الجهادية
المغربية واحدة من أكثر الظواهر تعقيدا في المجال العربي المعاصر، ليس فقط بسبب
امتدادها الزمني وتنوع مساراتها، بل أيضا بسبب قدرتها المستمرة على التحول وإعادة
إنتاج نفسها داخل سياقات سياسية ونفسية وإعلامية مختلفة. فمنذ الثمانينيات ظهر
المقاتل المغربي داخل ساحات صراع عابرة للحدود، بدءا من أفغانستان ثم البوسنة
والشيشان والعراق وسوريا ومنطقة الساحل، ورغم هذا الامتداد الواسع بقيت الدراسات
المتعلقة بالجهادية المغربية محدودة مقارنة بالحالات المصرية أو السعودية أو حتى
التونسية. ولا يعكس هذا الضعف البحثي محدودية الظاهرة، بل يكشف عن طبيعة العلاقة
المعقدة التي نشأت بين المعرفة والأمن والسياسة داخل السياق المغربي.
لقد
تعاملت الدولة المغربية، خصوصا بعد تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، مع الجهادية
باعتبارها ملفا أمنيا بالأساس، وهو ما جعل المقاربة الأمنية تتقدم على المقاربة
المعرفية والسوسيولوجية. فتم التركيز على التفكيك الأمني والملاحقة القضائية
وإعادة الهيكلة الدينية، أكثر من التركيز على إنتاج فهم عميق للبنيات النفسية
والاجتماعية والثقافية التي تدفع بعض الشباب نحو الراديكالية العنيفة. ونتيجة لذلك
تراكمت المعطيات الأمنية أكثر مما تراكمت الدراسات الفكرية والاجتماعية القادرة
على تفكيك الظاهرة من الداخل.
كما
أن جزءا من النخبة الأكاديمية المغربية ظل مترددا في الاقتراب من هذا الملف بسبب
حساسيته السياسية والأمنية. فالباحث في الجهادية يجد نفسه أحيانا محاصرا بين شبهة
التعاطف من جهة، وضغط المقاربة الرسمية من جهة أخرى، وهو ما جعل كثيرا من الكتابات
تنحو نحو الوصف الصحفي أو التناول الأمني المباشر، بينما بقيت الدراسات النظرية
العميقة قليلة نسبيا. ويزداد الأمر تعقيدا بسبب الطبيعة غير المستقرة للجهادية
المغربية نفسها، فهي ليست تنظيما متماسكا بقدر ما هي مسار متحول يعكس تغيرات
المجتمع والإعلام والسياسة والخيال الديني.
فالجيل
المغربي الذي ارتبط بأفغانستان في الثمانينيات والتسعينيات يختلف جذريا عن جيل
العراق أو سوريا. لقد تشكل جيل أفغانستان داخل سياق الحرب الباردة وخطاب الجهاد
الدفاعي ضد الاتحاد السوفياتي، وتأثر بخلفية سلفية تقليدية نسبيا، حيث كان التكوين
العقدي والشرعي والتنظيمي حاضرا بقوة. كان الانتماء إلى الجهاد انذاك يتم داخل
شبكات واضحة وخطابات ذات مرجعية دينية صلبة، وكان مفهوم (الأمة) يستحضر ضمن تصور
تعبوي كلاسيكي يقوم على نصرة المسلمين ومواجهة (الاحتلال الكافر).
أما
مع البوسنة والشيشان فقد بدأت ملامح التحول تظهر تدريجيا. هنا لم يعد الأمر مرتبطا
فقط بالعقيدة القتالية، بل أيضا بولادة شعور جديد بـ(الأمة الجريحة)، حيث لعب
الإعلام دورا مركزيا في تشكيل الوعي الجهادي. لقد بدأت الصور والمجازر والخطابات
العابرة للحدود تصنع إحساسا جماعيا بالمظلومية الإسلامية العالمية، وأصبح الشاب
المسلم يعيش الحروب البعيدة بوصفها جزءا من هويته الخاصة.
غير
أن التحول الأكبر ظهر مع جيل العراق بعد سنة 2003. فالعراق لم يكن مجرد ساحة قتال،
بل كان لحظة نفسية وثقافية فارقة داخل تطور الجهادية المغربية والعربية عموما. لقد
ولد الاحتلال الأمريكي والحرب الطائفية مشهدا عنيفا ومفتوحا على صور الدم والذبح
والانهيار الكامل للدولة، وهو ما جعل قطاعات من الشباب تتشكل داخل مناخ تعبوي سريع
قائم على الصدمة البصرية والانفعال النفسي أكثر من التكوين الفكري العميق. كثير من
الشباب الذين تأثروا بالعراق لم يمروا عبر مدارس علمية أو تنظيمات هرمية صارمة، بل
عبر أشرطة الفيديو وغرف الإنترنت والخطب الحماسية المختصرة. وهنا بدأ الانتقال من الجهاد
المؤدلج إلى الجهاد الانفعالي، أي من مشروع يقوم على بناء تصور فكري متماسك إلى
حالة يغلب عليها الغضب والرغبة في الفعل العنيف بوصفه استجابة نفسية للمهانة
والصدمة.
ثم
جاء جيل سوريا وتنظيم الدولة الإسلامية ليكرس قطيعة أكثر عمقا مع الأجيال السابقة.
