الأربعاء، 17 يونيو 2026

دراسة في البنية المنهجية لخطاب الحركات الجهادية


 

لطالما أثارت المواقف السياسية والتحولات الاستراتيجية للحركات الجهادية جدلا واسعا في الأوساط الأكاديمية والإعلامية. فبينما يميل المتابع العادي إلى تفسير هذه المواقف بوصفها ردود فعل انفعالية أو انعكاسات مباشرة للانتماءات المذهبية، تكشف القراءة المتفحصة عن وجود نسق مفاهيمي يحكم هذه التصرفات. إن الإشكال الحقيقي في مقاربة هذه الحركات لا يكمن في مواقفها الظاهرة بقدر ما يكمن في )البنية المنهجية( التي تنتج تلك المواقف. هذه البنية المنهجية، التي تتسم بالتعقيد والتأويل المستمر، تستدعي تحليلا يتجاوز السرديات السطحية.

يعتمد هذا البحث على فرضية مفادها أن الخطاب الجهادي يقدم نفسه كخطاب مؤسس على أدوات معرفية محددة، تهدف إلى )عقلنة( الفعل الحركي وربطه بمقاصد الشريعة وحسابات المصلحة والمفسدة. هذه العقلنة لا تعني بالضرورة التخلي عن الأيديولوجيا، بل هي محاولة لتكييفها مع المتغيرات الواقعية.

الأدوات المفاهيمية المؤطرة للخطاب الجهادي

تستند الحركات الجهادية في صياغة رؤيتها للواقع إلى ثلاثية مفاهيمية مستمدة من التراث الفقهي، لكنها أعيد تأويلها وتكييفها لتناسب العمل الحركي المعاصر، مما يمنحها مرونة ظاهرية في التعامل مع التحديات:

فقه الواقع

فقه الواقع  يعتبرحجر الزاوية في التفكير الحركي الجهادي، وهو يعني الإدراك العميق والشامل للظروف السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية المحيطة بالصراع. لم يعد الجهاد مجرد اندفاع عاطفي أو رد فعل لحظي، بل أصبح يتطلب -وفق أدبياتهم- إلماما دقيقا بموازين القوى الدولية والإقليمية، وتحليل المتغيرات المحلية والدولية. هذا المفهوم يسمح للحركات بتبرير التراجع التكتيكي، أو التهدئة المؤقتة، أو حتى تغيير الاستراتيجيات تحت مسمى(فهم الواقع) و(الاستطاعة)، وهي مفاهيم شرعية تستخدم لتغطية التحولات البراغماتية. إن فقه الواقع يعمل هنا كأداة لربط النص الديني بالمتغيرات السياسية، مما يمنح الحركة مرونة في الحركة والمناورة، ويسمح لها بتكييف خطابها وممارساتها مع الظروف المتغيرة دون التخلي عن أهدافها الكبرى.

فقه الأولويات

يقوم هذا المفهوم على مبدأ تقديم الأهم على المهم، ودرء المفسدة الكبرى بارتكاب المفسدة الصغرى، وهو مبدأ فقهي أصيل يُعاد توظيفه في السياق الجهادي. في هذا السياق، يتجلى ذلك في ترتيب الأهداف الاستراتيجية وتحديد الأعداء؛ فليس كل عدو يجب قتاله في آن واحد، بل هناك أولويات تفرضها طبيعة المرحلة وحسابات القوة والمصلحة. هذا النوع من الفقه يسمح للحركات بتأجيل صراعات تعتبرها حتمية (من وجهة نظرها الأيديولوجية) لصالح معارك آنية أكثر إلحاحا أو جدوى، مثل التركيز على (العدو القريب) قبل (العدو البعيد)، أو العكس، حسب تقدير القيادة. هذا الترتيب للأولويات يهدف إلى ترشيد الجهود وتوجيه الموارد نحو الأهداف الأكثر استراتيجية في كل مرحلة.

مقولات السياسة الشرعية

تمثل السياسة الشرعية الإطار الذي يمنح القائد الحركي مرونة في اتخاذ قرارات قد تبدو متناقضة مع الخطاب العقدي المتصلب، مثل إبرام الهدن، أو التحالفات الظرفية مع أطراف غير متوافقة أيديولوجيا، أو حتى المشاركة في عمليات سياسية محدودة، وذلك بناء على تقدير المصلحة العامة للمشروع الجهادي. يرى الباحثون أن هذا التوظيف للسياسة الشرعية يمثل نوعا من (البراغماتية المؤدلجة) التي تحاول الجمع بين نقاء المبدأ (الأيديولوجي) وضرورات الواقع (السياسي والعسكري). هذه المقولات توفر غطاء شرعيا للمناورات السياسية التي قد تبدو للوهلة الأولى خروجا عن الثوابت الأيديولوجية، لكنها تقدم على أنها ضرورة لتحقيق الأهداف الكبرى على المدى الطويل.

استراتيجية ترتيب الخصومات والعدو الأول

تتمحور الرؤية الجهادية حول فكرة مركزية مفادها أن الصراعات لا تقرأ بمنطق الثنائيات البسيطة أو العداء المطلق لكل المخالفين. بدلا من ذلك، يتم اعتماد مبدأ ترتيب الخصومات الذي يميز بين مستويات متعددة من العداء، وهو ما يعكس محاولة لترشيد الصراع وتوجيهه:

العدو المركزي (الأول): وهو الطرف الذي تبنى عليه الاستراتيجية العامة وتسخر له الموارد والطاقات. وغالبا ما يكون هذا العدو هو (العدو البعيد) (القوى الدولية الكبرى) أو (العدو القريب) (الأنظمة المحلية الحاكمة) حسب رؤية كل تنظيم وتوجهاته الأيديولوجية والاستراتيجية. تحديد العدو المركزي يسمح بتوحيد الجهود وتجنب تشتيت القوى في معارك غير مجدية.

