الجمعة، 8 مايو 2026

 

تشخيص مواطن الخلل في تجربة الحركات الإسلامية المغربية

مقدمة

الحركات الإسلامية تعتبر فاعلا رئيسيا في المشهد السياسي والاجتماعي المغربي، حيث برزت كقوة مجتمعية وازنة على مدى العقود الماضية. وبعد أكثر من ربع قرن على انطلاق العمل الإسلامي المنظم في المغرب، أضحت الحاجة ملحة لتقييم هذا المسار وتشخيص مكامن الخلل التي حالت دون تحقيق التحول النوعي المأمول في التأثير المجتمعي والسياسي. تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة نقدية لتجربة أبرز الفصائل الإسلامية المغربية، مع التركيز على التحديات الهيكلية والفكرية التي واجهتها، وذلك من خلال تحليل أربع حركات رئيسية: حركة التوحيد والإصلاح، جماعة العدل والإحسان، الحركة من أجل الأمة، وحزب البديل الحضاري.

أولا: التباين في توصيف الواقع وغياب المرجعية الموحدة

تتجلى إحدى أبرز مواطن الخلل في تجربة الحركات الإسلامية المغربية في غياب تصور موحد للواقع السياسي والاجتماعي الذي تشتغل فيه، مما أدى إلى تضارب في المواقف والسياسات، وضعف في القدرة على تشكيل جبهة موحدة أو تقديم مشروع مجتمعي بديل متكامل . يعزى هذا التباين بشكل أساسي إلى غياب مرجعية علمية موحدة داخل هذه التيارات، وتعدد المدارس الفقهية والاجتهادات الفكرية، مما ينتج عنه أحكام متباينة وسياسات متضاربة .

ويشهد الحقل الإسلامي المغربي  تباينا بنيويا عميقا في مقارباته للنظام السياسي ولمفهوم المشاركة، وهو تباين لا يمكن فهمه باعتباره مجرد اختلاف تنظيمي، بل بوصفه انعكاسا لاختلافات فكرية ومنهجية في قراءة طبيعة الدولة وحدود الإصلاح الممكن داخلها. فقد اختارت بعض الحركات، وفي مقدمتها حركة التوحيد والإصلاح عبر ذراعها السياسي حزب العدالة والتنمية، الانخراط في المؤسسات الرسمية باعتبارها مجالا شرعيا للتأثير التدريجي. هذا الخيار لم يكن تكتيكيا فحسب، بل جاء نتيجة مراجعات فكرية عميقة أعادت تعريف العلاقة مع الدولة من منطق المفاصلة إلى منطق الإصلاح من الداخل، مع تبني خطاب يؤكد على المرجعية الإسلامية ضمن إطار الملكية الدستورية. وقد بلغ هذا المسار ذروته مع قيادة الحزب للحكومة سنة 2011 في سياق إقليمي متحول، ما منح نموذج المشاركة مشروعية عملية، لكنه في الوقت ذاته أدخله في اختبار صعب يتعلق بحدود السلطة الفعلية المتاحة، ومدى قدرة الفاعل الإسلامي على تنفيذ مشروعه في بنية سياسية تتسم بتوازنات دقيقة بين الملكية والمؤسسات المنتخبة.

في المقابل، تبنت جماعة العدل والإحسان مقاربة تقوم على رفض الاندماج في المؤسسات القائمة، انطلاقا من تصور يعتبر أن شروط الإصلاح الحقيقي غير متوفرة داخل الإطار السياسي الحالي. هذا الموقف ينبع من قراءة تعتبر أن المشاركة قد تضفي شرعية على بنية لا تحقق، في نظرها، معايير العدل السياسي الكامل، ولذلك فضلت موقع المعارضة المجتمعية والاحتجاجية، مع الاستثمار في العمل التربوي والتنظيمي طويل النفس. هذا الاختيار يمنحها قدرا من الاتساق النظري والرمزي، لكنه في الوقت نفسه يضعها خارج دائرة التأثير المباشر في صناعة القرار، ويجعل قدرتها على تحويل الرصيد الشعبي إلى نتائج مؤسساتية محدودة. وبين هذين النموذجين برزت تجارب أخرى واجهت صعوبات قانونية، مثل الحركة من أجل الأمة وحزب البديل الحضاري، ما يعكس أن الدولة لا تتعامل مع كل التيارات بالمنطق ذاته، بل توازن بين الاحتواء والضبط والإقصاء وفق تقديرها لمعادلة الاستقرار.

