يكمن الخلل الجوهري في هذا النموذج في التناقض البنيوي الكامن بين الآليتين السابقتين. فمن ناحية، يعتمد التنظيم على العنف المفرط والترهيب لفرض سيطرته، وهي أساليب تنفر السكان وتدفعهم إلى النفور السري أو العلني. ومن ناحية أخرى، يحاول بناء شرعية تتطلب قدرا من القبول الشعبي والتعاون لضمان استدامة الإدارة. هذا التناقض بين القسوة المطلقة ومحاولة بناء الشرعية هو ما أدى إلى فشل نموذج داعش. لقد أظهرت التجربة أن الدعم القسري الذي تم الحصول عليه من خلال الترهيب هو دعم هش وغير مستدام. فعند أول تدخل خارجي أو تغير في موازين القوى، ينهار هذا الدعم سريعا لأن العنف المفرط الذي مارسه التنظيم أدى إلى نفور شعبي واسع النطاق وتوليد مقاومة محلية قوية. بعبارة أخرى، إن الآلية التي استخدمها التنظيم لفرض النظام كانت هي نفسها الآلية التي قوضت شرعيته وأدت في النهاية إلى زوال سيطرته الإقليمية .

يؤكد المؤلف أن مرحلة التوحش تعد المرحلة الثانية بعد المرحلة الأولى التي تتمثل بـ (شوكة النكاية والإنهاك)، وقبل المرحلة الثالثة والأخيرة التي تقود إلى (التمكين) أي إقامة الدولة الإسلامية، حسب الخطاب الجهادي . ويرى أن هناك مناطق رئيسة تمر بهذه المراحل، في حين أن هناك مناطق أخرى غير رئيسة لا تمر إلا بمرحلتين أي أنها لا تمر بمرحلة (إدارة التوحش) التي يأتيها التمكين من الخارج . ويشير الكتاب إلى أن عملية اختيار المناطق للدخول إلى (دائرة المناطق الرئيسية) اعتمدت على دراسات وبحوث مرتبطة بالأحداث الجارية. وبعد أحداث 11 سبتمبر، أعلنت القيادة بعض التعديلات، فاستبعدت بعض المناطق وأدخلت بلدين أو منطقتين إضافيتين هما بلاد الحرمين ونيجيريا، لتصبح الدول المرشحة مبدئيا للدخول في مجموعة المناطق الرئيسية هي: الأردن، بلاد المغرب، نيجيريا، باكستان، بلاد الحرمين، واليمن .

تعتمد عملية التصنيف هذه، كما يعتقد المؤلف، على مجموعة من المقومات، منها: وجود عمق جغرافي وتضاريس تسمح بإقامة مناطق تدار بنظام إدارة التوحش، وضعف النظام الحاكم وقواته، ووجود مد إسلامي جهادي مبشر، وطبيعة الناس في هذه المناطق، وانتشار السلاح بأيدي الناس فيها. كما أن أغلب الدول المرشحة في جهات متباعدة مما يصعب مهمة أي قوات دولية في الانتشار في مساحة واسعة في عمق العالم الإسلامي .

يربط المؤلف في الفصل الأول من الكتاب بين الوصول إلى (إدارة التوحش) والمرحلة التي تسبقها أي مرحلة (شوكة النكاية والإنهاك) التي تتمثل بأربعة أهداف: إنهاك قوات العدو وتشتيت جهودها، جذب شباب جدد للعمل الجهادي بعمليات نوعية، إخراج المناطق المختارة من سيطرة الأنظمة، والارتقاء بمجموعة النكاية ليكونوا مهيئين نفسيا وعمليا لمرحلة إدارة التوحش . ويقترح المؤلف لتطبيق هذه النظرية خطتين: الأولى، تنويع وتوسيع ضربات النكاية في العدو الصليبي والصهيوني في كل بقاع العالم الإسلامي وخارجه، بحيث يحدث تشتيت لجهود حلف العدو واستنزافه. والثانية، تشتيت قوى النظم السياسية الحاكمة في العالم العربي بإجبارها على توزيع قوى الأمن لديها لحماية العائلات المالكة، الأجانب، الاقتصاد، وأماكن اللذة .

يضع المؤلف قواعد لإدارة التوحش، تركز على رؤى استراتيجية تقود مشروعه الفكري والسياسي إلى هدفه، وهي عبارة عن مجموعة من الوصايا منها: إتقان الإدارة، اعتماد القواعد العسكرية المجربة، العمل دون كلل على تصاعد العمليات العسكرية، الضرب بأقصى قوة في أضعف نقاط العدو، اعتماد الشدة واتباع سياسة تقنع العدو بأنه لن يفلت من أي فعل يقوم به دون دفع الثمن، فهم بواعث الفكر والسلوك السياسي للأعداء والمجاورين، وفهم السياسة الإعلامية للعدو والرد عليها .

وقد أثر هذا الكتاب بشكل كبير على التنظيمات الجهادية، حيث ترجمته وزارة الدفاع الأمريكية للغة الإنجليزية بعد أن عثرت المخابرات الأمريكية على وثائق ورسائل موجهة من وإلى بن لادن تشمل فصولا من هذا الكتاب . كما أن الكتاب منع من التداول في كثير من الدول العربية، لكنه أصبح متاحا لاحقا في أكثر من 15 ألف رابط في الشبكة العنكبوتية

الخاتمة

تظهر المقارنة بين استراتيجيتي أيمن الظواهري وأبي بكر ناجي اختلافا واضحا في الوسائل ومستويات العنف، لكنها تكشف في العمق عن وحدة الهدف الاستراتيجي المتمثل في الانتقال من مرحلة النكاية والإنهاك إلى مرحلة التمكين وبناء كيان حاكم قادر على البقاء. فالخلاف ليس حول الغاية النهائية، بل حول الطريق الأنسب للوصول إليها، وحول كيفية إدارة العلاقة مع المجتمع المحلي في سياق انهيار الدولة أو ضعفها.

