الأحد، 24 مايو 2026

الخلافة المؤجلة ومفهوم الدولة


 

المقدمة

شهدت العقود الأخيرة صعوداً لعدد من الحركات الجهادية التي ترفع راية إقامة "الدولة الإسلامية" و"الخلافة"، إلا أن مسار هذه الحركات في تحقيق هذا الهدف تباين بشكل لافت. ففي حين سارعت بعض التنظيمات، كتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى إعلان الخلافة في ذروة قوتها، اتخذ تنظيم القاعدة، الذي يعد الأب الروحي للعديد من هذه الحركات، مسارا مختلفا تميز بتأجيل إعلان الدولة أو الخلافة، مفضلاً العمل في الظل والتركيز على ما يسميه "التمكين" .

تكمن الإشكالية البحثية لهذا العمل في محاولة الإجابة عن سؤالين رئيسيين: لماذا أحجم تنظيم القاعدة عن إعلان الخلافة أو الدولة بشكل رسمي، رغم امتلاكه في فترات معينة القدرة على السيطرة على مناطق جغرافية واسعة؟ وما هو مفهوم الدولة في أدبيات تنظيم القاعدة، وهل يختلف عن المفهوم التقليدي للدولة الحديثة؟

أسباب تأجيل إعلان الخلافة في الاستراتيجية القاعدية

لم يكن تأجيل تنظيم القاعدة لإعلان الخلافة مجرد موقف تكتيكي مؤقت، بل يمثل جزءا مركزيا من الرؤية الاستراتيجية التي بلورها التنظيم منذ نهاية التسعينيات، خاصة بعد تجربة أفغانستان ثم بعد التحولات التي عرفها الحقل الجهادي عقب الغزو الأمريكي للعراق. فالقاعدة لا تنظر إلى الدولة باعتبارها مجرد إعلان سياسي أو سيطرة عسكرية ظرفية على الأرض، وإنما تعتبرها تتويجا لمسار طويل من التمكين التدريجي، وإعادة تشكيل البيئة الاجتماعية والسياسية والعسكرية المحيطة بالتنظيم. ولهذا فإن فهم أسباب تأجيل الخلافة عند القاعدة يقتضي تحليل تصور التنظيم لطبيعة الدولة، وللشروط التاريخية التي يراها ضرورية قبل الانتقال من مرحلة (الجهاد) إلى مرحلة (السلطة) .

يشكل مفهوم التمكين أحد أهم المفاهيم المؤسسة في الفكر الاستراتيجي لتنظيم القاعدة. فالقيادة القاعدية ترى أن إقامة الدولة لا يمكن أن تنجح عبر السيطرة العسكرية المفاجئة، وإنما عبر بناء بيئة حاضنة تضمن استمرار المشروع على المدى الطويل. ولذلك تركز القاعدة على مراحل متعددة تسبق إعلان الخلافة، من بينها استنزاف الخصوم، وتوسيع القاعدة الشعبية، واختراق المجتمعات المحلية، وبناء التحالفات القبلية، وتوفير حد أدنى من الخدمات والإدارة.

هذا التصور متأثر جزئيا بأدبيات الجهاد طويل النفس، حيث ينظر إلى الصراع باعتباره حرب استنزاف تاريخية وليست مواجهة خاطفة. ومن هنا فإن التنظيم يرفض منطق حرق المراحل، أي الانتقال السريع من العمل المسلح إلى إعلان الدولة دون توفر البنية الاجتماعية والسياسية الكفيلة بحمايتها. فالقاعدة تعتقد أن أي كيان سياسي لا يمتلك عمقا اجتماعيا وتحالفات محلية قوية سيبقى عرضة للانهيار بمجرد تعرضه لضغط عسكري خارجي.

كما أن مفهوم التمكين عند القاعدة لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل أيضا البعد النفسي والرمزي. فالتنظيم يسعى إلى خلق صورة تدريجية عن نفسه باعتباره (مدافعا عن المسلمين) وليس مجرد تنظيم عابر للحدود. ولهذا حاولت فروع القاعدة، خصوصا في اليمن والساحل وسوريا، التركيز على الاندماج المحلي، وتجنب الصدام المباشر مع المجتمعات، والعمل أحيانا تحت أسماء محلية أو تحالفات واسعة، في محاولة لتوسيع القبول الاجتماعي وتقليل الحساسية تجاه المشروع الجهادي.

