الخميس، 14 مايو 2026

السلفية الجهادية بالمغرب والعمل الحقوقي

 

السلفية الجهادية بالمغرب والعمل الحقوقي

مقدمة

في سياق التحولات التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة، تبرز ظاهرة السلفية الجهادية بوصفها إحدى أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا، نظرا لتداخل أبعادها الفكرية والسياسية والأمنية والحقوقية. وقد شكلت أحداث 16 ماي 2003 بالدار البيضاء لحظة مفصلية أعادت صياغة العلاقة بين الدولة والحقل الديني، كما أعادت طرح إشكالية التوازن بين متطلبات الأمن وضمانات الحقوق والحريات. في أعقاب هذه الأحداث، برز ما عرف بملف )السلفية الجهادية(، الذي ارتبط بحملات اعتقال واسعة، وأفرز في المقابل دينامية احتجاجية ذات طابع حقوقي، سواء من داخل السجون أو عبر عائلات المعتقلين وبعض الفاعلين المدنيين.

غير أن هذه الدينامية تطرح سؤالا مركزيا حول طبيعتها وحدودها: هل نحن أمام مشروع حقوقي متكامل يستند إلى رؤية شمولية لمبادئ العدالة وحقوق الإنسان، أم أمام خطاب مطلبي ظرفي تشكل في سياق المحنة، وتغلب عليه النزعة الدفاعية أكثر مما يؤطره تصور فلسفي متماسك للحقوق؟ تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن ما تبلور في الحالة المغربية لا يرقى إلى مستوى )مشروع حقوقي( بالمعنى الدقيق، بل يندرج ضمن حراك مطلبي جزئي، تحده من جهة محددات داخلية مرتبطة بالبنية الفكرية للسلفية الجهادية، ومن جهة أخرى إكراهات خارجية ناتجة عن المقاربة الأمنية للدولة وطبيعة هذا الملف الحساس.

وفي هذا الإطار، تسعى الدراسة إلى تحليل التجارب التنظيمية التي انبثقت عن هذا الحراك، وعلى رأسها )اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين( و)التنسيقية الوطنية للمعتقلين القدماء(، من خلال تفكيك خطاباتها وممارساتها، ورصد حدود قدرتها على التحول إلى فاعل حقوقي وازن يضاهي المنظمات الحقوقية الكلاسيكية. كما تناقش الدراسة إشكالية غياب الاعتراف بصفة )المعتقل السياسي( لمنتسبي هذا التيار، وتفسر طبيعة انحصار نشاط هذه الهيئات في الدفاع عن فئة المعتقلين الإسلاميين دون الانفتاح على قضايا حقوقية أوسع.

وبذلك، تهدف هذه الدراسة إلى تقديم قراءة سوسيولوجية نقدية لهذه الظاهرة، تسهم في فهم دينامياتها وحدودها، وتكشف عن التوتر القائم بين الخطاب الحقوقي والمحددات الفكرية والسياسية التي تؤطره في السياق المغربي.

سياقات النشأة والمسار النضالي للجان الحقوقية الإسلامية

يمكن فهم تجربة اللجان الحقوقية المرتبطة بالمعتقلين الإسلاميين في المغرب بوصفها مسارا مركبا لا يختزل في انتقال خطي من الصمت إلى الاحتجاج، بل يعكس تفاعلا معقدا بين شروط النشأة، وطبيعة الفاعلين، وتحولات الخطاب، وحدود الإمكانات السياسية والاجتماعية. فقد تشكلت هذه التجربة في سياق أعقب تفجيرات الدار البيضاء سنة 2003، حيث سادت مقاربة أمنية صارمة توسعت معها الاعتقالات وتسارعت المحاكمات في إطار قانون مكافحة الإرهاب، وهو ما وضع التيار السلفي الجهادي في موقع دفاعي حاد، يفتقر إلى أدوات الترافع المدني ووسائط التعبير، ومحاصرا بخطاب رسمي وإعلامي يربطه بالعنف. لذلك لم يكن الصمت الذي طبع تلك المرحلة تعبيرا عن اختيار بقدر ما كان نتيجة اختلال واضح في موازين القوة وغياب البنية التنظيمية القادرة على تحويل المعاناة إلى فعل احتجاجي منظم.

غير أن هذا الوضع بدأ يتغير تدريجيا مع نهاية العقد الأول من الألفية، بفعل تراكم الإحساس بالمظلومية داخل السجون وفي محيط العائلات، وبفعل انفتاح نسبي في المجال الحقوقي أتاح لبعض الفاعلين إمكانية الترافع، إضافة إلى تأثير السياق الإقليمي الذي أعاد طرح سؤال العلاقة بين الدولة والمجتمع مع اندلاع الاحتجاجات في المنطقة سنة 2011. في هذا المناخ، برزت فرصة سياسية مواتية سمحت بإعادة إدراج ملف المعتقلين الإسلاميين ضمن فضاء الاحتجاج العمومي، حيث تلاقت مطالب العائلات مع شعارات أوسع مرتبطة بالحرية والكرامة والعدالة، وهو ما شكل لحظة انتقال نحو الاحتجاج، لكنها لم تكن نتيجة تحول فكري داخلي بقدر ما كانت استجابة لظرف سياسي استثنائي أتاح إمكان التعبير.