فهذا الجيل تشكل داخل البيئة الرقمية أكثر مما تشكل داخل المؤسسات الدينية
التقليدية أو التنظيمات السرية القديمة. لقد لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورا
حاسما في إعادة تعريف العلاقة بين الفرد والعنف والهوية والانتماء. فالشاب الذي
كان يشعر بالتهميش أو العزلة أو فقدان المعنى وجد داخل الدعاية الجهادية الرقمية
سردية تمنحه البطولة والانتماء والقوة والقدرة على التأثير. ولهذا لم يكن كثير من
الملتحقين بسوريا متدينين بالمعنى التقليدي، بل كانوا أحيانا أبناء هشاشة نفسية
واجتماعية وثقافية عميقة.
لقد
نجحت التنظيمات الجهادية الحديثة، خصوصا تنظيم الدولة الإسلامية، في تحويل الغضب
الفردي إلى مشروع كوني، وربط الإحباط الشخصي بسردية عالمية كبرى. فالفرد الذي يشعر
بأنه غير مرئي داخل مجتمعه يصبح أكثر قابلية للبحث عن اعتراف بديل داخل جماعة
تتجاوز الحدود الوطنية. ومن هنا يمكن فهم كيف أصبح بعض الشباب المغربي يشعر بأن الانتماء
إلى حرب بعيدة أكثر معنى من الانتماء إلى واقعه المحلي.
وفي
هذا السياق يمكن تفسير فشل جزء من الحركات الإسلامية التقليدية في استيعاب هذه
الأجيال الجديدة. فالحركات الإسلامية المغربية، خصوصا منذ التسعينيات، اختارت إلى
حد بعيد مسار الاندماج السياسي والإصلاح التدريجي والعمل المؤسساتي، بينما كان جزء
من الشباب يعيش تصاعدا في مشاعر الإحباط والانسداد وفقدان الثقة في إمكانية
التغيير البطيء. لقد كانت القيادات الإسلامية تتحدث بلغة التربية والصبر والإصلاح
التدريجي، في حين كان الجيل الجديد يتشكل داخل عالم سريع ومشحون بصور الحروب
والانهيارات والهويات المتصارعة. بالنسبة لكثير من هؤلاء الشباب بدا الخطاب
الإسلامي التقليدي باردا ومؤسساتيا وغير قادر على تقديم تفسير جذري للعالم أو
توفير معنى وجودي قوي.
كما
أن دخول بعض الحركات الإسلامية إلى المجال السياسي ساهم، في نظر قطاعات من الشباب
الراديكالي، في فقدانها صورة المعارض الجذري، وتحولها تدريجيا إلى جزء من النظام
العام الذي كان هؤلاء الشباب يشعرون بالاغتراب تجاهه. وهكذا نشأ فراغ نفسي ورمزي
استطاعت التنظيمات الجهادية استثماره من خلال خطاب يقوم على الحسم والقطيعة والعنف
الرمزي والمادي.
غير
أن اختزال الظاهرة في العامل الديني أو التنظيمي يظل تبسيطا مضللا. فالجهادية
المغربية الحديثة تكشف أيضا عن أزمة أعمق تتعلق بالمعنى والهوية والاعتراف
الاجتماعي. فالكثير من الشباب الذين انجذبوا نحو مناطق الصراع لم يكونوا بالضرورة
فقراء أو أميين، بل كانوا يعيشون أشكالا مختلفة من الاغتراب: اغترابا دينيا أو
اجتماعيا أو نفسيا أو حتى وجوديا. لقد شعر بعضهم بأنهم عاجزون عن التأثير داخل
واقعهم المحلي، وأنهم يعيشون على هامش العالم، فجاءت الجهادية لتقدم لهم معنى
شاملا للحياة والموت معا.
ومن
هنا تبرز حدود المقاربة الأمنية الصرفة. صحيح أن المغرب نجح إلى حد بعيد في احتواء
التهديد الجهادي أمنيا وتفكيك العديد من الخلايا، لكنه لم ينتج بعد سردية فكرية
ومجتمعية عميقة قادرة على تفسير لماذا يفقد بعض الشباب الإحساس بالانتماء والمعنى
داخل مجتمعهم أصلا. فمواجهة الجهادية لا تتعلق فقط بتفكيك الشبكات أو مراقبة
الخطابات، بل أيضا بإعادة بناء العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة والمعنى.
إن
أخطر ما يميز الجيل الجهادي المغربي الجديد ليس فقط تطرفه المحتمل، بل سيولته
الفكرية وهشاشته الأيديولوجية. فالجيل القديم كان يتحرك داخل مرجعيات فقهية
وتنظيمية واضحة نسبيا، وكان بالإمكان محاورته داخل منظومات فكرية محددة. أما الجيل
الجديد فهو أكثر تفككا وتركيبا، إذ يمتزج فيه التدين الهش بالغضب النفسي وثقافة
العنف البصري والعزلة الرقمية والعدمية الوجودية. وهذا ما يجعل فهمه أكثر صعوبة،
ويجعل المقاربات التقليدية أقل قدرة على احتوائه.
لذلك
يبدو أن مستقبل الدراسات حول الجهادية المغربية ينبغي أن ينتقل من السؤال الأمني
المباشر: (كيف نحارب التطرف؟) إلى سؤال أكثر عمقا وتعقيدا: (لماذا يفقد بعض الشباب
الإحساس بالمعنى والاعتراف داخل بلده؟). فالجهادية في النهاية ليست فقط أزمة نصوص
دينية ، بل هي أيضا تعبير عن اختلالات أعمق تمس علاقة الإنسان المعاصر بالهوية
والكرامة والانتماء والمكان داخل العالم. ولهذا فإن فهم الجهادية المغربية يقتضي
تجاوز المقاربة الأمنية الضيقة نحو مقاربة متعددة الأبعاد تستوعب التحولات النفسية
والثقافية والرقمية والاجتماعية التي أعادت تشكيل الوعي الراديكالي في العقود
الأخيرة.
.jpg)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق