السبت، 16 مايو 2026

نحو رؤية جديدة للحركات الإسلامية


 

نحو رؤية جديدة للحركات الإسلامية:

دراسة تحليلية في سياق الحركات الإسلامية المغربية

 

تتناول هذه الدراسة التحولات الفكرية والمنهجية التي تشهدها الحركات الإسلامية المعاصرة، مركزة على الانتقال من )منطق الأزمة( الذي حكم نشأتها إلى )منطق البناء( الذي يمثل أفقها المستقبلي. لقد ولدت أغلب هذه الحركات في سياق الهزائم والانكسارات التاريخية، مما جعل وعيها يتشكل على قاعدة "رد الفعل" و"الاحتجاج". تهدف الدراسة إلى تحليل هذا التحول الجذري، مع التركيز على الحركات الإسلامية المغربية كحالة نموذجية، وتحديدا تجربة حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان. وتخلص الدراسة إلى أن التجربة المغربية تمثل مختبراً فريداً لبلورة نموذج إسلامي براغماتي يربط بين المرجعية الدينية ومتطلبات الدولة الوطنية الحديثة، عبر التمايز الوظيفي بين الدعوي والسياسي، والانخراط في المشروع المجتمعي الداخلي.

المقدمة:

لقد شكل سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وما تلاه من استعمار وتجزئة، "أزمة تأسيسية" عميقة في الوعي الإسلامي الجمعي . من رحم هذه الأزمة، نشأت الحركات الإسلامية كاستجابة بنيوية وتاريخية لتحديات الحداثة الغربية والانهيار السياسي، مما جعلها أسيرة لـ )عقدة الأزمة( . هذه العقدة هي حالة ذهنية ومؤسسية تجعل الحركة تفكر بمنطق التهديد والدفاع عن الذات، وتصوغ مشاريعها كردود أفعال على الواقع، لا كصياغة استباقية له.

إن الانتقال نحو منطق البناء يمثل ضرورة وجودية ومنهجية للحركات الإسلامية المعاصرة. هذا المنطق يقتضي تحويل لحظة الانكسار إلى فرصة للمراجعة، والانتقال من موقع التأثر إلى موقع التأثير ومن الاحتجاج على التاريخ إلى صناعة التاريخ . ويتبلور هذا التحول عبر محاور رئيسية: 

 

مثل التعامل مع التحديات الحضارية والاجتماعية مفترق طرق حاسما يحدد مسار الأمم. فبينما يغرق البعض في منطق الأزمة الذي يشد الأنظار إلى الماضي والتهديدات القائمة، ينطلق آخرون نحو منطق البناء الذي يركز على المستقبل، الفرص، والإصلاح الجذري. إن التحول من المقاربة الأولى إلى الثانية ليس مجرد تغيير تكتيكي، بل هو نقلة نوعية في الوعي والفعل والاستراتيجية، ضرورية لتحقيق النهضة الشاملة والمستدامة.

 

الأزمة البنيوية للحركات الإسلامية (تحليل المنهج)

تتفق التحليلات الفكرية المعاصرة على أن الأزمة التي تعيشها الحركات الإسلامية ليست أزمة عارضة أو ظرفية، بل هي أزمة بنيوية تأسيسية تنبع من غياب الرؤية الشمولية والمنهج النقدي القادر على معالجة الأزمة في جذورها الفكرية والمعرفية. هذا الغياب أدى إلى تعاملها مع التحديات الكبرى بوعي تجزيئي، مما جعلها أسيرة لمنطق رد الفعل بدلا من منهج البناء الحضاري .

تتجلى هذه الأزمة البنيوية في أربعة مستويات مترابطة، يمكن تفصيلها على النحو التالي:

1. أزمة الوعي والمنهج

تعد أزمة الوعي والمنهج هي المستوى الأول والأكثر جذرية، حيث تتعامل الحركات الإسلامية مع المشكلات بـوعي تجزيئي، فتقدم حلولا جزئية دون إدراك الترابط العميق بين المجالات المختلفة للحياة: السياسة، الدين، الاقتصاد، والثقافة. هذا الوعي يغلب عليه الطابع الوجداني والتعبوي على حساب التنظير الفكري والتحليل المعرفي العميق.