هذا التباين في الخيارات الاستراتيجية ليست له أبعاد تنظيمية فقط، بل ينعكس مباشرة على بنية العمل الإسلامي ككل. فغياب رؤية موحدة لطبيعة الدولة ولأولويات المرحلة يؤدي إلى تشتت الجهود وضعف التنسيق، ويحول دون تشكل جبهة إصلاحية واسعة قادرة على فرض أجندة متماسكة. كما أن التنافس الضمني أو الصريح بين هذه الحركات ينعكس على قواعدها الاجتماعية، فينتج نوعا من الاستقطاب الداخلي الذي يضعف القوة التفاوضية ويحد من الفعالية الانتخابية أو الاحتجاجية. ومع مرور الوقت، يصبح الخلاف حول الوسائل خلافا حول المشروعية ذاتها: هل الشرعية تستمد من الانخراط في المؤسسات أم من الحفاظ على مسافة نقدية منها؟

من زاوية أخرى، تستفيد الدولة من هذا التعدد غير المنسق، إذ يسمح لها بإدارة المجال السياسي عبر توزيع الأدوار واحتواء بعض الفاعلين وموازنة تأثيرهم بآخرين. فالمشاركة المؤطرة تمنح النظام صورة تعددية وتشاركية، بينما وجود معارضة راديكالية خارج المؤسسات يظل مضبوطا ضمن سقف محدد، ما يحول دون تحولها إلى بديل سياسي شامل. بذلك يتحول التباين داخل الحقل الإسلامي إلى عنصر ضمن معادلة الضبط السياسي، حيث لا يشكل أي تيار بمفرده كتلة حرجة قادرة على فرض تغيير جذري.

غير أن هذا الواقع لا يعني استحالة التقاطع أو التكامل. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن التنوع يمكن أن يتحول إلى قوة إذا أعيد تعريفه ضمن مشروع مشترك يحدد الأولويات الوطنية الكبرى، ويفصل بين الخلاف الاستراتيجي والصراع الوجودي.

ثانيا: معضلة الزعامة والتصلب القيادي

تعتبر طبيعة القيادة داخل الحركات الإسلامية أحد العوائق البنيوية التي تحول دون التجديد والتكيف، حيث تتأرجح نماذج القيادة بين النمط الكاريزمي والمؤسسي .  

تبرز تجربة الحركات الإسلامية المغربية مفارقة بنيوية بين منطق القيادة الكاريزمية ومنطق المأسسة التنظيمية، وما ينتج عنهما من تحديات تتصل بالاستمرارية والقدرة على التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية. فقد جسدت جماعة العدل والإحسان نموذج القيادة المؤسسة المرتبطة بشخصية عبد السلام ياسين، حيث تركزت المرجعية الفكرية والروحية في شخص المؤسس بوصفه مصدر التأطير النظري والرمزي للتنظيم. هذا النمط من القيادة يوفّر في المراحل التأسيسية درجة عالية من الانضباط والتماسك، ويمنح المشروع وضوحًا في الرؤية ووحدة في التصور، غير أنه يحمل في داخله قابلية كامنة لشخصنة المشروع، بحيث يصبح الارتباط بالقائد أقوى من الارتباط بالمؤسسات أو الآليات التداولية. وعند غياب الشخصية المؤسسة، تبرز إشكالية تأويل الإرث الفكري وإعادة توزيعه داخل البنية التنظيمية، ما يضع الحركة أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على تحويل الكاريزما الفردية إلى شرعية مؤسسية قابلة للاستمرار. إن التحدي لا يكمن فقط في الحفاظ على الوحدة التنظيمية، بل في إنتاج خطاب متجدد يحافظ على ما يعد ثوابت المشروع، دون أن يتحول هذا الثبات إلى جمود يحد من قابلية التكيف.