العدو الثانوي/المرحلي: أطراف قد تكون معادية عقديا أو سياسيا، لكن الاشتباك معها يؤجل لعدم ملاءمة الظرف، أو لخدمة الهدف الكلي، أو لتجنب استنزاف الموارد. يمكن أن يشمل ذلك جماعات أخرى داخل التيار الإسلامي، أو حتى دولا إقليمية قد يتم التعامل معها ببراغماتية مؤقتة.

هذا الترتيب ليس تفصيلا نظريا مجردا، بل هو قاعدة استراتيجية تسمح بوجود مواقف براغماتية تبدو متناقضة ظاهريا لكنها منسجمة داخليا ضمن النسق الفكري للحركة. إن مفهوم (العدو الأول) يعمل كبوصلة تمنع تشتت الجهود في معارك جانبية قد تستنزف الحركة دون تحقيق مكاسب استراتيجية، ويسمح بتوجيه الضربات الأكثر فعالية ضد الخصم الأكثر خطورة في نظرهم.

نقد القراءة الطائفية والاختزال السطحي

ينتقد الخطاب الجهادي -في صوره الأكثر تنظيرا وعقلانية- القراءات التي تختزل الصراعات الإقليمية في ثنائية (سنية/شيعية) حادة. من منظور أكاديمي، يرى هذا الخطاب أن التحليل الطائفي المحض يمثل تبسيطا مخلا يلغي الفوارق الاستراتيجية والسياسية المعقدة، ويخلط بين مستويات متعددة من الصراع. هذا النقد لا يعني بالضرورة إلغاء البعد العقدي أو المذهبي، بل يسعى إلى وضعه في سياقه الصحيح ضمن سلم الأولويات الجهادية.

هذا التفريق بين الثابت العقدي والمتغير السياسي هو ما يفسر كيف يمكن لحركة ما أن تصف طرفا بصفات عقدية شديدة الحدة (مثل الابتداع أو الكفر)، بينما تتخذ حيالها موقفا سياسيا يقوم على التحييد، أو الهدنة، أو حتى التقاطع الظرفي في المصالح. إن هذا الفصل الوظيفي يسمح للحركة بالحفاظ على هويتها الأيديولوجية أمام أتباعها ومناصريها، مع ممارسة السياسة بمرونة أمام خصومها وحلفائها في الساحة الدولية والإقليمية  ومع ذلك، يظل هذا التفريق مصدرا للتوتر الداخلي والخارجي، حيث يمكن أن يتهم التنظيم بالازدواجية أو التنازل عن المبادئ.

العقلنة الحركية مقابل الشعبوية الانفعالية

يبرز توتر واضح بين القرار المنضبط للقيادات الحركية، الذي يستند إلى الأدوات المفاهيمية المذكورة، وبين التفاعلات الجماهيرية الشعبوية التي غالبا ما تتسم بالانفعال والتبسيط. فبينما تميل الجماهير (خصوصا في فضاءات التواصل الاجتماعي) إلى الأحكام السريعة والاصطفافات الفورية بناء على العاطفة أو المعلومات المجتزأة، يحاول الخطاب الجهادي تقديم نفسه كخطاب (مؤسسي) ومنضبط يراعي تعقيدات الواقع السياسي وتشابك المصالح الدولية والإقليمية.

التحليل العلمي يشير إلى أن هذه العقلنة هي محاولة لإضفاء شرعية فقهية وسياسية على قرارات قد لا تحظى بشعبية واسعة في أوساط الجمهور، أو لتبرير تحولات استراتيجية كبرى (مثل فك الارتباط بتنظيمات معينة أو تغيير المسميات لتجنب التصنيف الدولي كمنظمة إرهابية). إنها عملية فرز للعواطف والانفعالات الجماهيرية من خلال أدوات الفقه السياسي لضمان استمرارية التنظيم وبقائه في بيئة دولية معادية. هذا التباين بين الخطاب النخبوي والخطاب الجماهيري يعكس تحديا داخليا للحركات الجهادية في الحفاظ على تماسكها الأيديولوجي وقاعدتها الشعبية في آن واحد.

في الختام، يكشف التحليل مواقف الحركات الجهادية عن وجود نسق مفاهيمي معقد يحاول إنتاج نوع من العقلنة الداخلية لأفعالها وقراراتها. إن فهم هذه الحركات يتطلب تجاوز القراءات التبسيطية التي تحصرها في الطائفية أو العاطفة، والتركيز بدلا من ذلك على تفكيك بنيتها المنهجية، وفهم آلياتها في توظيف المفاهيم الفقهية والسياسية، ورصد حدود قدرتها على تفسير واقع سياسي متشابك ومعقد. إن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن يقتصر على صحة المواقف من عدمها، بل يجب أن يمتد إلى نقد المنهج الذي يصوغها وآلياته في إدارة الصراع، وإلى التحديات البنيوية التي تواجه هذا المنهج في عالم متغير.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...