على مستوى الفاعلين، مثل تأسيس اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين لحظة تنظيمية مهمة جمعت بين العائلات والمعتقلين السابقين وبعض المتعاطفين، غير أن هذه البنية ظلت هشة، أقرب إلى تنسيقية احتجاجية مرتبطة بملف محدد منها إلى مؤسسة حقوقية مستقلة ذات رؤية واستراتيجية بعيدة المدى. فقد بقيت ديناميتها رهينة بالملف ذاته، ولم تنجح في بناء تنظيم مستقر أو في توسيع قاعدتها لتشمل فاعلين حقوقيين ومدنيين على نحو مستدام، وهو ما انعكس أيضا في مبادرات أخرى كالتنسيقية المغربية لقدماء المعتقلين الإسلاميين ركزت بدورها على الإدماج وجبر الضرر دون أن تتجاوز أفق (القضية الخاصة) نحو بناء تصور حقوقي شامل.

أما على مستوى الخطاب، فقد عرف تحولا من لغة دينية مغلقة إلى استعمال مفردات حقوقية مثل المحاكمة العادلة والتعذيب والاعتقال التعسفي، غير أن هذا التحول ظل في جوهره أداتيا، إذ استخدمت لغة الحقوق كوسيلة للدفاع عن المعتقلين لا كتعبير عن تبن مبدئي لمنظومة حقوق الإنسان في شموليتها. لذلك بقي الخطاب متمركزا حول إثبات البراءة والطعن في المحاضر والمطالبة بالإفراج، دون أن يتطور إلى مساءلة أوسع لبنية العدالة أو إلى الدفاع عن حقوق فئات أخرى من المعتقلين، وهو ما أبقاه أسير منطق المظلومية الخاصة بدل الاندماج في أفق حقوقي عام.

وقد شكلت لحظة 25 مارس 2011 محطة مفصلية عكست انتقالا نسبيا في تعامل الدولة مع الملف من المقاربة الأمنية الصرفة إلى نوع من التدبير التفاوضي، مما خلق لدى الفاعلين أملا بإمكانية تحقيق مكاسب عبر الضغط السلمي، غير أن محدودية تنفيذ الوعود وما رافق ذلك من غموض أدى لاحقا إلى تراجع الثقة وانحسار الزخم الاحتجاجي. وضمن هذا المسار، يمكن ملاحظة انتقال من مرحلة احتجاج مكثف اتسم بالتعبئة والتنسيق مع قوى أخرى، إلى مرحلة تراجع تدريجي بفعل الإرهاق والانقسامات وتغير السياق العام، وصولا إلى نوع من التفكك أو إعادة التشكل في صيغ فردية أو جمعوية محدودة.

تكشف هذه الدينامية في مجملها أن التجربة، رغم أهميتها في كسر جدار الصمت وإدخال ملف المعتقلين الإسلاميين إلى النقاش العمومي، ظلت محدودة الأثر من حيث التحول إلى فاعل حقوقي مستدام. ويعود ذلك إلى تداخل عوامل متعددة، منها ما هو ذاتي يرتبط بضعف التأصيل النظري لمفهوم الحقوق وهيمنة الوعي العقدي، ومنها ما هو موضوعي يتصل بطبيعة الضغط الأمني وحساسية الملف وصعوبة كسب تعاطف مجتمعي واسع، إضافة إلى عوامل وسيطة تتعلق بضعف بناء التحالفات مع باقي مكونات الحركة الحقوقية. وبهذا المعنى، بقيت هذه اللجان أقرب إلى حركة مطلبية ظرفية منها إلى مشروع حقوقي متكامل، إذ لم تنجح في الانتقال من الدفاع عن ملف خاص إلى الإسهام في بناء أفق حقوقي عام يتجاوز حدود الانتماء والظرف.

عوائق التموقع في الفضاء الحقوقي المغربي

تتعتبر مسألة تحول الحراك الحقوقي المرتبط بمعتقلي السلفية الجهادية في المغرب إلى مشروع حقوقي متكامل وفاعل إحدى القضايا المعقدة التي تتداخل فيها أبعاد فكرية، سياسية، أمنية، ومؤسساتية. إن تعثر هذا التحول لا يعود فقط إلى عوامل خارجية، بل يتأثر بشكل كبير بمحددات داخلية ذاتية متجذرة في البنية الفكرية والممارسة العملية لهذا التيار. هذه المحددات تشكل عوائق بنيوية أمام تبني رؤية حقوقية كونية وشاملة، ويمكن إجمالها في عدة نقاط محورية.

أزمة المرجعية الفكرية والتوتر الإبستمولوجي

يتمثل العائق الأكبر في التوتر البنيوي بين المرجعية العقدية للسلفية الجهادية والمنظومة الحقوقية الدولية. تقوم البنية الفكرية لهذا التيار على أسس تجعل من الصعب إنتاج مفهوم (الحق للجميع) أو (الحقوق بغض النظر عن الموقف العقدي). تعتمد السلفية الجهادية على مركزية الحاكمية، حيث ينظر إلى تطبيق الشريعة الإلهية كأولوية قصوى، وتقيم جميع القضايا، بما فيها الحقوق، من منظور مدى توافقها مع هذه الحاكمية. كما أن ثنائية (الإيمان/الكفر) تقسم المجتمع إلى مؤمنين وكفار، مما يجعل من الصعب الاعتراف بحقوق متساوية للجميع، خاصة لغير المسلمين أو من يعتبرون خارج دائرة الإيمان. وتزيد قابلية تكفير الخصوم من تعقيد الوضع، إذ تسمح بإسقاط الحماية والحقوق عن من يكفرون، مما يتعارض بشكل مباشر مع مبدأ كرامة الإنسان الكونية .