في المقابل، سعت حركة التوحيد والإصلاح إلى بناء نموذج أكثر مؤسسية منذ نشأتها، قائم على آليات انتخابية ومجالس شورى، بما يعكس محاولة للانتقال من الشرعية الكاريزمية إلى الشرعية الإجرائية. وقد تعزز هذا المسار مع تأسيس حزب العدالة والتنمية كذراع سياسي، في إطار فصل نسبي بين الدعوي والسياسي يتيح قدرا من المرونة التكتيكية داخل قواعد النظام الملكي. غير أن هذا الفصل لم يلغ التوتر البنيوي بين المرجعية الدعوية ومتطلبات الفعل السياسي؛ إذ يظهر أحيانا ازدواج في الخطاب بين خطاب مبدئي تعبوي موجه للقاعدة، وخطاب براغماتي تفاوضي موجه لمؤسسات الدولة والرأي العام. كما أن التحولات السياسية الكبرى تضع هذا النموذج أمام معضلة التوفيق بين منطق الدولة ومنطق الهوية، بما يكشف حدود المرونة الممكنة داخل نظام سياسي مضبوط السقف. ويزداد هذا التوتر مع صعود أجيال جديدة داخل الحركة تطالب بإعادة قراءة المرجعيات وتوسيع هامش الاجتهاد، في مقابل تيار محافظ يميل إلى صون التراكم الرمزي والحفاظ على توازنات دقيقة مع المجال السياسي.

في الحالتين معا، يطرح نمط القيادة—سواء اتخذ طابعا كاريزميا مركزيا أو بيروقراطيا محافظا—سؤال التجديد بوصفه شرطا لبقاء المشروع الإسلامي فاعلا في المجال العمومي. فالتصلب القيادي، حين يقترن بضعف آليات النقد الداخلي، يقود إلى إعادة إنتاج الخطاب ذاته رغم تغير السياقات الاجتماعية والثقافية، ويفضي إلى فجوة متزايدة بين التنظيم ومحيطه، خصوصا في مجتمع يشهد تحولات عميقة بفعل الرقمنة وتغير أنماط القيم والتنشئة. كما أن تضييق مساحات الاختلاف داخل التنظيم يدفع نحو تآكل التعددية الداخلية، ويجعل احتمالات الانقسام أو الانكفاء أكثر ترجيحا عند كل أزمة كبرى. وفي ظل تنافس متزايد على الفضاء الرمزي والدعوي، تصبح القدرة على استيعاب النقد وإعادة صياغة العلاقة بين المرجعية والمؤسسة، وبين الدعوي والسياسي، عنصرا حاسما في تحديد مستقبل هذه الحركات. بذلك يمكن القول إن الرهان المركزي لا يتعلق فقط بامتلاك خطاب إسلامي منسجم، بل بمدى نجاح هذه التنظيمات في الانتقال من شرعية الأشخاص إلى شرعية القواعد، ومن منطق الحماية الهووية إلى منطق الفاعلية السياسية القادرة على التكيف مع تعقيد المجال العام المغربي.

 

 

ثالثا: غياب المشروع المجتمعي والاندماج الميداني

رغم كثافة الإنتاج الخطابي لدى الحركات الإسلامية، إلا أنها لم تقدم بعد مشروعا مجتمعيا بديلا متكاملا من حيث التصور والسياسات والآليات . فقد انشغل كثير من هذه الحركات إما بالمسألة الهوياتية أو بالمشاركة السياسية الشكلية، دون التقدم نحو بلورة رؤية متكاملة للدولة، وللاقتصاد، وللعدالة الاجتماعية، وللثقافة .

1 قصور البرامج البديلة

تعاني الحركات الإسلامية في المغرب من قصور في بلورة مشروع مجتمعي بديل يتجاوز الشعارات العامة إلى خطط عمل وسياسات تفصيلية قابلة للتطبيق. فغالبا ما تركز هذه الحركات على الجانب الدعوي والتربوي، أو على المشاركة السياسية كغاية في حد ذاتها، دون أن تترجم رؤاها الفكرية إلى برامج شاملة تعالج قضايا المجتمع الملحة في مجالات الاقتصاد، والتعليم، والصحة، والعدالة الاجتماعية .

حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية: رغم انخراطها في العمل السياسي وتوليها مسؤوليات حكومية، إلا أن مشروعها المجتمعي لم يتبلور بشكل واضح ومستقل عن الأجندة السياسية للحزب. فغالباً ما تتبنى الحركة خطاباً عاماً حول الإصلاح والعدالة، لكن التفاصيل المتعلقة بالنموذج الاقتصادي البديل، أو الرؤية التعليمية الشاملة، أو السياسات الثقافية، تظل غامضة أو غير مكتملة .

جماعة العدل والإحسان: رغم تركيزها على الجانب التربوي والأخلاقي، إلا أنها لم تقدم أيضا مشروعا مجتمعيا بديلا واضح المعالم. فخطاب الجماعة يركز على إقامة العدل والإحسان كقيم عليا، لكنه لا يقدم تفاصيل حول كيفية ترجمة هذه القيم إلى سياسات اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية محددة .

الحركة من أجل الأمة وحزب البديل الحضاري: لم تسمح تجربتهما القصيرة وعدم استقرارهما التنظيمي ببلورة مشروع مجتمعي بديل متكامل. فغالبا ما تركز هذه الحركات على قضايا الهوية أو على المطالب السياسية، دون أن تتجاوز ذلك إلى تقديم رؤية شاملة للمجتمع والدولة .

2. ضعف الاندماج في هموم المجتمع اليومية

يمثل ضعف الاندماج في قضايا المجتمع اليومية أحد أبرز التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية المغربية، إذ يفسر هذا العامل جزئيا تراجع شعبيتها خلال بعض المراحل السياسية، رغم ما تمتلكه من رصيد تنظيمي وشبكات اجتماعية واسعة. فقد استطاعت هذه الحركات، منذ نشأتها، بناء حضور معتبر في مجالات العمل الدعوي والخيري والتأطير التربوي، غير أن هذا الحضور لم يتحول دائما إلى قدرة فعالة على التفاعل العميق مع القضايا المعيشية المباشرة التي تؤرق المواطن، مثل غلاء المعيشة، والبطالة، وضعف الخدمات العمومية، وتراجع القدرة الشرائية.

تجربة حزب العدالة والتنمية تقدم مثالا واضحا على هذا الإشكال. فالحزب الذي اختار المشاركة من داخل المؤسسات، وراكم تجربة حكومية مهمة، وجد نفسه أمام اختبار ترجمة خطابه الإصلاحي إلى نتائج ملموسة في الواقع الاجتماعي والاقتصادي. ومع تصاعد الانتظارات الشعبية، خصوصا في ظل أزمات اقتصادية متلاحقة، واجه الحزب انتقادات واسعة بخصوص محدودية تأثير سياساته في تحسين الأوضاع المعيشية، وعدم قدرته على إحداث تحول جوهري في ملفات حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين. هذا التباعد بين الخطاب والممارسة، أو بين الوعود والنتائج، أدى إلى تآكل جزء من قاعدته الشعبية، وأضعف صورته كقوة سياسية قريبة من هموم الناس.

في المقابل، تبدو جماعة العدل والإحسان في موقع مختلف من حيث الخيار الاستراتيجي، لكنها تواجه إشكالا مشابها من زاوية أخرى. فالجماعة التي تبنت خط المعارضة الشاملة، وحافظت على حضور قوي في الشارع وفي الفضاء الاحتجاجي، ركزت خطابها أساسا على نقد البنية السياسية والدعوة إلى تغيير شامل. غير أن هذا التركيز السياسي الكلي قد يطغى أحيانا على الانخراط التفصيلي في القضايا الاجتماعية والاقتصادية اليومية، بما يجعلها تدرك في الوعي العام كحركة معارضة سياسية بالدرجة الأولى، أكثر منها فاعلا اجتماعيا يقدم بدائل عملية ومباشرة لتحسين ظروف عيش المواطنين.