يكمن جوهر هذه الأزمة في فشل الحركات في تبني منهج كلي يرى الإسلام كمنظومة متكاملة قادرة على تقديم إجابات متماسكة لتحديات الحداثة المعقدة. بدلا من ذلك، يتم التركيز على جانب واحد (غالبا الجانب السياسي أو الأخلاقي) بمعزل عن الجوانب الأخرى.

الوعي التجزيئي: يتجلى هذا في الفصل المنهجي بين الإصلاح الأخلاقي الفردي والإصلاح السياسي والاقتصادي الهيكلي. فالحركة قد تنجح في بناء جيل ملتزم أخلاقيا، لكنها تفشل في تقديم نموذج اقتصادي أو سياسي بديل ومستدام، لأنها لم تدرك أن الفساد الاقتصادي والسياسي هو بنية متكاملة لا يمكن معالجتها بالوعظ أو الحلول الجزئية.

طغيان الوجداني والتعبوي: يظهر هذا في الاعتماد المفرط على الشعارات العاطفية مثل "الإسلام هو الحل" أو "الخلافة قادمة"، والتي تُستخدم للحشد والتعبئة الجماهيرية. هذا الخطاب العاطفي يحل محل التنظير المعرفي الذي يتطلب جهدا نقديا وعقليا لإنتاج مفاهيم جديدة تتناسب مع الواقع المعاصر.

أمثلة واقعية:

حركة الإخوان المسلمين: نشأت الحركة كاستجابة لصدمة سقوط الخلافة العثمانية، فكان هاجسها الأول هو الاستعادة التنظيمية والسياسية للرمز المفقود. هذا الهاجس جعلها تركز على بناء جهاز تنظيمي قوي وتعبئة الجماهير، على حساب الانشغال بـالإبداع الفكري الذي يؤسس لنهضة معرفية حقيقية . فعندما وصلت إلى السلطة في بعض الدول، وجدت نفسها تفتقر إلى الكوادر القادرة على إدارة الدولة الحديثة بمنظور شامل يتجاوز الشعارات، مما كشف عن قصور في المنهج التحليلي والشمولي للأزمة.

التركيز على "أسلمة" القوانين: في كثير من الأحيان، ينحصر الحل الذي تقدمه الحركات في "أسلمة" القوانين أو المظاهر، دون الغوص في البنى التحتية للمشكلات. فبدلا من تحليل أزمة العدالة الاجتماعية أو التنمية الاقتصادية كبنى معقدة، يتم اختزال الحل في تطبيق حد أو حكم فقهي معين، وهو ما يعكس وعيا تجزيئيا يرى في المظهر القانوني نهاية المطاف.

2. أزمة العلاقة بين الدين والدولة

تعد هذه الأزمة من أبرز التحديات التي واجهت الحركات الإسلامية بعد سقوط الخلافة، حيث تراوحت التيارات بين نموذج الدولة خادمة للدين (الذي يرى في الدولة أداة لتطبيق الشريعة) ونموذج العلمانية الرافضة التي تفصل الدين عن المجال العام فصلا جذريا. هذا التجاذب أدى إلى عقم في بلورة تصور متوازن لعلاقة الدين بالسياسة، يتجاوز ثنائية الإقصاء أو الاستحواذ نحو مفهوم الدولة المدنية بمرجعية إسلامية .

إن جوهر الأزمة يكمن في أدلجة مفهوم الدولة، وتحويلها إلى غاية بحد ذاتها أو مجرد أداة.