وتعتبر تجربة إمارة طالبان في أفغانستان من أهم العوامل التي أثرت في موقف القاعدة من إعلان الدولة. فقد أدرك التنظيم، بعد سقوط الإمارة بسرعة عقب هجمات 11 سبتمبر والغزو الأمريكي سنة 2001، أن السيطرة على الأرض لا تكفي لبناء دولة مستقرة في ظل اختلال موازين القوى الدولية.

هذه التجربة خلقت داخل القاعدة ما يمكن تسميته بـ(عقدة الانهيار المبكر)، أي الخوف من أن يؤدي الإعلان المتسرع عن الدولة إلى توحيد القوى الدولية والإقليمية ضد المشروع الجهادي. ولذلك أصبحت القاعدة أكثر ميلا إلى العمل اللامركزي، وإلى بناء النفوذ التدريجي داخل المناطق الهشة، بدل التسرع في إعلان كيان سياسي شامل يستفز النظام الدولي دفعة واحدة.

ومن هنا يمكن فهم توجه القاعدة نحو ما يسمى أحيانا بـ(إدارة التوحش) ، أي السيطرة غير المباشرة على المجال المحلي دون تحمل أعباء الدولة الكاملة. ففي كثير من الحالات، فضلت القاعدة ممارسة النفوذ من وراء واجهات محلية أو مجالس أهلية، بدل إعلان سلطة مركزية صريحة. والهدف من ذلك هو تجنب استهدافها بحملات عسكرية شاملة، والحفاظ على مرونة الحركة والانتشار.

كما أن القاعدة استخلصت من التجربة الأفغانية أن الدولة الجهادية لا يمكن أن تعيش في عزلة عن التوازنات الدولية والإقليمية. ولذلك فإن التنظيم يميل إلى الصبر الاستراتيجي، أي انتظار لحظة تاريخية يرى أنها أكثر ملاءمة لإعلان الخلافة، خاصة في ظل ضعف الأنظمة المركزية وتراجع القدرة الدولية على التدخل العسكري المباشر.

ظهر الاختلاف الاستراتيجي بين القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية بشكل واضح بعد إعلان أبو بكر البغدادي الخلافة سنة 2014. فقد اعتبرت القاعدة أن داعش استعجلت إعلان الدولة دون توفر شروطها الواقعية، وأنها انتقلت من مرحلة التنظيم المسلح إلى مرحلة الدولة بشكل قفزي غير محسوب.

انتقد أيمن الظواهري هذا الإعلان لأنه ـ من وجهة نظره ـ أدى إلى نتائج عكسية خطيرة، أهمها توحيد القوى الدولية والإقليمية ضد التنظيم، وفتح جبهات متعددة في وقت واحد، والدخول في صدام دموي مع بقية الفصائل الجهادية والإسلامية. وترى القاعدة أن داعش أخطأت حين جعلت إعلان الخلافة هدفا رمزيا عاجلا، بدلا من اعتباره نتيجة نهائية لمسار طويل من التمكين.

كما يكشف الخلاف بين الطرفين عن اختلاف أعمق في تصور الدولة نفسها. فداعش تبنت نموذجا مركزيا صارما يقوم على فرض السلطة المباشرة وإلغاء الحدود القائمة فورا، بينما فضلت القاعدة نموذجا أكثر مرونة وتدرجا، يقوم على بناء مناطق نفوذ متفرقة يمكن أن تتطور لاحقا إلى شكل سياسي أوسع. ولهذا يمكن القول إن القاعدة تنظر إلى الخلافة باعتبارها مشروعا تاريخيا بعيد المدى، في حين تعاملت داعش معها باعتبارها حدثا آنيا يجب فرضه بالقوة.

وتخشى القاعدة أيضا من أن يؤدي الإعلان المبكر للخلافة إلى فقدان التعاطف الشعبي، خاصة إذا ارتبطت الدولة الجديدة بالعنف المفرط أو الانهيار الإداري والاقتصادي. ولذلك حاولت بعض فروعها، مثل هيئة تحرير الشام سابقا قبل تحولاتها، إظهار قدر من البراغماتية السياسية، ومحاولة تقديم نفسها كفاعل محلي أكثر من كونها مشروعا أمميا صداميا.

