الأحد، 3 مايو 2026

 

الحيداوي عبدالفتاح 

أبو مصعب السوري بين الخلفية الحركية الإخوانية ونقد العقلية السلفية

الحيداوي عبد الفتاح

تتناول هذه الدراسة تحليل شخصية ومنهج مصطفى بن عبد القادر ست مريم نصار المعروف باسم أبو مصعب السوري كأحد أبرز المنظرين والاستراتيجيين في التيار الجهادي العالمي. تركز الدراسة على التمييز الجوهري بين خلفيته الحركية المتأثرة بجماعة الإخوان المسلمين وتيار الطليعة المقاتلة وبين تبنيه للخطاب السلفي الجهادي مع إبراز نقده الحاد للعقلية السلفية الأصولية داخل تنظيم القاعدة. تظهر الدراسة أن السوري كان يمثل تيار الاستراتيجيين العسكريين الذين يضعون الفعالية السياسية والعملية فوق النقاء العقائدي مما وضعه في صدام مستمر مع السلفيين الأصوليين الذين رأوا فيه حركيا لم يتطهر من فيروس الإخوان المسلمين.

1 الخلفية الحركيةمن الإخوان المسلمين إلى الطليعة المقاتلة

تعود الخلفية الحركية لأبي مصعب السوري (مصطفى بن عبد القادر ست مريم) إلى سياق سوري مضطرب سياسيا وأيديولوجيا خلال سبعينيات القرن العشرين، حيث شهدت البلاد تصاعد التوتر بين النظام البعثي بقيادة حافظ الأسد والتيارات الإسلامية المعارضة و لد في مدينة حلب سنة 1958 في أسرة ذات نزعة صوفية، غير أن مساره الفكري والحركي لم يتشكل داخل هذا الإطار التقليدي، بل انخرط مبكرا في البيئة التنظيمية للحركة الإسلامية ذات الطابع الحركي السياسي.

في هذا السياق، تأثر بشكل خاص بأفكار الشيخ مروان حديد، الذي مثل أحد أبرز منظري المواجهة المسلحة داخل التيار الإسلامي السوري. وقد شكل حديد مرجعية فكرية وتنظيمية لما عرف لاحقا بـ(الطليعة المقاتلة)، وهي الجناح العسكري المرتبط بجماعة الإخوان المسلمين في سوريا، والذي تبنى خيار العنف المسلح وحرب العصابات ضد النظام. انضم أبو مصعب السوري إلى هذا التشكيل في مرحلة مبكرة، حيث خضع لتدريب عسكري وأمني مكثف، وشارك في أنشطة تنظيمية ذات طابع سري، مما أسهم في صقل هويته كـ(حركي جهادي) يجمع بين الوعي التنظيمي والخبرة الميدانية.

وقد مثلت هذه المرحلة التأسيسية مختبرا عمليا لاكتساب مهارات متعددة، شملت العمل الاستخباراتي، والتخطيط العملياتي، والتخفي الأمني، إضافة إلى فهم ديناميات العمل السري في مواجهة الدولة. كما ساهمت في ترسيخ قناعة مركزية لديه مفادها أن التغيير لا يمكن أن يتحقق عبر الوسائل الدعوية أو السياسية التقليدية، بل يتطلب أدوات قسرية وتنظيما عسكريا محكما.

غير أن هذه التجربة لم تخل من توترات داخلية، خاصة مع تزايد الخلافات بين الجناح العسكري (الطليعة المقاتلة) والقيادة التقليدية للإخوان. وقد بلغت هذه التوترات ذروتها بعد الضربات الأمنية القاسية التي تعرضت لها الحركة، خصوصا في أعقاب أحداث أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، والتي انتهت بمواجهات دامية مثل مجزرة حماة. في هذا السياق، بدأ أبو مصعب السوري يراجع موقعه داخل التنظيم، منتقدا ما اعتبره ضعفا في الرؤية الاستراتيجية و(دنيوية) بعض القيادات، أي تغليب الحسابات السياسية على منطق المواجهة الجذرية.