الدولة كأداة (النموذج الأداتي): هذا النموذج يختزل الدين في مجموعة من الأحكام القانونية التي يجب على الدولة تطبيقها، مما يؤدي إلى أدلجة الدولة وأمركة الدين. فبدلا من أن تكون الدولة إطارا لإدارة شؤون المجتمع وتحقيق العدل والمصالح العامة (المقاصد)، تصبح مجرد جهاز تنفيذي لنصوص فقهية، وهو ما يتجاهل تعقيدات الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات، والمواطنة، والسيادة الوطنية.

النموذج الرافض (العلمانية الإقصائية): في المقابل، يرى التيار العلماني الرافض أن الحل يكمن في فصل الدين عن السياسة بشكل مطلق، وهو ما تعتبره الحركات الإسلامية استلابا حضاريا وتنازلا عن المرجعية. هذا التناقض الحاد بين الطرفين يمنع من بناء "منطقة وسط" توافقية تقوم على مبدأ المرجعية الإسلامية في إطار الدولة المدنية الحديثة.النمودج

حزب التحرير الإسلامي: يمثل هذا الحزب نموذجا للوعي الذي يرى في الدولة أولا حيث يعتبر إقامة الخلافة (الدولة) هي الحل الجذري والوحيد لكل أزمات الأمة. هذا التركيز المفرط على النظام السياسي جعل الحزب يتعامل مع الإسلام من زاوية "إعادة الشرعية السياسية الضائعة"، وأدى إلى جمود أيديولوجي يمنعه من تأويل فكرة الخلافة بما يتناسب مع تعقيدات الدولة الوطنية الحديثة .

تجربة الإخوان المسلمين في الحكم: كشفت تجربة وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في مصر (2012-2013) عن صعوبة المزاوجة بين الخطاب الأيديولوجي التعبوي ومتطلبات إدارة الدولة الحديثة. فبينما كان الخطاب يركز على "تطبيق الشريعة"، كانت تحديات الواقع (الاقتصاد، الأمن، العلاقات الدولية) تتطلب براغماتية سياسية ومنهجا إداريا مدنيا مما أدى إلى ارتباك في تحديد طبيعة الدولة المنشودة .

3. أزمة المفهوم السياسي للسلطة

ظلت السلطة في الخطاب الإسلامي محاطة بـهالة دينية، مما حال دون تطوير مفهوم حديث للحكم يقوم على المواطنة، والمحاسبة، والتداول السلمي للسلطة. هذا القصور في التنظير السياسي أدى إلى ارتهان الحركات لخطاب "استعادة الماضي" بدلا من بناء المستقبل .

تكمن الأزمة في تحويل السلطة من عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكومين إلى واجب ديني أو منصب شرعي، مما يغير طبيعة العلاقة السياسية جذرياً:

السلطة والهالة الدينية: عندما تحيط السلطة بهالة دينية، يصبح الحاكم (أو التنظيم الحاكم) ممثلا للإرادة الإلهية أو منفذا لها، مما يرفع عنه صفة المحاسبة الدنيوية الفعالة. فمفهوم طاعة ولي الأمر يستغل لتبرير الاستبداد، ويصبح الخروج على الحاكم خروجا على الدين، وهو ما يعيق تطور آليات الرقابة البرلمانية والمؤسساتية التي هي جوهر الحكم الحديث.

غياب مفهوم المواطنة الشاملة: إن التركيز على الهوية الدينية للسلطة يضعف مفهوم المواطنة كإطار جامع للجميع. فبدلا من أن يكون المواطنون متساوين أمام القانون بغض النظر عن انتمائهم الديني أو العرقي، يتم تصنيفهم بناء على قربهم أو بعدهم من المشروع الديني للحركة، مما يؤدي إلى تهميش الأقليات أو المعارضين.