يشكل هذا الإطار الفكري إشكالا جوهريا، فبينما تبنى الحقوق في الفكر الحقوقي الحديث على أساس الإنسان ككائن مستقل بذاته وله حقوق متأصلة، فإن هذا التصور السلفي الجهادي يبني الحقوق على أساس (الانتماء العقدي). هذا التباين الجذري يفسر صعوبة تبني خطاب حقوقي شامل يتجاوز حدود الهوية الدينية. إن تبني خطاب حقوقي من طرف هذه اللجان كان في الغالب وظيفيا أو اضطراريا لمواجهة الانتهاكات، ولم يكن نابعا من مراجعة فكرية عميقة تقبل بالديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم كونية. هذا التناقض جعل المنظمات الحقوقية الكلاسيكية (مثل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان) تتعامل معها بنوع من الحذر والتحفظ .

انتقائية الدفاع الحقوقي

تتجلى إحدى أبرز ملامح هذا التعثر في انتقائية الدفاع الحقوقي لدى معتقلي السلفية الجهادية ومحيطهم. ففي الممارسة العملية، يلاحظ أن هناك دفاعا قويا ومستميتا عن المعتقل الإسلامي، حيث تبذل جهود كبيرة للمطالبة بالإفراج عنه أو تحسين ظروف اعتقاله. في المقابل، يغيب نفس الزخم والاهتمام تجاه قضايا حقوقية أخرى تتعلق بمعتقلي اليسار، الصحفيين، أو نشطاء الحركات الاجتماعية. مثال واقعي على ذلك، هو غياب الحضور القوي للسلفية الجهادية أو محيطها في الدفاع عن معتقلي حراك الريف أو الصحفيين، في الوقت الذي كانت فيه بعض الحركات الحقوقية الأخرى تدافع عنهم . هذا يكشف بوضوح أن الخطاب الحقوقي هنا هو هوياتي بامتياز، وليس كونيا، حيث يرتبط الدفاع عن الحقوق بالهوية الدينية أو الأيديولوجية للمعتقل، وليس بمبدأ كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية بغض النظر عن انتمائه.

العائق السياسي والأمني

ارتبطت صورة السلفية الجهادية في المخيال الجمعي المغربي بأحداث العنف والدماء، وهو ما شكل حاجزا نفسيا وسياسيا أمام كسب تعاطف مجتمعي واسع. لقد شكلت أحداث 2003 لحظة فاصلة في ربط السلفية الجهادية بالعنف في الوعي العام المغربي. هذا الربط خلق فجوة ثقة عميقة مع المجتمع، وجعل من الصعب على هذا التيار كسب التعاطف والدعم الشعبي الواسع لقضاياه الحقوقية . كما أن قانون مكافحة الإرهاب (03.03) وضع هذه الفئة في خانة ( الحق العام) أو(الإرهابيين)، مما جعل الدولة ترفض أي محاولة لمنحهم غطاء حقوقيا مؤسساتيا. إن غياب (الاعتراف القانوني) بهذه اللجان يرجع بالأساس إلى أن الدولة ترى فيها امتدادا لتنظيمات غير قانونية، وليست جمعيات مدنية مستقلة . المفارقة هنا تكمن في أن من كان ينظر إليه كفاعل عنيف، يطالب اليوم بحقوق الإنسان. ورغم أن هذا الماضي لا يبطل المطالب الحقوقية المشروعة، إلا أنه يضعف بشكل كبير من مصداقية الخطاب الحقوقي للسلفية الجهادية، ويقلل من قدرتها على كسب تعاطف واسع من مختلف شرائح المجتمع ومنظمات حقوق الإنسان الأخرى. هذا التحدي يتطلب مراجعة عميقة للمسار الفكري والعملي لهذا التيار، وبناء جسور الثقة مع المجتمع، وهو ما لم يتحقق بشكل كاف حتى الآن.

العائق المؤسساتي وغياب الخبرة القانونية

تفتقر هذه اللجان إلى البنية المؤسساتية والخبرة القانونية الضرورية للترافع أمام الآليات الدولية (مثل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة). يتطلب المشروع الحقوقي المتكامل بناء مؤسساتيا قويا ومستقلا، يشمل: مراكز دراسات متخصصة في قضايا حقوق الإنسان، وتراكما قانونيا يستند إلى الخبرة والممارسة، وخبرة في الترافع الدولي لإيصال القضايا إلى المحافل الدولية، بالإضافة إلى استقلالية تنظيمية تضمن عدم تبعية هذه المؤسسات لأي أجندات سياسية أو أيديولوجية . فنشاطها يغلب عليه الطابع الاحتجاجي الميداني (وقفات، إضرابات عن الطعام) والبيانات الإعلامية ذات الصبغة الوعظية أحيانا، مما يضعف من مهنيتها الحقوقية ويجعلها تبدو كـ(جماعة ضغط) فئوية لا كمنظمة حقوقية تدافع عن المبادئ العامة . في الحالة المدروسة، يلاحظ أن الاعتماد كان بشكل كبير على مبادرات عائلية، والتي وإن كانت فعالة في إثارة الانتباه إلى قضايا فردية، إلا أنها تفتقر إلى الاستمرارية والتأطير المؤسساتي. كما أن هناك غيابا لمؤسسة قوية ومستقلة تتولى الدفاع عن حقوق المعتقلين بشكل منهجي ومستدام، وضعفا في الترافع القانوني المنهجي الذي يستند إلى أسس قانونية متينة ومعرفة عميقة بالقوانين الوطنية والدولية. هذا الغياب المؤسساتي يحد من قدرة الحراك على التحول إلى قوة حقوقية فاعلة ومؤثرة على المدى الطويل.