وفي عام 1983، أعلن انفصاله عن جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في مساره الحركي، حيث لم يكن هذا الانفصال تراجعا عن خيار العنف، بل إعادة توجيه له خارج الإطار المحلي السوري. فقد انتقل إلى الساحة الأفغانية التي كانت آنذاك تمثل مركز الثقل للجهاد العالمي، حيث التقى بالشيخ عبد الله عزام، الذي كان له تأثير بالغ في إعادة تشكيل رؤيته. وجد أبو مصعب في عزام نموذجا يجمع بين الشرعية الدينية والمشروع الجهادي العابر للحدود، وهو ما انسجم مع تطلعه لتجاوز محدودية التجربة السورية.

هكذا، يمكن القول إن الخلفية الحركية لأبي مصعب السوري لم تمح بانفصاله عن الإخوان، بل أعيد تركيبها ضمن أفق أوسع، انتقل فيه من (الجهاد المحلي) إلى (الجهاد العالمي). وقد حمل معه إلى هذا الفضاء الجديد رصيدا تنظيميا وعسكريا مهما، جعله لاحقا أحد أبرز المنظرين لاستراتيجيات الجهاد اللامركزي، وهو ما سيظهر بوضوح في كتاباته اللاحقة.

2 التبني للسلفية والصدام مع الذهنية السلفية

على الرغم من خلفيته الصوفية المبكرة والحركية الإخوانية تبنى أبو مصعب السوري المذاهب السلفية ودافع عنها في كتاباته. السوري ينتمي إلى فئةالجهاديين المتشددين الذين هم في المقام الأول استراتيجيون عسكريون وشغلهم الشاغل هو النتيجة السياسية.

لقد أشار السوري نفسه إلى أن أيديولوجية التيار الجهادي هي مزيج من الأيديولوجية التنظيمية الجهادية القطبية والعقيدة السلفية والدعوة الوهابية. لكنه كان يرى أن السلفية هي الاستراتيجية الأمثل في عصره. هذا التصوير يؤكد على أن هويته الأساسية هي المنظر والاستراتيجي الذي يستخدم الأيديولوجيا كأداة للفعالية العسكرية والتعبئة وليس كرجل دين.

اصطدم أبو مصعب السوري مرارا مع العناصرالأرثوذكسية والمحافظة في تنظيم القاعدة وخاصة التيار السلفي الأصولي. دارت هذه الصدامات حول المعضلة الأساسية المتمثلة في كيفية تحقيق التوازن بين النقاء الأيديولوجي والفائدة السياسية.

يمكن تلخيص المشاكل التي وجدها السوري في العقلية السلفية الأصولية في النقاط التالية:

 

رأى أبو مصعب السوري أن العقلية السلفية الأصولية خلقت سلسلة من الإشكالات البنيوية داخل التيار الجهادي انعكست سلبا على فعاليته السياسية والعسكرية. فقد لاحظ أن الانشغال المفرط بالعقيدة جعل السلفيين يقدمون صراعات الهوية والمذهب على مقتضيات العمل العسكري الأمر الذي أدى إلى خوض معارك جانبية وتنفير الحلفاء وتعطيل أي إمكانية لتشكيل جبهة موحدة في مواجهة العدو. هذا الحرص على الصفاء النظري ترافق مع تصاعد النزعة الحزبية التي غذت الانقسامات الداخلية ودفعت الجماعات الجهادية إلى التورط في صراعات دموية ومؤامرات واقتتال داخلي ما اعتبره السوري أحد أكبر العوائق أمام التعبئة الشعبية الواسعة التي كان ينادي بها.

كما انتقد السوري العقلية السلفية التي تميل إلى التعالي والانعزال معتبرا أن هذا السلوك ولد عزلة استراتيجية حالت دون بناء تحالفات أو شبكات تعاون مع التيارات الإسلامية  الأخرى وهو ما يتعارض مع رؤيته للمقاومة الشعبية تشمل أطيافا متعددة. وإلى جانب ذلك أدى التشدد السلفي في مسائل العقيدة والتعامل مع المخالف إلى تضييق المسافة الفاصلة بين الجهاديين والتيار التكفيري وهو ما أتاح للعدو فرصا لاستغلال هذه الثغرة وتفكيك الحركات الجهادية من الداخل. وفي تحليله الأعمق رأى السوري أن السلفيين يمثلون عبئا دائما على الحركات الجهادية بسبب ميلهم إلى النزاعات الفكرية المستمرة وأن التخلص من هذا الإرث كان يبدو خيارا أفضل من تحمل تبعاته إلا أن الواقع  بحسب تعبيره  فرض نفسه لأن غالبية الجهاديين قد تبنوا بالفعل المنهج السلفي مما جعل المشكلة جزءا لا يمكن تجاوزه من بنية التيار الجهادي ذاته .