ومن الأسباب المهمة ايضا  التي دفعت القاعدة إلى تأجيل إعلان الخلافة تبنيها نموذج (اللامركزية التنظيمية). فمنذ مقتل أسامة بن لادن، تطور التنظيم نحو شبكة عالمية تضم فروعا محلية تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية، كما هو الحال في الساحل واليمن والصومال وسوريا.

هذا النموذج اللامركزي يمنح القاعدة قدرة أكبر على البقاء والتكيف، لأنه يقلل من خطر انهيار التنظيم بالكامل في حال سقوط مركز القيادة. كما يسمح للفروع المحلية بالاندماج في خصوصيات البيئات القبلية والإثنية والسياسية المختلفة. غير أن هذا النموذج نفسه يجعل إعلان (خلافة موحدة) أمرا معقدا، لأن التنظيم لا يملك سلطة مركزية صارمة شبيهة بالنموذج الذي حاولت داعش فرضه.

لذلك يمكن القول إن القاعدة فضلت بناء شبكة نفوذ عالمية بدل بناء دولة مركزية مبكرة. وهي ترى أن الحفاظ على المرونة الحركية، وتجنب المواجهة الدولية الشاملة، أهم مرحليا من إعلان كيان سياسي قد يتحول إلى عبء استراتيجي.

تكشف الاستراتيجية القاعدية في تأجيل إعلان الخلافة عن عقل سياسي أكثر براغماتية وحذرا مقارنة بالتنظيمات الجهادية الأخرى، خصوصا تنظيم الدولة الإسلامية. فالقاعدة لا ترفض فكرة الخلافة من حيث المبدأ، لكنها تعتبر أن نجاحها مرتبط بتراكم شروط التمكين الاجتماعي والعسكري والسياسي، وبقدرة المشروع على الصمود أمام الضغوط الدولية والإقليمية.

ومن ثم فإن تأجيل إعلان الخلافة لم يكن تعبيرا عن تراجع أيديولوجي، بل عن إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية..

تظهر وثائق أبوت اباد، التي عثر عليها في مخبأ أسامة بن لادن، أن قيادة القاعدة كانت تفضل التدرج في إعلان الدولة وتجنب المواجهة الشاملة مع القوى الدولية قبل الأوان. فقد حذر بن لادن والظواهري من التسرع في إعلان الدولة، مؤكدين على ضرورة التركيز على استنزاف العدو وبناء قاعدة شعبية قوية قبل الانتقال إلى مرحلة التمكين وإقامة الخلافة .

هذا الاختلاف في التكتيك والتوقيت أدى إلى خلافات عميقة بين التنظيمين، حيث اعتبرت القاعدة أن إعلان داعش للخلافة كان سابقاً لأوانه وغير مدروس، مما أدى إلى استعداء العالم وتوحيد الجهود ضده. في المقابل، يرى داعش أن إقامة الخلافة واجب شرعي لا يجوز تأخيره متى توفرت القدرة على ذلك.

مفهوم الدولة في الفكر السياسي لتنظيم القاعدة

يشكل مفهوم (الدولة) أحد أكثر القضايا تعقيدا في الفكر السياسي لدى تنظيم تنظيم القاعدة، إذ إن التنظيم لا ينظر إلى الدولة بوصفها مجرد سلطة سياسية تسيطر على إقليم جغرافي محدد، بل باعتبارها مشروعً حضاريً وعقديً مرتبطً بفكرة (الأمة الإسلامية) وإعادة بناء (الخلافة). ولذلك فإن خلاف القاعدة مع التنظيمات الجهادية الأخرى، وخاصة تنظيم الدولة الإسلامية، لا يتعلق فقط بتوقيت إعلان الدولة، بل بطبيعة الدولة نفسها، وشروط نشأتها، ووظيفتها الشرعية والسياسية.

منذ تأسيس التنظيم على يد أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، تبنى خطابا يرفض الدولة الوطنية الحديثة باعتبارها نتاجا للاستعمار الغربي وتقسيماته السياسية للعالم الإسلامي. ففي أدبيات التنظيم، تصور الحدود القومية بوصفها حدودا مصطنعة فرضت بعد سقوط الدولة العثمانية، وخاصة عقب اتفاقية سايكس بيكو، التي ينظر إليها في الخطاب الجهادي باعتبارها لحظة تفكيك للوحدة السياسية للأمة الإسلامية. ولذلك يرفض التنظيم الاعتراف بشرعية الدولة القطرية الحديثة، ويرى أن الانتماء الحقيقي يجب أن يكون للأمة الإسلامية الجامعة لا للدولة الوطنية.