إن تحول الحراك الحقوقي المرتبط بمعتقلي السلفية الجهادية في المغرب إلى مشروع حقوقي متكامل يواجه تحديات عميقة ومتعددة الأوجه. هذه التحديات لا تقتصر على العوائق الخارجية، بل تتجذر في المحددات الذاتية لهذا التيار، بدءا من أزمة المرجعية الفكرية التي تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان الكونية، مرورا بانتقائية الدفاع الحقوقي الذي يركز على الهوية الدينية، وصولا إلى ثقل الماضي العنيف الذي يضعف المصداقية، وغياب البنية المؤسساتية والخبرة القانونية اللازمة للترافع الفعال. إن تجاوز هذه العوائق يتطلب مراجعة فكرية عميقة، وبناء جسور الثقة مع المجتمع، وتطويرا مؤسساتيا يضمن الاستقلالية والمهنية، لتمكين هذا الحراك من المساهمة بفعالية في المشهد الحقوقي الوطني والدولي.

إشكالية الاعتقال السياسي وحصر النشاط الفئوي المحددات الداخلية

ان إشكالية تصنيف المعتقلين في سياق الحركات الإسلامية، وتحديدا السلفية الجهادية، من القضايا الشائكة التي تثير جدلا واسعا على المستويين القانوني والحقوقي، ليس فقط في المغرب بل في العديد من الدول التي واجهت تحديات مرتبطة بهذه التيارات. يتجلى هذا الجدل في سؤالين محوريين: لماذا لم يحصل معتقلو السلفية الجهادية على صفة (معتقل سياسي)؟ ولماذا يقتصر نشاط اللجان الداعمة لهم على معتقليهم فقط، مما يثير تساؤلات حول شمولية عملها الحقوقي؟ إن الغوص في هذه الإشكالية يتطلب تحليلا للتعريفات القانونية والحقوقية، واستكشاف الدوافع وراء التموضع الفئوي لبعض التنظيمات الحقوقية.

إن غياب الاعتراف بصفة (المعتقل السياسي) لمعتقلي السلفية الجهادية ينبع أساسا من تباين في تعريف هذا المفهوم بين الدولة المغربية، وجزء من الحركة الحقوقية الوطنية، وبين المعايير الدولية التي تتبناها منظمات حقوق الإنسان. فالدولة المغربية، ووفقا لتصورها الرسمي، تعتبر أن (المعتقل السياسي) هو ذلك الفرد الذي يعتقل بسبب آرائه السياسية السلمية، أو نتيجة لنشاطه ضمن أحزاب أو تنظيمات سياسية معترف بها، أو تلك التي تسعى إلى التغيير السياسي بوسائل سلمية وديمقراطية. هذا التعريف يضع خطا فاصلا واضحا بين النشاط السياسي المشروع والنشاط الذي يتجاوز هذه الحدود. في المقابل، فإن معتقلي السلفية الجهادية غالبا ما يحاكمون ويدانون بموجب قوانين مكافحة الإرهاب، بتهم تتراوح بين تشكيل عصابات إجرامية، والتحريض على العنف، والتخطيط لأعمال تخريبية، وهي تهم تخرجهم بطبيعتها من دائرة الاعتقال السياسي بالمعنى الرسمي. فالأفعال المنسوبة إليهم، بحسب المنظور القانوني للدولة، لا تندرج ضمن التعبير عن الرأي السياسي السلمي، بل تتعداه إلى أفعال ذات طبيعة جنائية تمس بأمن الدولة والمجتمع. هذا التمييز القانوني ليس مجرد إجراء شكلي، بل هو انعكاس لفلسفة قانونية تهدف إلى حماية النظام العام ومكافحة التطرف الذي قد يهدد الاستقرار. علاوة على ذلك، فإن المنظمات الحقوقية الدولية، التي تعد مرجعا أساسيا في تحديد مفهوم (سجين الرأي)، تضع شرطا جوهريا لتبني قضايا المعتقلين، وهو (نبذ العنف). هذا الشرط يعد حجر الزاوية في تصنيف أي فرد كسجين رأي، حيث يفترض أن يكون المعتقل قد عوقب بسبب تعبيره عن رأي أو ممارسة حق من حقوق الإنسان بشكل سلمي، دون اللجوء إلى العنف أو التحريض عليه. وهنا تكمن الإشكالية الكبرى بالنسبة لمعتقلي السلفية الجهادية، فالكثير منهم، أو على الأقل جزء منهم، لا يزالون متمسكين بأدبيات الجهاد العنيف، ويرفضون التبرؤ من الأفكار التي تدعو إلى استخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية أو دينية. هذا التمسك يجعل من الصعب على المنظمات الدولية تبني قضاياهم كقضايا سجناء رأي، مما يعمق من عزلتهم الحقوقية ويحرمهم من الدعم الذي قد يحصل عليه معتقلون آخرون يتبنون خطابا سلميا.

تتجلى إشكالية أخرى في طبيعة النشاط الفئوي والانتقائية الحقوقية التي تتبناها بعض اللجان والتنسيقيات التي تعنى بقضايا المعتقلين. يلاحظ أن نشاط (اللجنة المشتركة) و(التنسيقية الوطنية)، على سبيل المثال، يقتصر بشكل شبه كلي على المعتقلين الإسلاميين، وتحديدا أولئك المنتمين إلى تيار السلفية الجهادية. هذا التركيز الضيق يثير تساؤلات حول شمولية عمل هذه اللجان، ويعزز من الصورة النمطية عنها كـ(لجان طائفية) أو (فئوية)، لا تهتم بالحقوق إلا إذا كانت مرتبطة بهوية معينة أو انتماء فكري محدد. إن المفهوم الحديث للعمل الحقوقي، كما هو متعارف عليه دوليا، يقتضي الدفاع عن الحق في ذاته، كقيمة إنسانية كونية، بغض النظر عن هوية الضحية، أو انتماءاتها الفكرية، أو خلفيتها الاجتماعية. فالعدالة والحقوق يجب أن تكون شاملة، لا تميز بين الأفراد على أساس معتقداتهم أو توجهاتهم. إن غياب التضامن من طرف هذه اللجان مع فئات أخرى من المعتقلين، مثل معتقلي الحراكات الاجتماعية (كحراك الريف الذي شهد اعتقالات واسعة على خلفية مطالب اجتماعية واقتصادية)، أو معتقلي الرأي من الصحفيين والمدونين الذين يعتقلون بسبب تعبيرهم عن آرائهم أو كشفهم لفساد، يفقد خطابها حول العدالة والحقوق مصداقيته وشموليته. هذا الغياب يؤكد، في نظر الكثير من المراقبين، أن الهدف الأساسي لهذه اللجان ليس إصلاح المنظومة الحقوقية والقضائية بشكل عام، أو الدفاع عن مبادئ العدالة الكونية، بل هو (تخليص الإخوة) من السجن، أي تحقيق هدف فئوي يخدم مصالح جماعة معينة. هذا التموضع الانتقائي يضعف من قوة الحركة الحقوقية ككل، ويجعلها عرضة للانتقادات التي تتهمها بالازدواجية في المعايير، ويفقدها القدرة على بناء جبهة حقوقية موحدة وقوية قادرة على الضغط من أجل إصلاحات حقيقية وشاملة. فالحركة الحقوقية الفاعلة هي تلك التي تتجاوز الانتماءات الضيقة وتدافع عن حقوق الجميع، بصرف النظر عن انتماءاتهم، لأن الحقوق لا تتجزأ ولا يمكن أن تكون حكرا على فئة دون أخرى.

يمكن القول إن إشكالية الاعتقال السياسي وحصر النشاط الفئوي في ملف السلفية الجهادية بالمغرب هي إشكالية مركبة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والحقوقية والسياسية. فمن جهة، هناك تعريف رسمي للدولة يربط الاعتقال السياسي بالنشاط السلمي، ويخرج الأفعال المرتبطة بالعنف أو التحريض عليه من هذا التصنيف. ومن جهة أخرى، تضع المنظمات الحقوقية الدولية شرط نبذ العنف كمعيار أساسي لتبني قضايا سجناء الرأي، وهو ما لا ينطبق على كل معتقلي السلفية الجهادية. أما على مستوى النشاط الحقوقي، فإن التركيز الفئوي لبعض اللجان على معتقلي تيار معين يفقدها الشمولية والمصداقية، ويجعلها تبدو وكأنها تخدم أجندات ضيقة بدل الدفاع عن الحقوق كقيمة كونية. إن تجاوز هذه الإشكالية يتطلب حوارا مجتمعيا معمقا حول تعريفات المفاهيم، وإعادة النظر في مقاربات العمل الحقوقي لضمان شموليتها واستقلاليتها، بما يخدم مبادئ العدالة وحقوق الإنسان للجميع، دون تمييز أو انتقائية. إن بناء حركة حقوقية قوية ومؤثرة يستلزم التخلي عن الحسابات الفئوية والتركيز على المبادئ الكونية التي تضمن كرامة الإنسان وحريته، بغض النظر عن خلفيته الفكرية أو السياسية، طالما أنه يلتزم بالوسائل السلمية في التعبير عن آرائه ونشاطاته.

المحددات الخارجية لتعثر التحول الى مشروع حقوقي

تتداخل المحددات الخارجية الموضوعية التي تحول دون تحول الحراك الحقوقي المرتبط بمعتقلي السلفية الجهادية في المغرب إلى مشروع حقوقي شامل ومستدام، مع بنية الدولة وتوجهاتها الإستراتيجية في تدبير الحقل الديني والأمني. إن هذا التعثر ليس مجرد نتاج لضعف في الأداء الذاتي للحراك، بل هو انعكاس لبيئة سياسية وقانونية تتسم بالتعقيد، حيث يتقاطع فيها (السيادي) مع (الأمني) والدولي، مما يخلق جدارا منيعا أمام المحاولات الرامية إلى إخراج الملف من دائرة (الاستثناء الأمني) إلى رحاب (الحق العام) والممارسة الحقوقية الكونية.