 مؤكداأن تداعيات هذا الخيار وصلت إلينا في نهاية المطاف. ويضيف إلى ذلك ما لاحظه من نزعة ازدراء وتعال لدى بعض التيارات السلفية المتشددة خصوصا تلك التي عايشها في لندن وأفغانستان حيث اتهم هو نفسه بأنه حركي وسياسي كما انتقد معاملتهم للمجاهدين غير السلفيين مثل طالبان  معتبرا هذه الذهنية دليلا على خلل عميق في فهم الاخر وفي القدرة على بناء تحالفات أو إدارة اختلافات داخل ساحة صراع مركبة..

 

3 التمييز بين أبي مصعب الحركي والسلفي الأصولي

يمثل التمايز بين أبي مصعب السوري والسلفيين الجهاديين أحد أبرز الانقسامات داخل الفكر الجهادي المعاصر إذ يلتقي الطرفان عند المرجعية القتالية العامة لكنهما يفترقان جذريا في الأسس النظرية والخيارات العملية وأسلوب إدارة الصراع. فالرجل الذي خرج من رحم التجربة الإخوانية والطليعة المقاتلة حمل معه عقلا حركيا يميل إلى التنظيم ويبحث عن جدوى الفعل السياسي والعسكري ويراجع التجارب بقدر من النقد الذاتي ويستوعب مناهج حرب العصابات والتمرد الشعبي بينما وجد نفسه في مواجهة تيار سلفي أصولي متكئ على رؤية عقدية صلبة ترى أن أولوية الجهاد ليست في نتائجه العملية بل في التزامه المطلق بالمقياس الديني.

هذا التفاوت الجوهري جعل أبا مصعب السوري ينظر إلى الصراع بمنظار يتجاوز الاعتبارات العقائدية الضيقة. فالمعيار عنده هو القدرة على تحقيق أثر سياسي وعسكري والنجاح في بناء مقاومة واسعة متعددة الطبقات تنخرط فيها فئات المجتمع كافة بقدر متفاوت من المشاركة. الجهاد عنده مشروع تحرري طويل المدى يعتمد على فهم واقع الأمة واستثمار تناقضات العدو والتدرج في بناء القوة مع استحضار التجارب العالمية في حروب العصابات من فيتنام إلى الجزائر وأفغانستان. لذلك كان خطابه مشبعا بالرؤية الاستراتيجية وبالرغبة في تأسيس حركة مقاومة شعبية تتخطى الانغلاق العقائدي وتستوعب كل من يعادي المشروع الصهيوني/الصليبي أو الأنظمة الفاسدة التي يراها امتدادا له.

في المقابل يضع السلفيون الأصوليون معيارا اخر تماما فجوهر المشروع عندهم هو النقاء العقدي بمفهومهم قبل أي شيء آخر. معيار المشاركة ليس القدرة ولا الفعالية ولا الانخراط الشعبي بل الالتزام التام بتصوراتهم عن العقيدة والولاء والبراء وما يرتبط بها من أحكام الفرق والبدع. لذا تظل هذه الرؤية أكثر انغلاقا وأقل قابلية للتكيف مع تعقيدات الواقع السياسي والعسكري. وتفضي هذه البنية الفكرية غالبا إلى حصر الصراع في نطاقات ضيقة فينشغل السلفيون بمعارك جانبية ضد الفرق الإسلامية المخالفة أو أتباع المدارس الفكرية الأخرى بدل توجيه كامل الجهد نحو الخصم المركزي. ولهذا كان السوري يرى في هذا التوجه إهدارا للطاقات وتضييعا لفرص تاريخية لبناء جبهة واسعة ضد ما يعتبره العدو الحقيقي.

ومن داخل التجربة الجهادية نفسها كان هذا التوتر حاضرا بقوة. فقد عانى السوري من نظرة لسلفيين كما سبق الذكر ساهمت في تهميشه ووسمته بأنه مجرد حركي ينظّر في السياسة. هذا الحكم يعكس عمق الهوة بين النزعتين

 نزعة ترى أن السياسة ضرورة لا يمكن الانفكاك عنها في عالم الصراعات وأن الفعل العسكري مرهون بقدرة التنظيم على قراءة السياق والموازنة بين أهدافه ووسائله.