وقد عبر أسامة بن لادن في أكثر من خطاب عن هذا التصور عندما تحدث عن (إزالة الحدود بين بلاد المسلمين)، وربط بين مشروع الجهاد العالمي وإعادة توحيد الأمة سياسيا وعسكريا. كما يؤكد أيمن الظواهري في كتابه( فرسان تحت راية النبي) أن المشروع الجهادي لا يمكن أن يكتمل داخل حدود قطرية ضيقة، لأن الأنظمة الوطنية في نظره تمثل جزءا من النظام الدولي الذي يحول دون قيام الحكم الإسلامي. وهكذا فإن الدولة في الفكر القاعدي ليست دولة قومية ذات سيادة وطنية، بل كيان أممي عابر للحدود، يقوم على رابطة العقيدة لا رابطة القومية أو العرق.

لكن اللافت في الفكر السياسي للقاعدة أن التنظيم، رغم تبنيه لفكرة الخلافة، لم يتعامل مع نفسه بوصفه (دولة قائمة)، بل باعتباره (حركة تمهيدية) أو (طليعة جهادية) تعمل على تهيئة الظروف التاريخية والعسكرية لإقامة الدولة الإسلامية مستقبلا. وهذه الفكرة تأثرت بشكل واضح بأدبيات الحركات الثورية والجهادية، وخاصة تصور الطليعة المؤمنة الذي ظهر عند بعض منظري الإسلام السياسي. فالقاعدة ترى أن الأمة الإسلامية تعيش حالة ضعف وتفكك، وأن إقامة الخلافة لا يمكن أن تتم بقرار سياسي مفاجئ أو بمجرد السيطرة على مدينة أو إقليم، بل تحتاج إلى عملية طويلة من الإعداد والاستنزاف وإعادة تشكيل البيئة الإسلامية.

وفي هذا السياق يبرز كتاب( دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) لـأبو مصعب السوري بوصفه أحد أهم النصوص التي أثرت في التفكير الاستراتيجي للتنظيم. فالكتاب لا يدعو إلى إعلان دولة مركزية سريعة، بل إلى بناء (حركة مقاومة عالمية) تعتمد على اللامركزية، واستنزاف القوى الدولية والأنظمة المحلية، وخلق حالة إنهاك طويلة تؤدي في النهاية إلى انهيار النظام الدولي والإقليمي القائم. لذلك فإن التنظيم لا يرى نفسه ملزما بإقامة دولة فورية، بل يعتبر أن وظيفته الأساسية هي(إحياء روح الجهاد) داخل الأمة، وتفكيك الأنظمة القائمة، وإعداد المجتمع نفسيا وعسكريا لمرحلة التمكين.

ومن هنا نفهم سبب انتقاد القاعدة لتجربة تنظيم الدولة الإسلامية بعد إعلان الخلافة سنة 2014. فقد اعتبرت القاعدة أن داعش استعجلت إعلان الدولة دون توفر شروطها الواقعية والشرعية، وأنها ركزت على الشكل الرمزي للدولة أكثر من بناء مقوماتها الاجتماعية والسياسية. وفي رسائل عديدة مثل رسائل ابوت اباد ، رأى منظرو القاعدة أن إعلان الخلافة يحتاج إلى إجماع أوسع داخل الأمة، وقدرة حقيقية على حماية المسلمين، واستقرار مؤسسات الحكم، لا مجرد السيطرة العسكرية المؤقتة. ولهذا اعتبر الظواهري أن تجربة داعش أدت إلى استنفار العالم ضد المشروع الجهادي، وأعطت القوى الدولية مبررا لتدمير المناطق التي سيطر عليها التنظيم.

وتتضح خصوصية مفهوم الدولة لدى القاعدة أيضا في تبنيها نمطا مرنا من السيطرة والإدارة، بدل السعي الدائم إلى تأسيس دولة رسمية ذات مؤسسات معلنة. ففي العديد من المناطق التي نشطت فيها فروع التنظيم، مثل اليمن ومالي والصومال، فضلت القاعدة بناء شبكات نفوذ محلية بدل إعلان الخلافة. ففي اليمن مثلا، حاول تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب تقديم نفسه كقوة توفر الأمن والخدمات والقضاء للسكان المحليين، مع تجنب فرض نموذج صدامي سريع. وكذلك الأمر في مالي ومنطقة الساحل، حيث عملت جماعات مرتبطة بالقاعدة على بناء تحالفات قبلية ومحلية، مستفيدة من ضعف الدولة المركزية.