الارتهان لخطاب استعادة الماضي: إن القصور في التنظير السياسي الحديث يدفع الحركات إلى البحث عن حلول جاهزة في التاريخ (مثل نموذج الخلافة الراشدة)، بدلا من ابتكار نماذج حكم تتناسب مع الدولة الوطنية الحديثة. هذا الخطاب يركز على "النموذج المفقود" ويغفل عن أن التحديات المعاصرة (العولمة، الاقتصاد المعقد، حقوق الإنسان) تتطلب أدوات فكرية وسياسية جديدة.المثال الابرز:

السلفية الجهادية ومفهوم التمكين: تمثل السلفية الجهادية المثال الأبرز على أزمة المفهوم السياسي للسلطة. فمفهوم "الجهاد" يتحول من عبادة فردية إلى أيديولوجيا تعبئة ترى أن السلطة لا تكتسب إلا بـالتمكين بالقو" . هذا المنظور يحصر السلطة في دائرة الصراع الوجودي، ويلغي كل آليات التداول السلمي للسلطة أو القبول بالمعارضة السياسية، حيث ينظر إلى الخصم السياسي على أنه "عدو" يجب إقصاؤه أو قتاله.

صعوبة التداول السلمي للسلطة: واجهت الحركات الإسلامية التي دخلت العمل السياسي صعوبة في تقبل مبدأ التداول السلمي للسلطة أو الانتقال إلى صفوف المعارضة بعد الهزيمة الانتخابية أو الانقلاب. هذا الرفض يعكس الاعتقاد بأن السلطة هي حق شرعي يجب التمسك به، وليس تفويضاً شعبيا مؤقتا يمكن سحبه، مما يؤكد أن الهالة الدينية ما زالت تحيط بمفهوم السلطة في وعيها.

4. أزمة التعامل مع الحداثة

تعتبر الحداثة  التحدي المعرفي والوجودي الأكبر الذي واجه الحركات الإسلامية. فقد انقسمت التيارات بين الرفض الكلي للحداثة (باعتبارها مشروعا غربيا معاديا) أو التوفيق السطحي معها. هذا التردد يعكس غياب أدوات معرفية نقدية لتحليل الحداثة كبنية فكرية شاملة، مما جعل الفكر الإسلامي مترددا بين الانغلاق والذوبان .

الرفض الكلي (الانغلاق): يتبنى هذا الاتجاه موقفا دفاعيا يرى في الحداثة مشروعا استعماريا يهدف إلى طمس الهوية الإسلامية. هذا الرفض يؤدي إلى الانغلاق المعرفي والعودة إلى التراث كـ"ملاذ آمن"، مع تجاهل أن التراث نفسه يحتاج إلى أدوات نقدية حديثة لفهمه وتفعيله. هذا الموقف يمنع الحركات من امتلاك أدوات تحليل الواقع المعقد، ويجعلها عاجزة عن تقديم حلول للمشكلات التي أنتجتها الحداثة نفسها (مثل مشكلات البيئة، والعولمة، والتكنولوجيا).

التوفيق السطحي (الذوبان): يحاول هذا الاتجاه أسلمة مفاهيم الحداثة (مثل الديمقراطية، حقوق الإنسان، الاقتصاد الرأسمالي) دون نقد أسسها الفلسفية. هذا التوفيق يظل سطحيا لأنه يكتفي بـتغيير الملصقات دون الغوص في البنية المعرفية للمفاهيم. فمثلا، يتم تبني الديمقراطية كآلية انتخابية، ولكن يتم رفض مبدأ السيادة الشعبية الذي تقوم عليه، مما يؤدي إلى ازدواجية في الوعي وخلل في الممارسة السياسية.مثل

الطرق الصوفية والاستجابة الروحية: تمثل الطرق الصوفية استجابة روحية للأزمة، حيث تركز على إصلاح النفس والجانب الوجداني. وفي فترات فائض المادة ونقصان المعنى التي أنتجتها الحداثة، تزداد جاذبية التصوف كمهرب روحي. ومع ذلك، فإن هذا المسار قد يتحول إلى انعزال سلبي عن قضايا المجتمع السياسية والاقتصادية، والاكتفاء بالطقوس الشكلية، مما يمثل نوعا من الهروب من مواجهة التحديات البنيوية للحداثة .