 ونزعة أخرى تقدم الالتزام العقدي الصرف وترفض كل ما يمكن أن يختلط بالبراغماتية أو الواقعية السياسية حتى لو أدى ذلك إلى خسارة التحالفات أو تشظي الصف الجهادي.

أما على مستوى التحالفات فإن الفجوة تتوسع أكثر. فأبو مصعب السوري كان يدعو إلى الانفتاح على مختلف القوى المناهضة للهيمنة من الإسلاميين الحركيين إلى القوميين بل وحتى غير المتدينين إذا كان ذلك يخدم المقاومة الشعبية. هذه الرؤيةوإن بدت واسعةكانت في نظرالسلفيين  تفريطا في نقاء المنهج إذ يعتقدون أن التحالف مع من لا يلتزم برؤيتهم العقدية يفسد الجهاد ويدخل في صفوفهم ميوعة فكرية. هكذا بقيت البنية السلفية قائمة على منطق الاستئثار والانعزال وهو ما جعلها أقل قدرة على إنتاج مشاريع مقاومة جماهيرية وأكثر عرضة للانقسامات الداخلية.

هذا الاختلاف ينسحب كذلك على تصور العدو فالسوري يحدد خصومه بشكل هرمي واضح فيضع الاحتلال الغربي–الإسرائيلي على رأس القائمة ويعتبر الأنظمة المحلية الفاسدة امتدادا سياسيا لاستعمار قديم/جديد. أما السلفيون فيوزعون خصومتهم على مسارات متعددة ما يؤدي غالبا إلى تشتت الأولويات وفتح جبهات على الفرق الإسلامية والمخالفين العقائديين والجماعات الأخرى وهو ما يربك قدرتهم على بناء تراكم استراتيجي يحسم المواجهة مع الخصم الأكبر.

ومع مرور الزمن تحول هذا الخلاف إلى ملامح بنيوية في مسار الجهادية المعاصرة. فالسوري يمثل مدرسة التفكير الحركي التي تحاول صوغ مشروع سياسي/عسكري قابل للتطور فيما يمثل السلفيون المدرسة التقليدية التي تهتم بهوية المشروع أكثر من نتائجه. وحين يتقدم البعد الاستراتيجي يتراجع البعد اللاهوتي والعكس صحيح. ولهذا ظل السوري ناقدا صريحا لما يراه انغلاقاعقائديا يعيق الفعالية بينما رأى الأصوليون في خطه الحركي انحرافا عن مقتضيات العقيدة.

في محصلة هذا التباين تبدو الجهادية أمام خطين متمايزين: خطّ يسعى إلى تحرير الفعل الجهادي من قيود الأرثوذكسية الصارمة ويعمل على بناء مشروع شعبي طويل النفس وخط اخر يصر على أن تكون العقيدة هي محور كل شيء ولو كان ذلك على حساب التحالفات والفعاليةووحدة الصف. ومن خلال هذا الصراع الداخلي تتضح ملامح التحولات العميقة التي عرفتها الحركة الجهادية منذ عقود والتحديات التي واجهت محاولات دمج العقل الاستراتيجي مع الهوية السلفية التقليدية.

4الجهاد العالمي بين السلفية والإخوان

ارتبطت الظاهرة الجهادية خلال العقود الأربعة الماضية بتأويل شائع يحمل السلفية بمختلف تفرعاتها مسؤولية نشوء الاتجاهات الجهادية المعاصرة، حتى غدا مصطلح (السلفية الجهادية)  هو الإطار الأكثر تداولا في التحليل الأكاديمي والإعلامي. غير أن هذا التوصيف، رغم أهميته في تعيين ملامح مدرسة فكرية بعينها، يغفل عنصرا مركزيا في تشكل الظاهرة، وهو التداخل البنيوي والتاريخي بين مرجعيات إسلامية متعددة، خاصة التيار الإخواني والحركي.