تنطلق مقاربة الظواهري، كما عبر عنها في مراسلاته مع قادة ميدانيين مثل أبي مصعب الزرقاوي، من إدراك مبكر بأن السلاح الحاسم في الصراع ليس القوة العسكرية وحدها، بل القبول الاجتماعي. لذلك شدد على ضرورة كسب القلوب والعقول عبر تجنب الإفراط في العنف، واحترام الأعراف المحلية، وتقديم شكل من أشكال الخدمات والعدالة البديلة عندما تعجز الدولة عن ذلك. هذا المنطق البراغماتي لا يتخلى عن مرجعية الحاكمية، لكنه يؤجل فرضها الصارم إلى مرحلة لاحقة، بعد ترسيخ قاعدة اجتماعية حاضنة. ويمكن ملاحظة آثار هذه المقاربة في تجارب فروع القاعدة في الساحل الأفريقي أو في الصومال، حيث سعت جماعات مثل نصرة الإسلام والمسلمين أو حركة الشباب إلى التغلغل في النسيج القبلي، وحل النزاعات المحلية، وتنظيم الجباية بشكل يبدو  نسبيا  أقل صدامية مع المجتمع، ما مكنها من الاستمرار رغم الضغوط العسكرية.

في المقابل، تقدم استراتيجية أبي بكر ناجي، كما صاغها في كتاب إدارة التوحش، تصورا أكثر راديكالية يقوم على استثمار الفوضى والعنف المفرط بوصفهما أدوات ضرورية لإعادة تشكيل المجتمع. يفترض هذا المنهج أن مرحلة الانهيار الشامل للدولة تخلق فراغا لا يمكن ملؤه إلا بالقوة الصارمة، وأن إخضاع السكان عبر الترهيب هو السبيل الأسرع لفرض النظام وتطبيق الحاكمية. هذا التصور يعلي من فقه المراحل لكنه يربط المراحل الأولى بجرعات عالية من العنف، باعتبارها شرطا لا غنى عنه للانتقال إلى التمكين. وقد تجسدت هذه الرؤية عمليا في تجربة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا، حيث حقق التنظيم سيطرة سريعة على مساحات واسعة مستفيدا من الانهيار الأمني، لكنه فشل في بناء شرعية اجتماعية حقيقية، ما جعله عرضة للانهيار السريع بمجرد تغير موازين القوة.

النتائج العملية لهذين النهجين تظهر بوضوح أن النجاح العسكري المؤقت لا يساوي بالضرورة قدرة على الحكم المستدام. فبينما استطاعت المقاربة الناعمة نسبيا المرتبطة بالقاعدة التكيف مع البيئات المحلية والبقاء كفاعل مؤثر على المدى المتوسط والطويل، أدت المقاربة القائمة على إدارة التوحش إلى نفور واسع من السكان المحليين، وسهلت تشكل تحالفات داخلية وخارجية ضدها. ومع ذلك، لا يعني هذا أن استراتيجية الظواهري أقل خطورة، بل إنها أكثر تعقيدا وصعوبة في المواجهة، لأنها تتخفى خلف ممارسات خدمية وقضائية بديلة تستغل إخفاقات الدولة.

هذا التحول في فهم الجماعات الجهادية للحكم يفرض تحديات حقيقية على صانعي السياسات، إذ لم يعد التعامل معها ممكنا عبر المقاربة الأمنية الصرفة. فهذه الجماعات تنجح أساسا في البيئات التي تعاني من ضعف الشرعية، وغياب العدالة، وتدهور الخدمات الأساسية. ومن ثم، فإن استعادة الشرعية الاجتماعية للدولة تصبح شرطا مركزيا لأي استراتيجية فعالة، عبر تحسين الحكامة، وتعزيز حضور مؤسسات العدالة، وتلبية الحاجات اليومية للسكان، لا سيما في المناطق الهامشية. كما أن فهم الديناميكيات المحلية، من قبائل وروابط اجتماعية واقتصادات غير رسمية،يعد أمرا حاسما، لأن الجماعات الجهادية تبني نفوذها من خلال هذه القنوات وليس في فراغ.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى توسيع البحث في قضايا لا تزال أقل تناولا، مثل أثر التمويل الذاتي القائم على الجباية والسيطرة على الموارد الطبيعية في تعزيز استقلالية هذه الجماعات وقدرتها على الحكم بعيدا عن الرعاة الخارجيين. كما أن تحليل تجارب ما يسمى بـالجهاد السياسي المعاصر، مثل حالة هيئة تحرير الشام في شمال سوريا، يقدم مادة غنية لفهم كيف تعاد  صياغة الاستراتيجيات القديمة بلغة جديدة، تجمع بين السعي إلى القبول المحلي ومحاولة فك الارتباط الرمزي مع النماذج الأكثر تطرفا. إن فهم هذه التحولات بعمق سيخدم البحث الأكاديمي مستقبلا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...