التيارات الإصلاحية والخلل المنهجي: حاولت بعض التيارات الإصلاحية (مثل بعض أجنحة الإخوان المسلمين) تبني الديمقراطية والمشاركة السياسية، لكنها غالبا ما تقع في فخ التوفيق السطحي. فبدلا من تطوير نظرية سياسية إسلامية أصيلة تستوعب مبادئ الحداثة النقدية (مثل النقد الذاتي، والمراجعة الفكرية المستمرة)، تكتفي الحركات بتبني آليات الحداثة (الانتخابات، الأحزاب) مع الاحتفاظ بالمنظومة الفكرية التقليدية، مما يؤدي إلى صراع داخلي بين الممارسة البراغماتية والمنظور الأيديولوجي.

خلاصة الأزمة البنيوية:

إن القول بأن التيارات الإسلامية المعاصرة لم تتجاوز الأزمة هو انعكاس لحالة القلق التي يعيشها الوعي الإسلامي منذ سقوط الخلافة. فالاختلاف في الشعارات والأساليب لا يلغي التقاءها عند منبع واحد هو الاستجابة للأزمة وليس تفكيك البنية المنتجة للأزمة. إن الانتقال من )منطق الأزمة( إلى )منهج البناء الحضاري( يتطلب تحولا جذريا يبدأ من الإصلاح البنيوي للمنهج والوعي التاريخي الذي يستوعب تعقيدات الواقع الحديث ويوازن بين مقاصد الدين ومتطلبات الدولة المعاصرة

الحركات الإسلامية المغربية: مختبر االتحول نحو البناء

تمثل التجربة المغربية حالة فريدة في سياق الحركات الإسلامية، حيث أفرزت نموذجين رئيسيين يعكسان مسارات مختلفة في التعامل مع منطق الأزمة ومنهج البناء:

1. حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية: نموذج التمايز والبناء المؤسسي

تجربة حركة التوحيد والإصلاح (MUR) وذراعها السياسي حزب العدالة والتنمية (PJD) المثال الأبرز على الانتقال من "منطق الأزمة" إلى "منطق البناء" في المغرب .

التمايز الوظيفي: تبنت الحركة مبدأ )التمايز بين الدعوي والسياسي(، حيث تفرغت )التوحيد والإصلاح( للعمل التربوي والدعوي والمدني، بينما انخرط "العدالة والتنمية" في العمل السياسي والمؤسساتي. هذا التمايز سمح للحركة بتجاوز خلط الأدوار الذي أرهق حركات إسلامية أخرى، وعكس وعياً بضرورة التخصص الوظيفي كشرط للبناء .

البراغماتية السياسية: أظهر الحزب قدرة عالية على البراغماتية والتكيف مع الخصوصية المغربية، وعلى رأسها مؤسسة إمارة المؤمنين. وقد تجسد هذا في المشاركة في الحكومة وتدبير الشأن العام، مما حول الحزب من حركة احتجاجية إلى فاعل مؤسساتي يسعى للإصلاح من الداخل. هذا المسار يمثل تطبيقا عمليا للانتقال من رد الفعل إلى صناعة الفعل عبر الانخراط في مشروع الدولة الوطنية .

2. جماعة العدل والإحسان: بين الاحتجاج الأخلاقي وأفق البناء

رغم ما راكمته جماعة العدل والإحسان من حضور اجتماعي واسع وقدرة تنظيمية معتبرة، فإنها تعيش في المرحلة الراهنة حالة سكونية سياسية ومدنية لافتة، جعلتها أقرب إلى موقع المتفرج الناقد منها إلى فاعل مبادر قادر على التأثير في موازين النقاش العمومي أو اقتراح أفق عملي للتحول.
هذه السكونية لا يمكن اختزالها في التضييق السياسي وحده، بل هي نتاج تفاعل معقد بين المرجعية الفكرية للجماعة وخياراتها الاستراتيجية، وسياق وطني وإقليمي متحول لم تعد أدوات الاحتجاج الأخلاقي وحدها كافية لفهمه أو تغييره.