 إن دراسة حالة مفصلية لاثنين من أبرز رموز الجهاد المعاصر، وهما عبد الله عزام وأبو مصعب السوري، تظهر كيف أن جذورا إخوانية واضحة أسهمت في بناء الخيال الجهادي، وفي وضع الأسس الدعوية والحركية والتنظيمية التي تلقفتها تيارات سلفية جهادية لاحقا وتوسعت من خلالها. وعليه، فإن اختزال الجهادية في السلفية فقط هو اختزال لا يصمد أمام الفحص النصي التاريخي ويغفل التأثير المتشابك الذي أنتج الظاهرة عبر مراحل متعددة، وهو ما أكده باحثون مثل توماس هيغهامر في دراسته المعمقة حول عبد الله عزام، حيث أشار إلى أن الجهادية المعاصرة هي بناء مركب تشكل عبر تفاعل عوامل عقدية وسلفية تقليدية مع بنى تنظيمية وسياسية حركية [1].

لقد كشفت المراجعات المتعمقة أن الدافع السياسي غالبا ما سبق الدافع العقدي في تشكل عدد من الحركات الجهادية، وأن الكثير من البنى التنظيمية التي استند إليها الجهاديون، من شبكات التجنيد إلى النشاط الدعوي والإعلامي، لم تولد في أوساط السلفية العلمية، بل نشأت داخل سياقات حركية أخرى مثل جماعة الإخوان المسلمين وبعض بقايا الطليعة المقاتلة في سوريا ومصر. ويظهر هذا بوضوح في الدور الذي لعبه التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في تشكيل الوعي الجهادي العالمي ، ليس لكونه حركة جهادية بالمعنى السلفي العسكري، بل من جهة الإرث التنظيمي والتصوري الذي نقله إلى المجال الإسلامي الحركي الأوسع. هذا الإرث تضمن عناصر محورية أثرت لاحقا في التيارات الجهادية الدولية، وعلى رأسها ثقافة التعبئة الجماعية التي ركز عليها حسن البنا، ومفهوم القوة والرباط الذي طوره سيد قطب لاحقاً ضمن منظوره الحركي الثوري، وصولاً إلى الرؤية السياسية العابرة للحدود التي جعلت البعد الأممي ملمحا أساسيا في الوعي الجهادي المعاصر [2].

وفي هذا السياق، يعد سيد قطب الشخصية الإخوانية الأبرز التي تركت أثرا عميقا خارج الإطار التنظيمي للإخوان وصولا إلى الحركات الجهادية. فقد أسهمت كتاباته، خاصة (معالم في الطريق) و(في ظلال القرآن)، في إعادة صياغة مفهومي الجاهلية والحاكمية بطريقة ثورية، مما قدم مادة فكرية استندت إليها الجماعات الجهادية لاحقا لتبرير الحركة الثورية بوصفها طريقا لإقامة حاكمية الله وتكفير البنى السياسية الحديثة بوصفها جاهلية جديدة. ورغم أن قطب لم يكن سلفيا بالمعنى التقليدي، إلا أن تعريفه للعلاقة بين المجتمع والسلطة دفع بعض الشباب نحو تبني التأويلات الأكثر راديكالية لفكره، بعيدا عن خيارات الإخوان السلمية أو المشاركة السياسية [3]. هذا التداخل يؤكد أن الجهادية لم تنشأ من رحم السلفية العقدية وحدها، بل من تفاعل معقد بين الفكر الحركي الإخواني، والتراث السلفي، والظروف السياسية المحلية والدولية، مثل سياق الحرب الباردة والجهاد الأفغاني.

تعتبر حالة عبد الله عزام، الذي يوصف بالأب الحركي للجهاد العالمي، مثالا تطبيقيا لهذا التداخل؛ فقد انطلق عزام من خلفية إخوانية خالصة تشربت منهج حسن البنا، ولم تكن تربيته مجرد أثر فكري، بل صاغت رؤيته للجهاد بوصفه مهمة جماعية تتجاوز الحدود القطرية. وعندما انتقل إلى أفغانستان، حمل معه هذا النفس الإخواني بتجلياته العالمية الحركية، وقدرته على التحالف مع أطياف إسلامية مختلفة دون الوقوف عند الفوارق العقدية، وهو ما مكنه من بناء شبكات جهادية عابرة للحدود باستخدام أدوات إخوانية بحتة مثل التنظيم المتماسك والعمل الجماعي ووحدة الرسالة العالمية.

 إن إنشاء (مكتب الخدمات) كان التجلي الأبرز لهذه الروح التنظيمية، حيث نجح في جمع التمويل واستقبال المتطوعين وخلق فضاء تعبوي تعليمي يعيد تشكيل وعي المقاتلين قبل إرسالهم إلى الجبهات [4].

