الثلاثاء، 19 مايو 2026

التحول من الخلافة المكانية إلى الخلافة الشبكية


 

التحول من الخلافة المكانية إلى الخلافة الشبكية

لم تكن الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش في معاقله التقليدية بسوريا والعراق عام 2018 نهاية للتنظيم، بل كانت نقطة انطلاق لتحول بنيوي عميق. انتقل التنظيم من الخلافة الجغرافية المركزية إلى خلافة افتراضية لامركزية، مستفيدا من التحولات العميقة في السلوك الرقمي للأجيال الجديدة. يمثل هذا التحول انتقالا من السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الانتباه والخيال والهوية داخل الفضاء الرقمي .

يمثل الانتقال من مفهوم )الخلافة الجغرافية( إلى )الخلافة الافتراضية( أحد أهم التحولات البنيوية في تاريخ التنظيمات الجهادية المعاصرة، خصوصا بعد انهيار السيطرة المكانية لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا. فالتنظيم، الذي كان يعتمد في ذروة تمدده على فكرة )الأرض والتمكين( بوصفها أساس الشرعية السياسية والدينية، وجد نفسه بعد خسارة المجال الترابي أمام ضرورة إعادة تعريف وجوده واستمراريته. ومن هنا برز الفضاء الرقمي باعتباره بديلا استراتيجيا عن المجال الجغرافي، لإعادة إنتاج السلطة الرمزية والهوية الجهادية العابرة للحدود.

هذا التحول يعكس ما يمكن تسميته ب)السيولة التنظيمية(، أي قدرة التنظيم على التحرر من الأشكال الهرمية التقليدية والانتقال إلى بنية شبكية مرنة يصعب تفكيكها أمنيا. ففي المرحلة السابقة كان التنظيم يعتمد على مؤسسات إعلامية مركزية واضحة مثل )الفرقان( و)أعماق(، وكانت الرسائل الدعائية تصدر ضمن بنية شبه رسمية تخضع لتسلسل قيادي واضح. أما في المرحلة الجديدة، فقد أصبح التنظيم يستفيد من )النظام البيئي الرقمي غير الرسمي(، حيث يتحول الأنصار والمؤيدون إلى وحدات إعلامية مستقلة تعيد إنتاج الخطاب الجهادي بلغات وأساليب متعددة، دون حاجة إلى توجيه مباشر دائم من القيادة المركزية. وبهذا المعنى لم يعد التنظيم يظهر كهيكل هرمي مغلق، بل كـ)شبكة من الشبكات( تتكاثر داخل البيئة الرقمية بصورة ديناميكية ومتغيرة.

وقد أدى هذا التحول إلى تعميق ظاهرة اللامركزية المطلقة في العمل الدعائي والتنظيمي. فبدلا من الاعتماد على منصات إعلامية ثابتة يسهل استهدافها أو إغلاقها، باتت الدعاية الجهادية تنتشر عبر آلاف الحسابات الفردية والقنوات الصغيرة والمجموعات المؤقتة على تطبيقات متعددة. وتسمح هذه الاستراتيجية بإعادة إنتاج المحتوى بسرعة كبيرة حتى بعد حذف الحسابات أو إغلاق المنصات، مما يجعل عملية )الاستئصال الرقمي( شبه مستحيلة. كما أن هذه اللامركزية تمنح التنظيم قدرة عالية على التكيف مع الضغوط الأمنية، لأن سقوط عقدة رقمية معينة لا يؤدي إلى انهيار الشبكة بأكملها، بل يدفعها إلى إعادة التشكل في فضاءات جديدة.

وفي السياق نفسه، تطور الخطاب الدعائي من الصيغة التعبوية التقليدية إلى ما يمكن وصفه بـ)التطور الثقافي). فلم تعد الرسائل المتطرفة تقدم دائما في شكل خطب عقائدية أو إصدارات عسكرية مباشرة، بل أصبحت تدمج داخل محتويات ترفيهية وثقافية تتماشى مع ثقافة الإنترنت الحديثة، مثل الفيديوهات القصيرة، والميمات الساخرة، والألعاب الإلكترونية، والمقاطع الموسيقية المعدلة، والتصميمات البصرية السريعة التداول. هذا الدمج بين التطرف والترفيه يهدف إلى تقليل الحواجز النفسية لدى المتلقي، خصوصا لدى الفئات الشابة، عبر تقديم الرسالة الجهادية في قالب يبدو مألوفا وغير صادم في البداية. وهنا يتحول التطرف من خطاب أيديولوجي مباشر إلى ثقافة رقمية فرعية تتسلل تدريجيا داخل الحياة اليومية للمستخدمين.

كما استفادت التنظيمات الجهادية من البنية الخوارزمية للمنصات الرقمية الحديثة، إذ لم تعد عملية الوصول إلى الجمهور تعتمد فقط على البحث المباشر عن المحتوى المتطرف، بل أصبحت تتم عبر أنظمة الاقتراح الذكية التي تدفع المستخدم تدريجيا نحو محتويات أكثر راديكالية. فالخوارزميات المصممة لزيادة مدة التفاعل والمشاهدة تميل إلى اقتراح محتويات متقاربة أو أكثر إثارة، وهو ما تستغله الشبكات الجهادية عبر إنتاج مواد ذات طابع عاطفي وصدامي وقابل للانتشار السريع. وبهذا المعنى تتحول المنصة الرقمية نفسها، بصورة غير مباشرة، إلى وسيط يساهم في تسهيل الانتقال من الاستهلاك العادي للمحتوى إلى التعرض التدريجي للخطاب المتطرف.

ولا يقتصر هذا التحول على الجانب الإعلامي فقط، بل يمتد إلى طبيعة التجنيد والتعبئة وإعادة بناء الهوية الجهادية. ففي نموذج الخلافة الجغرافية كان الانتماء يرتبط بالهجرة المكانية والانضمام الفعلي إلى أرض التنظيم، أما في نموذج الخلافة الافتراضية فأصبح بالإمكان إنتاج شعور الانتماء دون انتقال جغرافي. فالمستخدم يمكن أن يندمج داخل مجتمع جهادي رقمي عابر للحدود، يشارك في تداوله للرموز والخطابات والدعاية، دون أن يغادر بلده أو يدخل معسكر تدريب. وهذا ما جعل مفهوم (العضوية) أكثر مرونة وغموضا، حيث لم يعد من السهل التمييز بين المتعاطف، والناشط الدعائي، والمؤيد العقائدي، والعنصر القابل للتحول إلى الفعل العنيف.

ومن ثم، فإن التحول من الخلافة الجغرافية إلى الخلافة الافتراضية لا يمثل مجرد انتقال تقني من الميدان العسكري إلى الإنترنت، بل يعبر عن إعادة هيكلة عميقة في طبيعة التنظيم الجهادي ذاته. لقد انتقل التنظيم من منطق السيطرة على الأرض إلى منطق السيطرة على التدفقات الرقمية والرمزية، ومن نموذج الدولة المركزية إلى نموذج الشبكات المرنة العابرة للحدود. وهذا التحول يمنحه قدرة أكبر على البقاء والاستمرار رغم الخسائر العسكرية، لأنه يجعل وجوده أقل ارتباطا بالمجال الترابي وأكثر ارتباطا بالفضاء الرقمي العالمي الذي يصعب ضبطه أو إخضاعه بالكامل.

إن معركة المستقبل مع التنظيمات الجهادية لم تعد أمنية بحتة، بل هي معركة حول تشكيل الوعي داخل الفضاء الرقمي.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...