1. استمرار منطق الأزمة واستنفاد طاقته التعبوية

لا تزال الجماعة أسيرة تصور يرى الواقع السياسي المغربي باعتباره أزمة شرعية شاملة لا يمكن إصلاحها من داخل المؤسسات، بل بتجاوزها نحو أفق )الخلافة على منهاج النبوة(. غير أن هذا الأفق، رغم قوته الرمزية والدعوية، لم يعد يمتلك اليوم القدرة نفسها على التعبئة المجتمعية الواسعة، خصوصا في ظل تحولات القيم، وتراجع اليوتوبيا السياسية، وتنامي طلبات الاستقرار والعدالة الجزئية بدل التغيير الجذري المؤجل.

لقد تحول خطاب الأزمة من كونه أداة تعبئة إلى خطاب تكراري، يعيد إنتاج النقد ذاته دون أن يقدم إجابات عملية عن أسئلة اليوم: الدولة الاجتماعية، الحريات الفردية، الاقتصاد، العدالة الانتقالية، موقع الدين في الفضاء العمومي… وهو ما أفقد الجماعة قدرتها على جذب فئات مدنية جديدة خارج دائرتها التقليدية.

2. إرادة البناء المعطَّلة داخل المجتمع

صحيح أن العدل والإحسان تمتلك شبكة واسعة من العمل التربوي والاجتماعي، لكن هذا الرصيد ظل مفصولا عن أفق مدني جامع. فقد اختارت الجماعة أن تبني مجتمعا موازيا أخلاقيا وتربويا، دون أن تحوله إلى قوة اقتراح مدني مستقل قادر على إنتاج مبادرات عابرة للإيديولوجيا، أو الدفاع عن قضايا مشتركة بلغة حقوقية وطنية جامعة.

هذا الاختيار جعل فعلها البنائي داخلي التوجه، موجها أساسا لإعادة إنتاج الجماعة ذاتها، لا لبناء تحالفات مجتمعية مستدامة. وهنا يظهر التناقض: حركة بحجمها التنظيمي، لكنها عاجزة عن بلورة واجهة مدنية مستقلة، أو عن تأطير نضالات اجتماعية خارج منطقها المرجعي الخاص.

3. الارتهان لليسار في الفضاء العمومي

من أبرز تجليات هذا المأزق، لجوء الجماعة ــ خاصة بعد 2011 ــ إلى التحالف الخطابي والعملي مع اليسار داخل بعض واجهات الاحتجاج والنقاش العمومي. هذا التقاطع، وإن كان مفهوما في سياق الدفاع المشترك عن الحريات وحقوق الإنسان، إلا أنه كشف في العمق عن عجز الجماعة عن إنتاج خطاب مدني ذاتي قابل للتداول خارج لغتها الدعوية.

فبدل أن تصبح العدل والإحسان قطبا مدنيا جامعا يستقطب فاعلين مستقلين، وجدت نفسها تمرر مواقفها عبر وسائط يسارية، وهو ما عمق صورتها كحركة تابعة في المجال المدني رغم كونها الأكبر تنظيما وانتشارا. كما أن هذا الارتهان أفقدها القدرة على مخاطبة شرائح محافظة أو وسطية كانت يمكن أن تشكل حاضنة طبيعية لها.

4 التحول المؤجل وغياب القرار الاستراتيجي

يمكن القول إن الجماعة تمتلك وعيا جزئيا بالحاجة إلى التحول، لكنها تفتقد الجرأة التنظيمية للانتقال من حركة احتجاج أخلاقي إلى فاعل مدني/سياسي ببرنامج مرحلي واضح. فهي لا تريد الانخراط في المؤسسات، ولا تريد في الآن نفسه البقاء في الهامش، فتنتج وضعية وسطى مشلولة:
لا هي معارضة مؤسساتية، ولا هي حركة تغيير مجتمعي قادرة على قيادة مبادرات تاريخية.