تتجلى أولى هذه المحددات في الهيمنة المطلقة للمقاربة الأمنية، وهي مقاربة لم تكن وليدة الصدفة بل جاءت في سياق دولي ووطني مطبوع بالتوتر. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، انخرط المغرب في الحرب العالمية على الإرهاب، وهو الانخراط الذي تعزز بشكل جذري بعد تفجيرات الدار البيضاء في 16 مايو 2003. لقد أدى هذا السياق إلى ولادة قانون مكافحة الإرهاب (03-03)، الذي لم يكن مجرد نص تشريعي تقني، بل كان إعلانا عن مرحلة جديدة تقدم فيها الهواجس الأمنية على الضمانات الحقوقية. إن هذه الهيمنة جعلت من ملف السلفية الجهادية ملفا أمنيا بامتياز، حيث تتقلص فيه أدوار المؤسسات القضائية والحقوقية المستقلة لصالح تقديرات الأجهزة الأمنية. هذا الوضع خلق نوعا من القضاء الاستثنائي غير المعلن، حيث تصبح المساطر القانونية والمدد الزمنية للحراسة النظرية وظروف الاعتقال خاضعة لمنطق الضرورة الأمنية، مما يصعب من مأمورية أي فاعل حقوقي يسعى للمساءلة أو الرقابة، إذ ينظر إلى أي نقد للممارسات الأمنية في هذا الصدد كأنه مساس بأمن الدولة القومي.

علاوة على ذلك، يبرز الطابع السيادي للملف كعائق بنيوي يحول دون تبيئته حقوقيا. ففي المغرب، يعتبر ملف السلفية الجهادية جزءا من (المجال المحفوظ) للدولة، المرتبط مباشرة بمؤسسة إمارة المؤمنين وبالأجهزة السيادية العليا. هذا الارتباط يمنح الملف حصانة سياسية تجعل من الصعب على الأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني التقليدية الترافع فيه بحرية كاملة. إن الدولة المغربية ترى في تيار السلفية الجهادية تحديا ليس فقط لأمنها المادي، بل لشرعيتها الدينية والسياسية أيضا، وهو ما يفسر لماذا يتم التعامل مع هذا الملف بمنطق السيادة الذي لا يقبل القسمة أو التفاوض الحقوقي الصرف. هذا الطابع السيادي يتمدد ليشمل العلاقات الدولية للمملكة؛ فالمغرب يتموقع كشريك إستراتيجي للقوى الكبرى (خاصة الولايات المتحدة وفرنسا) في مجال مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الاستخباراتية. هذا التموقع الدولي يفرض على الدولة المغربية الحفاظ على صرامة أمنية معينة لضمان استمرار تدفق الدعم والتعاون الدولي، مما يجعل أي انفراج حقوقي واسع في الملف مرتبطا بتوازنات دولية وإقليمية معقدة تتجاوز حدود المطالب الحقوقية المحلية.

وفي سياق متصل، يظهر تحفظ جزء كبير من الحركة الحقوقية المغربية والدولية كأحد المحددات الخارجية التي تكرس عزلة هذا الملف. إن هذا التحفظ لا ينبع فقط من الخوف من الصدام مع الدولة، بل يعود إلى أزمة مرجعيات عميقة. فالحركة الحقوقية، التي تتبنى في الغالب المرجعية الكونية لحقوق الإنسان والديمقراطية، تجد نفسها في موقف حرج عند الدفاع عن تيار يحمل أدبيات ترفض هذه المرجعيات وتعتبرها دخيلة أو كافرة. هذا التناقض الأيديولوجي خلق نوعا من (الحقوق المشروطة)، حيث يميل بعض الحقوقيين إلى ربط تضامنهم مع المعتقلين بمدى قيام هؤلاء بمراجعات فكرية جذرية تتوافق مع قيم الحداثة والديمقراطية. إن هذا الموقف، وإن كان مبررا من زاوية فكرية، إلا أنه يضعف الجبهة الحقوقية الموحدة، ويجعل الدفاع عن معتقلي السلفية الجهادية دفاعا إنسانيا في أحسن الأحوال، وليس دفاعا عن )حقوق مواطنة( أصيلة غير قابلة للتجزئة. هذا الانقسام داخل الجسم الحقوقي منح الدولة هامشا واسعا للمناورة، حيث استطاعت استمالة بعض الفاعلين الحقوقيين للمشاركة في برامج مثل )مصالحة(، التي تهدف إلى إعادة هندسة الحقل السلفي وفق شروط الدولة، بدلا من الضغط من أجل إغلاق الملف بناء على معايير العدالة والمحاكمة العادلة.

إن تعمق التحليل في هذه المحددات يكشف عن وجود بيئة طاردة لأي مشروع حقوقي شامل في هذا الملف. فالمجتمع المغربي نفسه، المتأثر بخطاب إعلامي رسمي يربط السلفية الجهادية بالعنف والدمار، يظهر في كثير من الأحيان تحفظا أو حتى عداء تجاه أي مطالب حقوقية تخص هؤلاء المعتقلين. إن وصمة الإرهاب تعمل كأداة عزل اجتماعي فعالة، تجعل من الصعب بناء تعاطف شعبي واسع يمكن أن يشكل ضغطا على صانع القرار. وفي ظل غياب هذا الضغط الشعبي، ومع استمرار هيمنة المقاربة الأمنية والسيادية، يظل الحراك الحقوقي للسلفية الجهادية حراكا فئويا ومحصورا في دائرة ضيقة من العائلات وبعض الجمعيات المتخصصة، عاجزا عن اختراق المشهد العام وتحويل قضيته إلى قضية رأي عام وطني تفرض نفسها على الأجندة السياسية والحقوقية للمملكة. إن الخروج من هذا المأزق يتطلب ليس فقط تغييرا في الخطاب الذاتي للسلفيين، بل والأهم من ذلك، إرادة سياسية حقيقية لدى الدولة لفك الارتباط بين الأمن والاستثناء، والاعتراف بأن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكون ضحية للسيادة أو الهواجس الأمنية مهما كانت التحديات.

بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال دور المؤسسات الحقوقية الرسمية والموازية في تشكيل هذا المشهد. فالمجلس الوطني لحقوق الإنسان، رغم دوره الاستشاري والرقابي، يجد نفسه غالبا مقيدا بسقف التوازنات السيادية، مما يجعل تقاريره حول وضعية معتقلي السلفية الجهادية تتسم بنوع من الدبلوماسية الحقوقية التي تسعى للتوفيق بين رصد الانتهاكات وبين الحفاظ على صورة الدولة في الخارج. هذا التذبذب المؤسساتي يساهم في إطالة أمد التعثر، حيث تغيب المرجعية الوطنية القوية والقادرة على فرض معايير المحاكمة العادلة كأولوية لا تعلو عليها أي مقاربة أخرى. إن استمرار هذا الوضع يعني بقاء ملف السلفية الجهادية في منطقة رمادية قانونيا وحقوقيا، حيث تطبق القوانين بروح أمنية وتفسر النصوص لصالح الدولة، مما يجعل من أي تحول نحو مشروع حقوقي متكامل أمرا بعيد المنال في المدى المنظور، ما لم يحدث تحول جذري في فلسفة الحكم وتدبير الاختلاف الأيديولوجي والأمني في المغرب المعاصر.

وفي عمق هذا التحليل، نجد أن التفاعل بين المحددات الخارجية والبيئة الإقليمية يلقي بظلاله الكثيفة على مسارات الانفراج الحقوقي. فالمنطقة المغاربية والساحلية، التي تشهد اضطرابات أمنية مستمرة ونشاطا متزايدا للجماعات المسلحة، تفرض على المغرب حالة من الاستنفار الدائم. هذا الاستنفار يترجم داخليا إلى تشديد الرقابة على كل ما يمت بصلة للتيار السلفي، حيث ينظر إلى المعتقلين السابقين أو الحاليين كـ )خلايا نائمة( محتملة أو كحاضنة فكرية قد تتأثر بما يحدث خارج الحدود. إن هذا الربط العضوي بين التهديد العابر للحدود وبين الملف الحقوقي المحلي يمنح الدولة تبريرا أخلاقيا وسياسيا أمام المجتمع الدولي للاستمرار في مقاربتها الصارمة، ويجعل من مطالب الجمعيات الحقوقية تبدو وكأنها ترف فكري لا يراعي خطورة الواقع الجيوسياسي. هذا الوضع يعزز من سلطة الأجهزة الاستخباراتية في رسم معالم السياسة الجنائية والحقوقية المتعلقة بالملف، ويقلص من قدرة المؤسسات المنتخبة، كبرلمان وحكومة، على المبادرة باتجاه حلول سياسية أو حقوقية شاملة، مما يبقي الملف رهينة لتقديرات أمنية محضة تتجاوز في كثير من الأحيان حدود النص القانوني.

علاوة على ذلك، يلعب الإعلام دورا محوريا كمحدد خارجي يساهم في تشكيل الوعي الجمعي الرافض للمشروع الحقوقي السلفي. فمن خلال صناعة بروفايل نمطي للمعتقل السلفي يربطه بالدموية والرفض المطلق للآخر، يتم تجريد هؤلاء المعتقلين من صفتهم الإنسانية والمواطناتية في نظر جزء كبير من الرأي العام. هذا التجريد من الإنسانية يجعل من الحديث عن حقوقهم في المحاكمة العادلة أو ظروف الاعتقال الكريمة يبدو وكأنه دفاع عن الإرهاب ذاته. إن هذه الآلة الإعلامية، سواء كانت رسمية أو مقربة من دوائر القرار، تنجح في خلق فجوة عاطفية وفكرية بين المجتمع وبين قضايا المعتقلين، مما يحرم الحراك الحقوقي من أهم ركائزه وهي الاحتضان الشعبي. وبدون هذا الاحتضان، يظل الفاعلون الحقوقيون الذين يتجرؤون على تبني الملف في موقف دفاعي مستمر، مضطرين لتبرير مواقفهم وإثبات براءتهم من التهم الأيديولوجية قبل الحديث عن الانتهاكات القانونية، وهو استنزاف للمجهود الحقوقي يمنع تحوله إلى فعل ترافعي هجومي ومؤثر.

وفي نهاية المطاف، يظهر أن بنية الدولة الأمنية في تعاملها مع ملف السلفية الجهادية تعيد إنتاج نفسها من خلال هذه المحددات الخارجية. إن الاستثمار في الخوف من الإرهاب كأداة للضبط الاجتماعي والسياسي يجعل من الصعب على الدولة التخلي عن هذا الملف كـ )فزاعة( تستخدم عند الحاجة لتبرير تقييد الحريات العامة أو لتمرير قوانين استثنائية. وبالتالي، فإن تعثر التحول إلى مشروع حقوقي ليس مجرد عجز تقني، بل هو نتيجة لقرار إستراتيجي غير معلن يبقي الملف في حالة تعليق دائم فلا هو يطوى نهائيا عبر مصالحة وطنية شاملة، ولا هو يترك للمسار القضائي العادي. هذا التعليق يخدم أجندات الاستقرار القائم على الضبط، ولكنه في المقابل يعمق الشعور بالظلم والإقصاء لدى فئة واسعة من المواطنين، مما قد يؤدي في المستقبل إلى انفجارات اجتماعية أو فكرية يصعب التنبؤ بمالاتها، ويؤكد مرة أخرى أن المقاربة الحقوقية الشاملة هي السبيل الوحيد والآمن لطي هذا الملف بشكل نهائي وعادل.