هذا النموذج يرتبط بشكل وثيق بأفكار أبو بكر ناجي في كتابه إدارة التوحش. وعلى الرغم من أن الكتاب لا يمثل وثيقة رسمية صادرة عن القاعدة، فإنه أثر بوضوح في كثير من استراتيجيات الجماعات المرتبطة بها. يرى ناجي أن انهيار سلطة الدولة في بعض المناطق يخلق مناطق توحش، أي فراغا أمنيا وإداريا، وعلى الجماعات الجهادية أن تستثمر هذا الفراغ عبر توفير الأمن والخدمات وإدارة شؤون الناس. وبدل التسرع في إعلان الدولة، يدعو الكتاب إلى إدارة هذه المناطق تدريجيا، وبناء النفوذ الشعبي والعسكري فيها حتى تنضج ظروف إقامة الحكم الإسلامي.

ومن المهم ملاحظة أن الدولة في الفكر القاعدي ليست مجرد جهاز إداري أو سياسي، بل مشروع عقدي وأخلاقي. فالقاعدة ترى أن غاية الدولة الإسلامية هي (تحكيم الشريعة) وإعادة تشكيل المجتمع وفق رؤيتها الدينية. ولهذا فإنها تركز في خطابها على قضايا الهوية والعقيدة أكثر من تركيزها على مفاهيم الدولة الحديثة مثل المواطنة أو الديمقراطية أو التعددية السياسية. فالحاكمية في أدبيات القاعدة تعود إلى الشريعة كما يفهمها التنظيم، لا إلى الإرادة الشعبية أو المؤسسات المدنية الحديثة. ولذلك فإن تصورها للدولة يتعارض جذريا مع مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة القائمة على السيادة الشعبية والتعددية القانونية

وفي النهاية تظهر هذه الدراسة أن تأجيل تنظيم القاعدة لإعلان الخلافة أو الدولة ليس مؤشرا على ضعف أو تردد، بل هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية فكرية وسياسية معقدة. فالتنظيم يتبنى رؤية طويلة الأمد تقوم على فقه التمكين والنضج التاريخي، مستفيدا من دروس الماضي، خاصة تجربة سقوط إمارة طالبان، ومنتقدا استعجال تنظيمات أخرى كداعش في إعلان الخلافة.

أما مفهوم الدولة في أدبيات القاعدة، فهو يختلف جذريا عن مفهوم الدولة الوطنية الحديثة. فالقاعدة ترفض الحدود الجغرافية والسيادة القومية، وتنظر لنفسها كـ(طليعة مقاتلة)  تمهد لدولة أممية عابرة للحدود. كما تتبنى نموذج إدارة التوحش كبديل عملي لإدارة المناطق التي تسيطر عليها، مما يسمح لها بالمرونة وتجنب الاستهداف المباشر.

إن فهم هذه الأبعاد الاستراتيجية والفكرية لتنظيم القاعدة ضروري لتحليل سلوكه وتوقعاته المستقبلية. فالتنظيم، على الرغم من الضربات التي تلقاها، لا يزال يحتفظ برؤية واضحة لمشروعه، وإن كان يفضل العمل في الظل والتركيز على بناء القواعد الصلبة قبل إعلان دولته الموعودة.

المراجع  

[1] كتاب "إدارة التوحش".. دراسة وصفية ونقدية. (تاريخ غير معروف). مركز الجزيرة للدراسات. متاح على:

[2] إدارة التوحش (كتاب )..

[3] وثائق "أبوت آباد"... مراجعات "القاعدة" في أوراق بن لادن.. العربي الجديد.

[4] دعوة المقاومة الإسلامية العالمية للمؤلف أبومصعب السوري.

[5] كتاب "إدارة التوحش".. دراسة وصفية ونقدية.. مركز الجزيرة للدراسات.

[6] هل سيبقى التنافس قائماً بين داعش والقاعدة؟.  Brookings.

[7] وثائق أبوت أباد: رسائل أسامة.. أميركية!.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...