هذه الوضعية جعلت الجماعة تفوت لحظات مفصلية كان يمكن أن تعيد فيها تعريف دورها، وتتحول من حركة تنتظر التغيير إلى حركة تصنع شروطه.

إن مأزق العدل والإحسان اليوم لا يكمن في ضعفها، بل في تجمد قوتها داخل تصور لم يعد قادرا على التوسع التاريخي. فالحركات الكبرى لا تقاس فقط بحجمها التنظيمي، بل بقدرتها على التحول، وبناء تحالفات مدنية واسعة، وإنتاج خطاب يتجاوز منطق )نحن والآخر( نحو أفق وطني جامع.

متطلبات العقل الاستراتيجي الجديد في المغرب

إن الرؤية الجديدة للحركات الإسلامية في المغرب تقتضي عقلًا استراتيجيا لا يكتفي بتشخيص الأزمات، بل يسعى إلى بناء بدائل موضوعية . يتطلب هذا العقل الاستراتيجي:

تشهد الحركات الإسلامية في المغرب، على غرار نظيراتها في المنطقة، لحظة تاريخية مفصلية تتطلب مراجعة عميقة لنموذج عملها التقليدي.

لقد تراجعت فعالية النموذج التعبوي القائم على الخطاب الأيديولوجي، ليحل محله تساؤلات ملحة حول النجاعة، والشرعية المجتمعية، والقدرة على الإسهام الفعلي والملموس في البناء الوطني. لم يعد الرصيد الأخلاقي أو التاريخ النضالي كافيا ما لم يتم تحويله إلى مشروع مجتمعي قابل للقياس والتقييم، مما يستدعي إطارا استراتيجيا متكاملا لإعادة توجيه هذه الحركات من منطق الاحتجاج والاصطفاف إلى منطق الوظيفة الحضارية والبناء التدريجي، مع احترام الخصوصية الدينية والمؤسساتية للمملكة المغربية.

تشخيص النموذج التقليدي وحدود فعاليته

إن النموذج السائد لإدارة الحركات الإسلامية يعاني من أربعة اختلالات كبرى أدت إلى فجوة متزايدة بينها وبين المجتمع، خاصة الأجيال الجديدة التي تبحث عن حلول عملية لا عن شعارات كبرى. يتمثل الاختلال الأول في هيمنة الخطاب الهوياتي على حساب الخطاب التنموي، مما يركز الجهود على قضايا الهوية والشرعية بدل قضايا التنمية والنجاعة الاقتصادية والاجتماعية. أما الاختلال الثاني فيتجلى في تضخم البنية التنظيمية مقابل ضعف التأثير المجتمعي الحقيقي، حيث تتحول الأولوية إلى الحفاظ على التنظيم بدل تحقيق الأثر في الواقع. ويتمثل الاختلال الثالث في تسييس الدعوة أو تديين السياسة، وهو ما أربك المجالين معا وأفقدهما وضوحهما وفعاليتهما. وأخيراً، يكمن الاختلال الرابع في الاشتغال بمنطق الصراع والمواجهة بدل تبني منطق التراكم والإصلاح الهادئ والمستدام. هذه الأعطاب مجتمعة تفرض ضرورة الانتقال من حركات هوية واحتجاج إلى فاعلين مدنيين ذوي مرجعية إسلامية يسهمون في إنتاج الصالح العام.

المحاور الاستراتيجية للتحول الشامل

لتحقيق هذه الرؤية الاستراتيجية، يجب أن تتبنى الحركات الإسلامية أربعة محاور للتحول، تبدأ من الفكر وتنتهي بالفعل الاجتماعي، بهدف الإسهام في بناء مجتمع مغربي عادل ومتوازن عبر ترسيخ القيم الإسلامية الكبرى في مجالات التعليم، والتنمية، والحكامة، والعمل المدني.

أولا: التحول الفكري وبناء فقه السياسات العمومية.