إن ضعف الاندماج في قضايا المجتمع اليومية لا يعني غياب المبادرات الاجتماعية تماما، بل يعكس إشكالا في مستوى الأولويات، وآليات الاشتغال، والقدرة على تحويل الرصيد الدعوي والتنظيمي إلى سياسات أو برامج أو مبادرات ملموسة تستجيب لانشغالات الناس العاجلة. فالمواطن، في نهاية المطاف، يقيس الفاعلين السياسيين والاجتماعيين بمدى قربهم من مشاكله الواقعية، وقدرتهم على تقديم حلول قابلة للتطبيق، لا بمجرد قوة خطابهم أو اتساع شبكاتهم التنظيمية.

ويؤدي هذا الخلل إلى اتساع الفجوة بين الحركات الإسلامية وقطاعات من المجتمع، حيث تتشكل صورة مفادها أن هذه الحركات تعيش أحيانا في عالمها الخاص، منشغلة بصراعاتها الفكرية أو رهاناتها السياسية الكبرى، على حساب التفاصيل اليومية التي تشكل جوهر الحياة الاجتماعية. ومع تراجع الثقة، يضعف الامتداد الشعبي، ويفتح المجال أمام فاعلين آخرين، سواء كانوا حزبيين أو مدنيين أو تقنيين، لملء هذا الفراغ عبر خطاب براغماتي أكثر ارتباطا بالمطالب الاجتماعية المباشرة. ومن ثم، فإن استعادة الحاضنة المجتمعية تظل رهينة بمدى قدرة هذه الحركات على إعادة ترتيب أولوياتها، والانتقال من منطق الحضور الرمزي أو الخطابي إلى منطق التأثير العملي الملموس في حياة الناس.

رابعا: غياب النضج في إدارة العلاقة مع الدولة

لم تنجح أغلب الحركات الإسلامية في بناء علاقة استراتيجية واضحة وناضجة مع الدولة المغربية، مما أنتج أزمات ثقة متكررة وتفويت فرص تاريخية للتعاون .

انخرط البعض في العمل السياسي دون رؤية متماسكة حول طبيعة النظام السياسي وحدود الإصلاح من الداخل، مما أدى إلى تذبذب في المواقف وفقدان للمصداقية عند التصادم مع الخطوط الحمراء التي تمس صلاحيات المؤسسة الملكية أو الثوابت الوطنية .

واختار آخرون منطق الرفض المطلق دون امتلاك القدرة العملية على إحداث التغيير، مما جعلهم في حالة مواجهة مستمرة أدت إلى التضييق والمضايقات دون تحقيق نتائج ملموسة. هذا الموقف، وإن كان يعكس قناعة فكرية، إلا أنه قد يفتقر إلى النضج في إدارة العلاقة مع الدولة، حيث يغلب عليه منطق الرفض المطلق دون تقديم بدائل عملية قابلة للتطبيق .

عكست تجارب الحركة من أجل الأمة وحزب البديل الحضاري مدى حساسية الدولة تجاه أي محاولة لتشكيل قوى سياسية إسلامية خارج الأطر التقليدية أو التي لا تتماشى مع رؤيتها. فرفض الدولة الاعتراف بهما، أو حلّ حزب البديل الحضاري، يبرز أن هامش المناورة أمام هذه الحركات محدود، وأن العلاقة مع الدولة تتطلب نضجاً سياسياً كبيراً، وقدرة على التكيف مع الخطوط الحمراء التي تضعها السلطة .

إن غياب النضج في إدارة العلاقة مع الدولة، سواء من خلال المشاركة غير الواضحة المعالم أو المعارضة غير الفعالة، قد أثر سلباً على مسار الحركات الإسلامية المغربية، وأنتج أزمات ثقة بين هذه الحركات والدولة، وبينها وبين المجتمع .

خاتمة وآفاق الإصلاح

لقد كشفت هذه الدراسة عن مواطن خلل متعددة في تجربة الحركات الإسلامية المغربية، تتراوح بين التباين في توصيف الواقع، وإشكالية الزعامة والتصلب القيادي، وغياب المشروع المجتمعي البديل، وضعف الاندماج في قضايا المجتمع اليومية، وصولا إلى غياب النضج في إدارة العلاقة مع الدولة. هذه التحديات البنيوية والفكرية والتنظيمية أثرت سلبا على فاعلية هذه الحركات وقدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة .

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...