ومع مرور الوقت، تطورت هذه الطاقة في اتجاهات لم يكن عزام يسعى إليها بالضرورة فبينما أراد هو جهادا عالميا ذا خطاب تعبوي شامل، ذهبت السلفية الجهادية في طورها اللاحق نحو بناء مشروع عقدي أكثر صرامة وصدامية مع العالم. ومع ذلك، ظلت البنى التي وضعها عزام، من شبكات التمويل إلى معسكرات الاستقبال ومفهوم الرباط الأممي، هي الأساس الذي اشتغلت عليه الحركات الجهادية لاحقاً. وتبرز هنا أيضا حالة أبو مصعب السوري، الذي يعد المنظر الحركي الأكثر تأثيرا بعد جيل الرعيل الأول، حيث ينحدر السوري من إرث (الطليعة المقاتلة) في سوريا، وهي مجموعة ذات امتدادات إخوانية ثورية. وقد تبنى السوري رؤية تنظيمية وسياسية أقرب إلى الإسلام الحركي الثوري منها إلى السلفية العقدية، حيث اعتبر أن الصرامة العقدية لا تنتج حركة مقاومة فعالة، وأن البراغماتية الثورية هي التي تضمن بقاء المشروع، ومن هنا جاء طرحه الشهير حول (اللامركزية الجهادية) ونظام العمل الفردي والخلايا الصغيرة [5].

إن تتبع هذا المسار يكشف عن حقيقة غالبا ما تهمل في التحليلات المبسطة، وهي أن الجهادية المعاصرة ليست ابنة السلفية وحدها، بل هي نتاج تفاعل دقيق بين العقيدة السلفية من جهة، والبنى الحركية والثورية الإخوانية من جهة أخرى. ففي حين منحت السلفية الشرعية العقدية والصرامة الدينية، قدم الإرث الإخواني والطليعي السوري أدوات التنظيم وفكرة العمل الجماعي والتصور السياسي للدولة والمجتمع وخطاب الأمة الرسالي. وبذلك، يتشكل التيار الجهادي كحقل متنوع تتجاور فيه العقيدة مع آليات التنظيم الحركي، وتتفاعل فيه الأفكار مع الفرص السياسية والأزمات الإقليمية، مما يجعل فهم هذا التشابك ضروريا لتفسير مسار الجهادية في العقود الأخيرة، بعيدا عن الاختزالات التي تحمل طرفا واحدا مسؤولية الظاهرة [6].

5 الخاتمة

ييعد أبو مصعب السوري نموذجا فريدا في التيار الجهادي حيث يمثل صوت البراغماتية الاستراتيجية في مواجهة الجمود العقائدي. لقد سلط نقده للسلفيين الضوء على الانقسامات الأيديولوجية العميقة داخل تنظيم القاعدة والتي غالبا ما يتم تجاهلها.

لقد رأى السوري أن صعود الخطابات السلفية المتشددة قد قلص من المحتوى السياسي للأيديولوجيا الجهادية وأضعف قدرتها على التعبئة وتشكيل التحالفات وحكم عليها بأن تظل نخبوية وهامشية ومحكومة بالفشل. وبالتالي فإن التمييز بين أبي مصعب الحركي الذي يركز على العمل والتنظيم والنتيجة وبين السلفي الأصولي الذي يركز على العقيدة  هو مفتاح فهم الصراعات الداخلية التي عصفت بالتيار الجهادي المعاصر.

 

المراجع:

1.توماس هيغهامر، القافلة: عبد الله عزام وصعود الجهاد العالمي، ترجمة عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2021.

2.حسن أبو هنية، الجهادية العربية: اندماج الأبعاد - النكاية والتمكين بين "الدولة الإسلامية" و"قاعدة الجهاد"، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018.

3.عزمي بشارة، في الإجابة عن سؤال: ما السلفية؟، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2018.

4.حلمي النمنم، سيد قطب: سيرة التحولات، دار الكرمة، القاهرة، 2014.

5.صلاح الخالدي،

6. سيد قطب: من الميلاد إلى الاستشهاد، دار القلم، دمشق، 1991.

7.مضاوي الرشيد، مساءلة الدولة السعودية: أصوات إسلامية من الجيل الجديد، دار الساقي، بيروت، 2017.

 

 

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...