الهدف هنا هو بناء فكر مقاصدي وظيفي يربط الدين بحاجات المجتمع الراهنة لا بصراعات الماضي. يتطلب هذا التحول اعتماد المقاصد كمنهج لتحليل الواقع واستنباط الحلول، وليس مجرد شعار فقهي. الأهم هو الانتقال من فقه الحلال والحرام الفردي إلى فقه السياسات العمومية، وتكوين أطر فكرية قادرة على الاشتغال البيني الذي يدمج الدين بالاقتصاد والسوسيولوجيا. مؤشر النجاح الأبرز هو إنتاج أوراق سياسات بدل البيانات الإيديولوجية، وحضور الخطاب الإسلامي في النقاش العمومي بلغة الخبرة لا الوعظ.

ثانيا: الإصلاح التنظيمي نحو شبكة وظائف مرنة.

يجب تحويل التنظيم من بنية مغلقة وهرمية إلى شبكة وظائف مجتمعية مرنة. يتطلب ذلك الفصل الوظيفي الواضح بين الأنشطة الدعوية، والسياسية، والمدنية، وتقليص منطق الانضباط العقائدي لصالح الكفاءة والتخصص. كما أن فتح الشراكات مع الكفاءات المستقلة غير المنتمية تنظيميا يعد توجها عمليا حاسما لزيادة التأثير. مؤشرات النجاح تشمل ارتفاع نسبة المبادرات المشتركة مع فاعلين مدنيين، وتقليص مركزية القرار لصالح توسيع دوائر التشاور.

ثالثا: إعادة توجيه الفعل السياسي نحو الكفاءة والإصلاح التراكمي.

يجب أن ينتقل الفعل السياسي من صراع الشرعيات إلى بناء الكفاءة والسياسات العمومية. هذا يعني جعل قضايا التعليم، والصحة، والتشغيل قضايا شرعية مركزية تتطلب الانخراط العملي والفعال. كما يجب التخلي عن خطاب "التمكين" الذي يوحي بالاستحواذ، لصالح خطاب الإصلاح التراكمي الذي يركز على المنجزات المرحلية، ودعم الحكامة المحلية والمبادرات الترابية. النجاح في هذا المحور يقاس بالمساهمات الملموسة في إصلاح السياسات العمومية، وتحسن صورة الفاعل الإسلامي كمنتج للحلول.

رابعا: التمكين الاجتماعي وإعادة بناء الثقة المجتمعية.

الهدف هو إعادة بناء العلاقة مع المجتمع عبر العمل القاعدي طويل النفس. يتم ذلك من خلال الاستثمار في التربية غير النظامية والتكوين القيمي، ودعم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتعزيز العمل الجمعوي المستقل عن الاستقطاب السياسي. هذا المحور يهدف إلى توسيع قاعدة المستفيدين من المبادرات الاجتماعية، والنتيجة الأهم هي ارتفاع منسوب الثقة المجتمعية في هذه الحركات كفاعلين إيجابيين.

متطلبات النجاح والخلاصة

إن نجاح هذا التحول الاستراتيجي مرهون بتوفر ثلاثة متطلبات أساسية: الشجاعة الفكرية في نقد الذات والاعتراف بأعطاب النموذج القديم، ووجود نخب قيادية تؤمن بالتحول وتتبناه بصدق لا بالمحافظة على الوضع القائم، وأخيرا، الصبر الاستراتيجي الذي يقبل بالنتائج المؤجلة ولا يسعى للحصاد السريع.

إن مستقبل الحركات الإسلامية في المغرب لن يُحسم بحدة الخطاب أو بصلابة التنظيم، بل بقدرتها على التحول إلى قوة اقتراح وبناء، تنخرط بوعي في أسئلة المجتمع الحقيقية، وتستعيد المعنى العميق للدين بوصفه طاقة أخلاقية وعمرانية، لا أداة صراع أو اصطفاف. إنها اللحظة الحاسمة للانتقال من إسلام الحركة إلى إسلام المجتمع.

 

.

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...