 

خاتمة  

يمثل الانتقال من وضعية الضحية إلى الفاعل الحقوقي لحظة مفصلية لا تتحقق بمجرد التفاعل مع الانتهاكات أو رفع المظالم، بل تتطلب تحولا معرفيا يطال بنية التفكير ذاتها. فالمشروع الحقوقي، في جوهره، ليس خطابا احتجاجيا ظرفيا، وإنما هو تصور شامل ومتماسك للحقوق  يستند إلى مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية دون تمييز. ومن هذا المنطلق، يظل التحدي الأساسي أمام الحراك المرتبط بمعتقلي السلفية الجهادية في المغرب كامنا في قدرته على تجاوز الإطار الضيق للدفاع عن الذات، نحو أفق أوسع يجعل من الدفاع عن الحقوق مبدأ عاما يشمل الجميع، بغض النظر عن الانتماءات الأيديولوجية أو الخلفيات الهوياتية.

غير أن هذا التحول يظل إلى حدود الآن معلقا بين محددين متداخلين: أولهما داخلي يرتبط ببنية فكرية لم تخضع بعد لمراجعة في ما يتعلق بمفاهيم الحقوق والتعايش والاختلاف، وثانيهما خارجي يتجسد في سياق سياسي وأمني لا يسمح بسهولة ببروز فاعل حقوقي مستقل ومؤثر من داخل ملف يصنف ضمن القضايا الحساسة. فالمسألة لا تختزل في القمع أو التضييق الذي قد يواجه هذا الحراك، بل تمتد إلى حدود التصور ذاته، حيث لا يزال الفهم السائد للحقوق محكوما بمنطق انتقائي أو دفاعي، يضعف إمكان التحول إلى مشروع حقوقي متكامل.

وعليه، فإن أي أفق مستقبلي لتأسيس مشروع حقوقي فعال ومستدام يقتضي، بالضرورة، القيام بمراجعات فكرية عميقة تعيد بناء العلاقة مع منظومة حقوق الإنسان ، وتؤسس لوعي جديد يقوم على شمولية الحقوق وعدم قابليتها للتجزئة. كما يتطلب هذا المسار الانتقال من منطق اللجان الظرفية إلى منطق المؤسسات المستقلة، القادرة على الترافع عن الحقوق بصفة مبدئية، وليس فقط في سياق الدفاع عن فئة بعينها. فبناء المصداقية الحقوقية لا يتم إلا عبر الانخراط في قضايا عامة، وتبني خطاب متوازن يعلي من قيمة الإنسان باعتباره غاية في ذاته.

لذلك، فإن تحقيق تحول نوعي في هذا المسار يظل رهيناً بتوافر شرطين متلازمين: انفراج سياسي يتيح توسيع هامش الفعل الحقوقي، ونضج فكري يعيد صياغة العلاقة مع الدولة والمجتمع ومنظومة الحقوق الكونية على أسس جديدة. وحده هذا التلاقي بين التحول البنيوي في السياق، والمراجعة العميقة في الفكر، كفيل بنقل هذا الحراك من وضعية المطالبة الجزئية إلى مستوى المشروع الحقوقي الحقيقي، بما يسهم في ترسيخ قيم العدالة والكرامة الإنسانية داخل المجتمع.

 

المراجع المعتمدة

1.أبو اللوز، عبد الحكيم. (2009). الحركات السلفية في المغرب: 1971-2004. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

2.ضريف، محمد. (2005). السلفية الجهادية بالمغرب: مسارات التكون والتشكل. الدار البيضاء: منشورات المجلة المغربية لعلم الاجتماع السياسي.

3.اللجنة المشتركة للدفاع عن المعتقلين الإسلاميين. (2011-2026). تقارير وبيانات دورية. متاح على: ccddi.org.

4.هيومن رايتس ووتش. (2004). باسم مكافحة الإرهاب: انتهاكات حقوق الإنسان في المغرب. تقرير دولي.

5.المجلس الوطني لحقوق الإنسان (المغرب). (2011). تقرير حول أحداث السجون وملف المعتقلين الإسلاميين.

6.معهد ميبا (MIPA). (2021). الجهاديون المغاربة: دراسة في التحولات والمسارات. الربط: المعهد المغربي لتحليل السياسات.

7.منظمة العفو الدولية. (2010). المغرب: ظلال الإرهاب - التعذيب والاحتجاز السري في المغرب. لندن.

8.الرضواني، رشيد. (2013). الإسلاميون والمسألة الحقوقية في المغرب. ورقة بحثية، مبادرة الإصلاح العربي.

 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية: قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقلين السلفيين

  من المراجعات الفردية إلى الهندسة المؤسسية : قراءة نقدية في خصوصية الحالة المغربية ومشروع مصالحة، وآفاق إنهاء ملف المعتقل...